ارتفعت أسعار الذهب عالميًا لمستويات تاريخية لم تبلغها من قبل خلال الأيام الأخيرة، وذلك بالتزامن مع تراجع سعر الدولار وارتفاع اليورو والين اليابانى. ساهمت عدة عوامل فى مواصلة الذهب رحلة الصعود، بعدما شكَّك البعض فى إمكانية إنهاء هيمنة العملة الأمريكية على النظام النقدى والتجارى العالمى، إذ تراجع سعر العملة الأمريكية خلال الأيام الأخيرة لمستويات متدنية، لتصل إلى أقل مستوى خلال عامين، وسط زيادة معدلات الإصابة بكورونا فى الولاياتالمتحدة، وتصاعد الصراع مع الصين، ثانى أكبر قوة اقتصادية فى العالم.
أدى تراجع الدولار إلى عدة تغيرات على مستوى المشهد الاقتصادى العالمى؛ حيث ارتفعت عملة الاتحاد الأوروبى والين اليابانى، فيما كان الذهب أكبر الرابحين؛ حيث حقَّق مكاسب قياسية، لم يبلغها على مستوى تاريخه حيت تجاوز سعر الأونصة 2000 دولار.
أسباب الارتفاع تأتى أسباب ارتفاع أسعار الذهب عالميًا ومحليًا، نتيجة للتراجع المفاجئ لسعر الدولار أمام سلة العملات الدولية خلال الفترة الأخيرة، نتيجة زيادة معدلات الإصابة بفيروس كورونا، وما صاحبها من تداعيات سلبية على الاقتصاد الأكبر فى العالم؛ حيث هبط مؤشر الدولار الذى يقيس سعر صرف العملة الأمريكية أمام سلة من العملات، وبلغ أدنى مستوى فى عامين عند مستوى 92.713، وسجل اليورو أعلى مستوى فى عامين مقابل الدولار عند 1.1876 دولار. وبجانب تداعيات فيروس كورونا، فقد تصاعدت الخلافات الدبلوماسية بين الصينوأمريكا خلال الأيام الأخيرة، بنشوب حرب باردة جديدة بين أكبر اقتصادين فى العالم، وهو ما سارع أيضًا من وتيرة تراجع العملة الأمريكية، والعملة الصينية، فيما أدى إلى تعزيز موقع المعدن النفيس فى الأسواق الدولية كملاذ آمن وقت الاضطرابات. وذكرت تقارير اقتصادية أن اليوان الصينى، وهو مقياس للتوتر بين الصينوالولاياتالمتحدة، يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء له فى ثلاثة أشهر تقريبًا. وعلى مستوى سوق العملة المحلية فى مصر، فقد حقق الجنيه المصرى بعض المكاسب أمام الدولار، مستغلًا الانخفاض العالمى للعملة الخضراء التى فقدت نحو نحو 5 قروش أمام الدولار، لتتدول عند مستوى 16.01، و16.03 جنيه. وبينما يربط البعض تراجع سعر الدولار محليًا، بتسلم مصر الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد البالغة قيمتها 2مليار دولار، لا يبدو ذلك الطرح منطقيًا، لأن الدولار كان قد ارتفع أمام الجنيه خلال الشهرين الماضيين بالرغم من حصول مصر على قرض سابق بقيمة 2.7 ملياردولار. ونتيجة لعدم استفادة الجنيه المصرى بالقدر الكافى من تراجع سعر الدولار، واصل سعر الذهب محليًا الصعود؛ حيث بلغ مستويات لم تعرفها السوق من قبل، بعدما بلغ سعر عيار 24 1006 جنيهات، فيما تجاوز سعر الذهب عيار 21 ال900 جنيه.
هيمنة الدولار وفى مفارقة اقتصادية، انضم صندوق النقد الدولى إلى الأصوات الدولية المطالبة بإنهاء هيمنة الدولارعلى النظام النقدى العالمى. وقالت دراسة، أجراها صندوق النقد الدولى مؤخرا، إن هيمنة الدولار الأمريكى على التجارة والتمويل فى العالم، يمكن أن تؤدى إلى تفاقم الأثر الاقتصادى لوباء كورونا. وأضافت الدراسة، أن تعزيز قوة الدولار، سيؤدى إلى تفاقم تراجع التجارة العالمية والنشاط الاقتصادى على المدى القصير. ومن المستبعد أن تتمكن البلدان النامية من الاستفادة من ضعف عملاتها الوطنية لتحفيز الاقتصاد، إذ يتم تحديد أسعار الصادرات بالدولار. كما أن ضعف عملات الدول الأخرى مقابل الدولار، يؤدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وبالتالى انخفاض الطلب عليها. فى وقت سابق، قال الخبراء إن الولاياتالمتحدة يمكن أن تسحب العالم بأسره إلى أسفل، لأن المقاومة غير الفعالة للوباء، تبطئ الانتعاش العالمى، وتعتمد العديد من البلدان على الولاياتالمتحدة، الدولة التى تبلغ حصتها نحو ربع الناتج المحلى الإجمالى العالمى. وعلى الجانب الآخر، يرى بعض المحللين، أن الدولار، خلال الأزمة بدأ يفقد قيمته، وبدأ اليورو فى التحول إلى «ملاذ آمن» جديد للمستثمرين. وقال الرئيس السابق ل«مورجان ستانلى آسيا»، ستيفن روتش، إن الدولار سينهار وسط عجز متزايد فى الميزانية الأمريكية وعمليات إلغاء العولمة.
