أصبح اسم فنزويلا أحد أكثر الأشياء بحثا عالميا بين ليلة وضحاها، بعد التحرك الأمريكي مؤخرا ضد رئيسها، حيث اقتادت القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، خلال عملية مداهمة أسفرت عن اعتقالهما سويا ونقلهما خارج البلاد. ووسط هذه الأحداث ربما يتسائل البعض عن مكانة السينما الفنزويلية المحلية ومدى اشتباكها مع الواقع المضطرب في هذه الدولة. - بدايات السينما الفنزويلية تعود جذور السينما في فنزويلا إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث ظهرت شاشات العرض لأول مرة في البلاد في 1896 في ماراكايبو مع وصول تقنيات العرض المبكر مثل ال Vitascope الذي أدخله رجل الأعمال لويس مانويل مينديز، قبل أن يبدأ صناع محليون في إنتاج لقطات قصيرة تصور الحياة اليومية والأحداث الاجتماعية والسياسية في أرجاء البلاد عام 1897. ثم شهدت صناعة السينما في فنزويلا تطورًا تدريجيًا خلال منتصف القرن العشرين، حيث حاول المنتجون المحليون في الأربعينات والخمسينات منافسة المحتوى الأجنبي عبر الاستفادة من الأنماط السردية والتقنية المستخدمة في السينما المكسيكية، محاولين جذب الجمهور الوطني بقصص أقرب لواقعهم، ومع تدخل الدولة ودعمها في السبعينات عبر القوانين والتمويل المخصّص، بدأ ما يعرف ب السينما الفنزويلية الجديدة في الظهور، وهي حركة أفلام تهتم بالقضايا الاجتماعية، بحسب المعلومات الواردة في بحث Domestic Crises, International Opportunities: Trends and Preoccupations in New Venezuelan Cinema. - هل هناك دعم للسينما الفنزويلية؟ وفقًا ل Ley de la Cinematografía Nacional لعام 2005، يمكن تعريف السينما الفنزويلية بأنها "جميع الأنشطة التي تم إنتاجها من خلال الإنتاج والتنفيذ والعرض ونشر الأعمال السينمائية في الإقليم الوطني". وتعود إدارة الأنشطة السينمائية في فينزويلا إلى إدارة المركز الوطني للفنون والثقافة "CNAC"، وقد كان لعملها دور أساسي في تحديد مسار السينما الفنزويلية المعاصرة، وقد تأسس عام 1993 ليحل محل صندوق تنمية السينما "FONCINE"، بهدف معالجة الانخفاض الحاد في الإنتاج السينمائي الذي حدث منذ أواخر الثمانينيات. وفي عام 2005 أنشأ صندوق FONPROCINE، وهو صندوق مخصص للسينما الوطنية، تم تمويله من خلال ضرائب جديدة فُرضت، وكانت شركات الإنتاج السينمائي والقنوات التلفزيونية تدفع ما بين 0.5% و1% من دخلها إلى هذا الصندوق، بينما كانت مبيعات تذاكر شباك التذاكر تخضع لضريبة تتراوح بين 3% و5%، أما الموزعون وشركات تأجير الفيديو/DVD وهيئات حقوق النشر فكانت الضريبة عليها 5% فأكثر. ومن أهداف هذا الصندوق الأساسية إعادة استثمار الأموال في إنتاج الأفلام الوطنية، وتوزيع الأفلام الوطنية واللاتينية والأيبيرية، وبناء دور السينما والاستوديوهات وصيانتها، وتيسير عمليات ما بعد الإنتاج، كما خُصص جزء منها للمنشورات والبحوث والمنح الدراسية. في نفس العام أيضا وضع إطار قانوني ينص على عرض جميع الأفلام الفنزويلية لمدة أسبوعين على الأقل في شباك التذاكر، واشترط على دور السينما عرض حصة محددة من الأفلام الفنزويلية، إلى جوار أفلام هوليوود والأفلام الدولية، أثر هذا القرار بالسلب على بعض دور العرض الصغيرة. ولكن أدت الإجراءات إلى زيادة كبيرة في الإنتاج السينمائي، بين عامي 2000 و2005، تم إصدار ما معدله 4 أفلام فنزويلية سنويًا فقط، أما بين عامي 2006 و2010، ارتفع هذا العدد إلى 16، وبين عامي 2011 و2014، إلى 17، وبين عامي 2015 و2018، إلى 23، وفقاُ لبحث أكاديمي عن السينما الفنزويلية بجامعة ليدز. - محاولات الانتشار في السنوات الأخيرة، أصبحت فنزويلا مرتبطة في وسائل الإعلام الدولية بصورة بلد في حالة أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية مستمرة، إلا أن السينما المعاصرة حققت حضورًا غير مسبوق أمام جمهور عالمي واهتمامًا نقديًا، وفقا لبحث أكاديمي للباحثة ريبيكا جارمان، باحثة في كلية الآداب الإنسانية والثقافات في جامعة ليدز. ويُشار في البحث إلى أن الانتشار الذي حققته السينما الفنزويلية مؤخرا يُعتبر جزءًا من ما يُسمى "السينما الفنزويلية الجديدة" -وهي حركة أفلام ظهرت في الأعوام الأخيرة وبدأت تحظى بعرض واسع في مهرجانات دولية ومناسبات سينمائية في أمريكا اللاتينية وأوروبا- برغم الصعوبات التمويلية والسياسية، نجح عدد من هذه الأعمال في اختراق الأسواق الخارجية. تشرح جارمان أن الأفلام مثل أعمال: Desde allá (2015) وLa