"أنا إنسانة بحب الشتاء وأجوائه، وبالعادة كنت قبل الحرب تتجدد نفسيتي بقدوم هالفصل، عنا طقوس كتير حلوة فيه، بالذات إحنا الغزاوزة، للأسف الآن قلبنا ينغص لما نعرف إنه في منخفض، لأنا عارفين إنه في تعب وفي غرق وبرد".. بهذه الكلمات عبرت ختام زياد إحدى سكان منطقة الزرقاء بحي التفاح شرق مدينة غزة، في تصريحاتها ل"للشروق" عن اختلاف مشاعرها تجاه فصلها المفضل بعد ما شهدته منذ بداية الحرب وحتى الآن. ومع أرقام حالات الوفاة من شدة البرد وتحذيرات المنظمات الدولية والإغاثية، والمطالبات بأن تكف حكومة الاحتلال عن منع إدخال المساعدات، يعيش الغزاوي يوما واحدا يتكرر، يبحث فيه عن خيمة تحتمل المطر وملابس شتوية لأطفاله، وهو يفكر في ذكرياته وكيف اختلفت طقوسه الشتوية بين اليوم والأمس، وإذا كان بإمكانه أن يستعيد أيامه الدافئة مرة أخرى.
إيجارات مرتفعة وخيام لا تحمي من البرد وتصف حنين خالد إحدى النازحات بمدينة خان يونس، تجربة الحياة بالخيام من خلال حديثها ل"الشروق" قائلة: "بالبداية، إحنا تقريبا من أول ما بلشت قصص النزوح، وإحنا نازحين في خيمة عبارة عن خشب ونايلون، وطبعا الخيمة لا بتحمي من برد ولا من مطر شو ما كان نوعها، وإحنا ما تعودنا ولا تأقلمنا على حياة الخيم، ولا بنقدر نتأقلم لإنه كنا بيوم من الأيام عايشين في بيوت دافية، والبيت ما كان مجرد حيطان، البيت كان الجو العائلي الدافئ والجمعات الحلوة وذكريات كتير ما بنقدر ننساها". وأضافت، أنه مع هطول الأمطار وتوالي المنخفضات الجوية هذا الشتاء، ازدادت المعاناة عن ذي قبل وغرقت خيمتهم تماما، وكذلك الخيام المجاورة جميعها. فبدأوا في البحث عن بيت للإيجار، وكانت عملية البحث مهمة صعبة لأنه لم يتبق الكثير من البيوت في خان يونس، وإن وجدت فإن الإيجارات مرتفعة جدا، ولكن في النهاية هي تحمد الله أن الحظ حالفهم واستطاعوا تدبير أمورهم والسكن في بيت لأصدقاء لهم.
صعوبة محاولات العودة للعمل ووفقا لحنين، فإن محاولة ممارسة العمل في هذه الأجواء تبدو شبه مستحيلة. حيث توضح أن انقطاع الكهرباء يحرم معظم الناس من أبسط مقومات العمل، فقلة فقط تمتلك أنظمة طاقة شمسية بسبب تكلفتها المرتفعة ومع ذلك لا يمكن الاستفادة منها بشكل كاف. وهو ما يعيق شحن الهواتف ويقطع التواصل مع العالم الخارجي، ويجعل العمل دون إضاءة أمرا بالغ الصعوبة، وزيادة على ذلك فمن الصعب اعتماد الخيمة كبيئة للعمل مع هطول الأمطار وغرقها.
الروبوتات المتفجرة تضيق دائرة الاختيار بين الخيام والبيوت الآيلة للسقوط وتقول ختام، إنها لا تعيش في خيمة بل تعيش في نصف بيتها الذي تبقى بعد آخر مرة اقتحم فيها جنود الاحتلال حارتهم، ولم يتبق لها سوى غرفة وحمام ومطبخ وصالة صغيرة، لكن للأسف كل من حولها من معارف وأقارب يعيشون في الخيام فالعثور على بيت يستطيعون المكوث فيه ليس مستحيلا لكنه بالغ الصعوبة، لأن أغلب من تعرفهم قد خسروا بيوتهم وبيوت أقاربهم، ومنطقتهم مثلا باتت تشبه مدينة أشباح كل البيوت مهدمة. وتابعت حديثها، أن الروبوتات المتفجرة التي استخدمت في الاقتحام الأخير على منطقة الزرقاء بحي التفاح، تركت أثرا مخيفا فلم يبق بيت واحد سالم، وإن وجد بيت واقف فهو آيل للسقوط وغير صالح للسكن، وقد سجل بيتها بالفعل على أنه غير صالح ويجب إزالته ولكنها لا تملك خيارا آخر فأقاربها في الحارات المجاورة ممن بقيت بيوتهم من الصعب العيش معهم أولا لأنهم غالبا ما استضافوا بالفعل أقارب ومعارف آخرين، وثانيا لأن المسألة ليست يوما أو شهرا فإلى متى سيبقون في بيوت غيرهم؟ لا أحد يعلم ولا يملكون أي بصيص أمل بالإعمار، لذلك فمن وجهة نظرها لا يمكنهم أن يفرضوا وجودهم على أحد، فقط يدعون بأن يرزقهم الله بالثبات والفرج قريبا.
