وقف أيوب الكعبي في وسط ملعب "مولاي عبد الله" بالرباط وذراعاه ممدودتان على اتساعهما، يناشد الحكام أن يحتسبوا هدفه أمام زامبيا، ويمنح أكثر من 62 ألف متفرج لحظة ستظل محفورة في الذاكرة. كانت التسديدة المقصية التي سجلها في الدقيقة 50 من الفوز 3-0 يوم 29 ديسمبر الماضي، قد أُلغيت أولا بداعي التسلل، قبل أن يعلن الحكم لاحقا عن صحتها بقرار من غرفة تقنية حكم الفيديو المساعد (الفار). اندفع زملاؤه نحوه يحتفلون، فيما بقي الكعبي يهز رأسه غير مصدق ما فعل. اللاعب البالغ من العمر 32 عاما، الذي يلعب لفريق أولمبياكوس اليوناني، افتتح التسجيل بضربة رأسية، لكن هدفه من المقصية الثانية كان من طراز مختلف تماما، هدف تشاهده مرة، ثم تعود لمشاهدته مرة أخرى، ثم مرة ثالثة. هدفه الأول المقصي جاء في مرمى جزر القمر بمباراة الافتتاح، وأكد قدراته المذهلة، حيث استلم الكرة وظهره للمرمى محاطا بثلاثة مدافعين، مررها ثم اندفع داخل منطقة الجزاء ليُنهي أفضل تبادل ثنائي في البطولة حتى الآن، بينما حاول الحارس يانيك باندورا التصدي بلا جدوى. هذا الهدف نال تقييما عاليا من حيث الجمالية ودرجة الحسم وتفاعل الجماهير، مؤكدا بداية استثنائية للبطولة. وكان هدفه الثاني المقصي في مرمى زامبيا في الدقيقة 74، بعد عرضية دقيقة من عز الدين أوناحي إثر كرة ثابتة نفذها إبراهيم دياز، في مباراة كان المغرب مسيطرا عليها بالكامل. وحافظ الكعبي على وضعية ذكية، راصدا الكرة بدقة، وتفوق على مراقبيه بلا عناء، تقييم هذا الهدف لم يبلغ درجة هدف مباراة الافتتاح بسبب الجدل حول التسلل المبدئي، لكنه أكمل المشهد الاحتفالي الذي رسمه الكعبي في البطولة. رحلة الكعبي إلى المجد بدأت في طفولته البسيطة في شوارع بلدة مديونة الصغيرة، جنوب شرق الدار البيضاء على بعد حوالي 20 كيلومترا، حيث كانت فترة الظهيرة فرصة للعب كرة القدم في ملعب بدائي، مع مرمى من أحجار وكرات مصنوعة بما تيسر له ولأقرانه يومها. كان العمل اليومي في النجارة إلى جانب شغفه المستمر بكرة القدم يرسخ فيه الصبر والمثابرة منذ سن الخامسة عشرة، وهو ما صقل شخصيته وأكسبه قوة إرادة نادرة. في عام 2016، كان أيوب الكعبي يلعب في فريق الراسينج البيضاوي في البطولة الاحترافية الثانية، ولم يكن سوى بديل لوليد أزارو، لكن انتقال الأخير إلى الأهلي المصري فتح له الباب ليصبح أساسيا، ومن هناك بدأت القصة التي بات يعرفها الجميع. ذلك الإصرار حمله عبر أقسام الهواة والدرجات الدنيا إلى الاحتراف الكامل في سن الثالثة والعشرين، منهيا موسم 2016/2017 هدافا لنادي الراسينج البيضاوي، ليبدأ بعدها طرق أندية القسم الأول بباب مفتوح. وقع الكعبي عام 2017 عقدا مع نادي نهضة بركان وانتقل رفقة عائلته إلى مدينة بركان شمال شرق المغرب، حيث برز لاعبا هدافا للمنتخب المغربي في بطولة كأس الأمم الأفريقية للمحليين في العام الموالي، مسجلا تسعة أهداف، مؤكدا مكانته بوصفه لاعبا حاسما ومؤثرا. منحه هذا التألق تذكرة المشاركة في كأس العالم 2018 بروسيا، حيث لعب أمام إيران والبرتغال. ومع استمرار تحمله لمسؤولياته العائلية، اختار لاحقا الاستقرار المالي، فالتحق بنادي هيبي تشاينا فورتشن في الصين، قبل أن يعود إلى الوداد البيضاوي محققا لقب البطولة ولقب هداف الدوري من جديد. ثم كانت تركيا محطته التالية مع هاتاي سبور، متحديا كل التوقعات، وسجل 18 هدفا في موسمه الأول، قبل أن يغادر في ظروف مأساوية بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا، مخلفا العديد من الضحايا، بينهم زميله السابق والجناح الغاني كريستيان أتسو. وكان الكعبي قد غادر قبل أيام قليلة سكنه، وهو القرار الذي أنقذ حياته. في سن الثلاثين، نادته أوروبا أخيرا. كان أولمبياكوس يبحث عن مهاجم جاهز، فلبى الكعبي النداء فورا، وقاد النادي إلى التتويج بكأس المؤتمرات الأوروبي، متوجا هدافا للبطولة ولاعبها الأفضل. توالت بعد ذلك الألقاب المحلية، ونال جوائز لاعب الموسم، وأفضل لاعب أجنبي، ولاعب أولمبياكوس للسنة، ليصبح الهداف التاريخي للنادي في المسابقات الأوروبية، والهداف المشترك للدوري الأوروبي. بل أصبح أول لاعب مغربي يسجل في مرمى ريال مدريد وبرشلونة في موسم واحد ضمن منافسات دوري أبطال أوروبا. الكعبي اليوم لا يُقاس نجاحه بالشهرة المبكرة أو امتيازات الأكاديميات الكبرى، بل بالصبر والمثابرة على مدار سنوات طويلة من العمل الشاق بين النجارة وكرة القدم، بلا ضمانات، فقط إصرار على النجاح. كل هدف يسجله هو مناسبة للدهشة والإعجاب، وكل لمسة مقصية تروي قصة إصرار وعمل دؤوب. ومع استمرار كأس أمم أفريقيا 2025، يقف الكعبي مستعدا ليكتب فصلا جديدا من أسطورته، مؤكدا أن كرة القدم بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل مسيرة حياة مليئة بالتحديات والانتصارات، وتجربة تدمج الإبداع الرياضي مع الإرادة الإنسانية، حيث كل هدف أكروباتي يروي قصة صبر وشغف ومثابرة حقيقية، من ملاعب الحارة الصغيرة في مديونة إلى أضواء الملاعب الأوروبية الكبرى.