الذهب أكبر الرابحين بعكس القاعدة المحلية التى تشير إلى أن أى انخفاض فى سعر الدولار يصحبه انخفاض فى سعر المعدن النفيس «الذهب»، فإن الأمور تسير عكس ذلك خارجيًا؛ حيث إن سعر الذهب ارتفع لمستويات تاريخية عقب انخفاض سعر العملة الخضراء. وقفزت أسعار الذهب لمستويات قياسية، حيث تخطت أسعار الأونصة الرقم القياسى الذى بلغته فى عام 2011 ، عندما وصل سعر الذهب 1910 دولارات للأونصة، إذ تخطى نهاية الأسبوع الماضى حاجز 2000دولار للأونصة الواحدة، فيما تشير التقارير أنه سيصل لمستوى 2200دولار. وتعزز التوقعات بإقرار مزيد من حزم التحفيز الاقتصادى لإنعاش الاقتصادات التى تضررت من جائحة كورونا، جاذبية المعدن النفيس كملاذ للتحوط من التضخم، خاصة عقب إقرار حزمة تحفيز أوروبية بنحو 750 ملياريورو قبل أيام، فضلا عن إعلان أمريكا عن حزمة تحفيز جديدة بنحو تريليون دولار. وكان اليورو من ضمن أبرز الرابحين من انخفاض سعر الدولار، بعدما سجلت ارتفاعات متتالية لأعلى مستوياتها خلال عامين، عند مستوى1.1876 دولار واستمر ارتفاعه منذ بداية الشهر الجارى. وسط تلك التطورات السريعة، توقع الخبير الاقتصادى، بيتر شيف، أن يستأنف الذهب دوره من جديد فى النظام النقدى العالمى، وعودة دول العالم إلى معيار الذهب، وفى ظل الأزمة الاقتصادية التى يشهدها العالم. ونصح الخبير الاقتصادى الجميع بالابتعاد عن الدولار قبل فوات الأوان، وقال إن المعدن الأصفر سيستأنف دوره فى النظام النقدى العالمى، حيث سيعود العالم إلى معيار الذهب سواء أراد الاحتياطى الفدرالى (الأمريكى) ذلك أم لا.
العملة الدولية الجديدة لم تكن معضلة البحث عن عملة احتياطى دولية بديلة عن الدولار وليدة اللحظة، لكن فى السنوات العشر الماضية زادت الإجراءات والمطالبات الدولية الرامية لذلك بشكل لافت. وتقود الصين وروسيا عملية التخلص من هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمى منذ أكثر من 10 سنوات، وذلك عبر تعزيز احتياطاتهما من الذهب بكميات ضخمة، والاتفاق على التبادل التجارى بالعملات المحلية. وفى السياق نفسه، قال الخبير الاقتصادى ورجل الأعمال، طلال أبو غزالة إن «جوردن براون» رئيس وزراء بريطانيا الأسبق كان من أوائل السياسيين فى الغرب الذين أكدوا أنه حان الوقت لعملة جديدة بديلة عن الدولار. وتتزايد الدعوات فى العالم لتقليل احتياطيات البنوك المركزية من الدولار الأمريكى منذ عام 2009، وبالتحديد عقب نشوب الأزمة المالية العالمية، واستخدام عملة احتياط جديدة، بصفة خاصة من قبل الصين وروسيا اللتين تحاولان أن تقنعا العالم بأنه يحتاج إلى عملة احتياط جديدة تحل محل الدولار الأمريكى. لم يقتصر الأمر على مجرد اقتراحات عالمية لاستبدال الدولار، فقد عادت الولاياتالمتحدة لاتباع سياسات التيسير الكمى، والتى من المتوقع أن يترتب عليها ارتفاع مستويات التضخم، الأمر الذى يؤدى بدوره لتراجع قيمة الدولار ومن ثم تدهور القوة الشرائية لاحتياطيات البنوك المركزية من الدولار الأمريكى. وفى ضوء ضيق القاعدة الضريبية خلال الأزمة الحالية، من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الأمريكى بسببها بنسبة تصل إلى 8 %، فإن الاحتياطى الفيدرالى سيجد نفسه مضطرًا إلى شراء هذه الأدوات لتمويل العجز المالى الكبير للولايات المتحدة، الأمر الذى سيترتب عليه لا محالة، أن يقوم الاحتياطى الفيدرالى بطباعة كميات كبيرة من الدولار لتمويل العجز، الأمر الذى يؤثر فى القوة الشرائية للدولار، وحدوث خسارة لثروة كل من يحتفظ بالدولار الأمريكى خارج الولاياتالمتحدة، وهو الأمر الذى يهدد بفقدان الدولار لجاذبيته كعملة دولية.