حياة من القلق المستمر يعيشها المغتربون ويروي الكاتب الفلسطيني سعيد قديح ل"الشروق"، أنه بالرغم من اغترابه عن قطاع غزة منذ ما يقرب من 5 سنوات، فأن الأحداث الأخيرة تعد من أصعب ما مر به، فهذه المرة يعيش معاناة مضاعفة كمغترب، فهو لا يستطيع الشعور بالراحة وهو يعلم أن أهله يعيشون ظروفا قاسية داخل الخيمة، فإضافة إلى وضع النزوح غير الآدمي، فأكثر ما يقلقه الرياح الشديدة التي تهب فجأة فمن الممكن أن تطير الخيمة في أي لحظة ويبقون بدون مأوى، خاصة بعد أن تسربت المياه إلى خيمتهم عدة مرات وفي كل مرة يحاولون تقويتها بالشوادر ولكن بلا جدوى فالمياه تستمر في التسرب إليها، كل ذلك يشعره بالخوف الدائم عليهم، بالإضافة إلى صعوبة التواصل بسبب انقطاع الاتصال بالإنترنت أو بسبب صعوبة شحن الهواتف، وعلى الرغم من محاولتهم طمأنته إذا انقطع الاتصال إلا أنه يعيش في قلق متصل.
الخيام بين الغلاء وضعف الحماية وتحديات توزيع الإعانات وأوضح سعيد، أن معظم الخيام الموجودة في غزة غير مقاومة للعوامل الجوية ولا عازلة للمياه، ولا تحمي النازحين من المطر أو الرياح أو البرد. وأشار إلى أن أسعار الخيام تبدأ من نحو 1000 شيكل للنوع ذو القبة، في حين أن النوع الجيد والذي يعد نادر الوجود، تتجاوز تكلفته 3500 شيكل. وأكد أن القدرة الشرائية لدى الناس باتت ضعيفة للغاية، موضحًا أنه منذ أكثر من عامين لا تتوفر فرص عمل، ويعتمد معظم السكان على المساعدات والإعانات التي توزعها المؤسسات بشكل متقطع، ما يجعل توفير ثمن الخيمة أمرا بالغ الصعوبة، ومن خلال عمله التطوعي في إغاثة النازحين، يصف عملية توفير الخيام بأنها صعبة ومعقدة للغاية فرغم كل الجهود والمبادرات يصعب انتظام توزيع الخيام ووصولها إلى جميع المناطق. من جانبها قالت حنين، إن أسعار الخيام مرتفعة، ولا يملك جميع النازحين القدرة على شرائها. وأضافت أنه حتى في حال محاولة إقامة خيام بدائية من الخشب والنايلون أو الشوادر، فإن تكلفتها تظل مرتفعة أيضا، ورغم ذلك لا توفر حماية حقيقية من برد الشتاء أو الرياح والعواصف الجوية. ولفتت إلى أن الخيام مع أول منخفض شتوي إما أن تتطاير بفعل الرياح أو تغرق بمياه الأمطار.
احتياجات لا تحتمل التأجيل تقول ختام، إن أكثر ما يحتاجون إليه اليوم هو مصدر للتدفئة والكهرباء، موضحة أن الغاز شديد الندرة ولا يصل دورهم إلا مرة كل شهرين أو ثلاثة، وبحصة لا تتجاوز 8 كيلوجرامات ما يضطرهم إلى طهي الطعام على النار. وتشير إلى أن أسعار الحطب والخشب ارتفعت بشكل كبير بعد تدمير معظم المناطق الزراعية واحتراق الأشجار فأصبح الحطب قليلا وباهظ الثمن،. وتضيف أن الكهرباء غائبة عن حياتهم منذ هجوم الاحتلال في السابع من أكتوبر فهم يعيشون بلا ضوء ويحلمون فقط بأن يروا الكهرباء لتعمل الثلاجة أو الغسالة أو حتى الخلاط فلقد نسوا شكل هذه الأجهزة وكيف تعمل.