familia (2016) لا تعكس فقط واقع البلاد المعاصر، بل تُعد أيضًا وثائق ثقافية لفهم الكيفية التي تتقاطع فيها الأزمات الوطنية مع تطلعات الهوية والإبداع الفني، عبر شخصيات اجتماعية مهمشة، من خلال تحليل هذه الإنتاجات، توضح الدراسة أن السينما الفنزويلية أصبحت أداة لسرد الأزمة نفسها، وتحويلها إلى صور سينمائية قادرة على التواصل مع جمهور عالمي. وتقول في بحثها، إن السينما الفنزويلية لم تعد فقط مرآة للواقع المحلي، بل أصبحت خطابًا ثقافيًا يفاوض موقع فنزويلا في العالم. - الحضور العالمي والعرض الرقمي من أبرز مشاركات السينما الفنزويلية في المهرجانات فيلم La Soledad (2016) في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، وفيلم El Caracazo (2005) وقد عُرض في مهرجانات مثل: ميامي، سان سباستيان، هافانا، وهو فيلم تاريخي فنزويلي، ويتناول أحداث "إل كاراكازو"، وهو الاسم الذي أُطلق على سلسلة من أعمال الشغب والنهب التي شهدتها مدينة كاراكاس ومحيطها في 27 فبراير 1989. أما على المستوى المحلي تواجه السينما الفنزويلية تحديا كبيرا وهو مواجهة سينما هوليوود الضخمة التي تحتل الشاشات الكبرى، كما أن جائحة كورونا قد أثرت على كثير من دور العرض وأدت إلى إغلاق الكثير، وهي لا تزال تتعافى منذ عام 2020، وفقا للوارد في تقارير مدونة كاركاس كرونكيلز، وهي مدونة فينزويلية مستقلة منذ عام 2002، تهتم بالشئون الثقافية الفنزويلية. واقتحمت السينما الفنزويلية بوابة العرض الرقمي، ولكن لا تعرض في قسم خاص بها، وإنما تحت مظلة قسم Latin American Movies & TV على منصة نتفلكس، ومن الأفلام التي حققت مشاهدات جيدة على المنصة فيلم Simón (2023)، وهو عمل يتناول قصة شاب يقود احتجاجات داخل فنزويلا "احتجاجات عام 2017 ضد حكومة مادورو"، ويضطر إلى السفر ويعرض تأثير الأزمة على المجتمع والهجرة والتجربة الشخصية في المنفى. كما ولدت منصة CineMestizo، في عام 2021 بعد جائحة كورونا، كأول منصة بث رقمية فنزويلية، وهي فكرة سينمائيان كانا يعيشان خارج فنزويلا، دانيال رويز "يعيش في مدريد"، وآن رودريجيز "يعيش في نيويورك"، وهي خدمة بث حسب الطلب تتيح استئجار الأفلام لمدة 72 ساعة باستخدام بطاقة الائتمان أو باي بال، وتتراوح الأسعار من 1.85 دولار إلى 3 دولارات للفيلم الواحد، وتستهدف المنصة بشكل أساسي الجمهور الناطق بالإسبانية. - ماذا تعرض السينمات الفنزويلية حاليا؟ هناك منصة فنزويلية تعرض الأفلام المتاحة في دور العرض الفنزويلية وإيراداتها أسبوعيا، ووفقا للبيانات المتاحة فيها، يعرض حاليا: - Avatar: Fire and Ash - Zootopia 2 - Marty Supreme - The Housemaid - Anaconda ومن الملاحظ أنه لا تظهر في القائمة أفلام فنزويلية محلية ضمن أعلى الإيرادات، ما يعكس التحديات التي تواجه الإنتاج المحلي في جذب الجمهور إلى دور العرض مقارنةً بالأعمال العالمية، ومنها حقق أعلى إيرادات في السوق الفنزويلية هذا العام، مثل: How to Train Your Dragon بإيرادات بلغت نحو 1,478,489 دولار، و Jurassic World: Rebirth بإيرادات تقارب 858,116 دولار، كما حقق فيلم الأنيميشن Ballerina إيرادات قدرها 96,322 دولار، وهذه الأرقام تُظهر أن جمهور السينما في فنزويلا يظل منجذبًا بشكل أساسي إلى الإنتاجات الأجنبية الكبيرة، ولم يتم العثور على بيانات كافية عن إيرادات الإنتاج المحلي. - ما هي المضامين التي تشغل السينما الفنزويلية المحلية؟ واحدة من أكثر الموضوعات حضورًا في السينما الفنزويلية الحديثة هي الفرد وعلاقته بالأزمات الاقتصادية والجندرية والاجتماعية والسياسية، لذلك خرجت أفلام تعبر عن الهجرة والمنفى والانضمام إلى الاحتجاجات، وأفلام أخرى تركز على الهوية الجنسية، حيث بدأت في آخر 5 سنوات أفلام وثائقية وروائية معالجة موضوعات الهوية الجنسية والتمييز والحقوق المدنية في المجتمع الفنزويلي مثل فيلم Family Pride, Queer Aside (2023) يتناول تجربة رجل "مثلي الجنس" يتولى رعاية أطفال أثناء جائحة كورونا. وهناك اتجاه آخر يحاول الخروج بأفلام تشتبك مع التاريخ، مثل فيلم Once Upon a Time in Venezuela الذي يركز على الفساد والتلوث وتأثيرهما على المجتمعات المحلية حول بحيرة ماراكايبو. كما تستعين أفلام أخرى بأسلوب التشويق والخيال والرعب لطرح سياقات مناهضة لحكومة مادوري، مثل فيلم "العدوى" ( Infección) الصادر عام 2019 - وهو فيلم عن الزومبي - يُمثّل استعارةً لفنزويلا حيث تسود الفوضى وتتجاهل الحكومة ما يحدث.