توفر الملابس الشتوية والبطاطين في الأسواق لا يكفي من جانبها، تؤكد حنين أن الاحتياج لا يقتصر على أمر واحد، موضحة: "نحن بصراحة نحتاج إلى كل شيء، لأن كل شيء ضاع". وتشير إلى أن الأولوية تتمثل في توفير بيوت دافئة وكهرباء لتشغيل وسائل التدفئة، إلى جانب الملابس الشتوية، لافتة إلى أن معظم الناس فقدوا بيوتهم وكل ما فيها، موضحا أن كثيرين خرجوا دون أن يتمكنوا من أخذ متعلقاتهم. وتوضح أن الملابس متوفرة في الأسواق، لكنها بأسعار مرتفعة لا يستطيع الجميع تحملها. وهو ما يؤكده سعيد بدوره مشيرا إلى أن الأمر يتجاوز توفير السلع والملابس فحتى لو توفرت، فمعظم الناس لا يوجد لديهم مصادر دخل تجعلهم قادرين على شراء الملابس الشتوية والبطانيات والأمل الوحيد في دخول مساعدات وتبرعات أكثر.
كوب "النسكافيه" حلم يفسده عناء إشعال النار وتعبر حنين عن مشاعرها خلال الشتاء قائلة، إن الطقس البارد يجعلها تفتقد وتتذكر كل تفاصيل حياتها سابقا، فهي تشتاق إلى بيتهم وملابسها وعملها، بالإضافة إلى أبسط التفاصيل اليومية ككوب "النسكافيه" المعد على الغاز بلا عناء إشعال النار، ودون أن يمتلئ المكان بالدخان فتندم على قرار إعداده وعلى رغبتها في شربه. كما تحن إلى لظات تقضيها مع صديقاتها في المقهى لتشرب شيئا ساخنا يبعث الدفء، لكن الصديقات رحلن ورحلت الأماكن معهن.
طقوس الشتاء بين اليوم والأمس وللبيوت الغزاوية طقوسا تتشابه كثيرا مع طقوس البيوت المصرية في الشتاء، حيث يذكر سعيد وحنين أن التجمع على مشروب السحلب كان من أساسيات الشتاء، إضافة إلى مسارعة الأمهات لطبخ العدس ما أن يشتد البرد والمطر. ويضيف سعيد أن الشتاء يرتبط في وجدانه بالتجمع لشرب الشاي على الحطب وسماع حكايات جدته في حديقة المنزل، وهي لحظات لا يستطيعون استعادتها، بعدما فقدوا جدته وعمته في الحرب، بالإضافة إلى تدمر حديقة المنزل لكن ستبقى تلك الذكريات في قلبه دائما. ومن الأكلات الغزاوية الشتوية تقول حنين، إن المفتول ومحشي الملفوف من أكثر الوجبات المحببة إلى العديد من الغزاويين، وتشير ختام إلى أن الشتاء من وجهة نظرها كان يميز غزة بشكل كبير فهي ترى أنهم كانوا يملكون طقوسا خاصة بهم فعندما كان يلوح في الأفق منخفض جوي تصبح وجبة الإفطار شعيرية مزينة بجوز الهند والقرفة، وفي المساء يجتمع الجميع حول النار طلبا للدفء ثم تحميص الخبز مع الفلفل الأحمر الغزي وشوي الكستناء، وأحيانا يكون العشاء مشاوي خاصة إذا كان التجمع في يوم الخميس، وهو ما كان كان يجعلها تعشق الشتاء قبل أن يصبح يومها في هذا الطقس عبارة عن محاولات للتتعامل مع سقف منزلها المليء بالفتحات التي تتسرب منها كميات كبيرة من مياه الأمطار، مما يضطرها للبحث عن بقعة جافة في المنزل تضع بها طفلتيها المرتجفتين من البرد، بينما ترفع السجاد والفرش من الصالة الصغيرة والمطبخ لأن المياه تغمرهما.