للتصويت فى الانتخابات أهمية خاصة تتجاوز التدليل على صحة النظام الديمقراطى، إلى أنه مؤشر حيوى للتنبؤ بالمزاج العام والتغيرات الاجتماعية، وقياس التأثير المتبادل بين السلطتنين التنفيذية والتشريعية والقوى السياسية من جهة، وفئات المواطنين المختلفة من جهة أخرى، وتفضيلات كل فئة من حيث العمر والتعليم والدخل والمستوى الاقتصادى. تتحكم فى نسبة المشاركة عشرات العوامل بدءًا من سهولة التسجيل والاقتراع والنظام الانتخابى (قائمة مطلقة أو نسبية/ مفتوحة أو مغلقة/ فردى) وتقسيم الدوائر، وحتى اتجاهات التصويت العائلية، مرورًا بالاستقطاب السياسى وقدرة المواطن على تمييز الأحزاب والبرامج، ومدى ثقته فى الحكومة والبرلمان وإمكانية شعوره بتمثيل مصالحه بصورة أمينة. ما سبق ليس محل خلاف كبير، إلّا عند أولئك الذين يحقّرون من الانتخاب والتمثيل النيابى، ويتناسون - أو يجهلون - أنه صمام أمان للمجتمعات، تحديدًا فى دولة مثل مصر، لها إرث كبير من تجارب النضال والصراع من أجل ترسيخ دولة القانون على مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات، كما ينص الدستور الحالى فى مادته الخامسة. وعلى خلفية بيان الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن انتخابات مجلس النواب الحالية وضرورة أن تكون أكثر نزاهة وشفافية، شهدت المرحلة الثانية بعض المستجدات أهمها إعلان وزارة الداخلية ضبط أكثر من 40 واقعة رشوة انتخابية. وبدا المرشحون والناخبون أكثر جرأة فى الإبلاغ عن التجاوزات خاصةً عبر مواقع التواصل الاجتماعى. ثم ترقبنا الإعلان عن الحصر العددى لتصدمنا نسب المشاركة بمعظم الدوائر. فمن واقع البيانات التى أعلنها رؤساء اللجان العامة أمام وسائل الإعلام، وجدت أن عددًا معتبرًا من دوائر محافظة القاهرة تدنت نسب المشاركة فيها إلى حد مؤسف. سجلت مصر القديمة - المنيل 5.2% والقاهرة الجديدة - الشروق - بدر 5.6% والبساتين - دار السلام 5.7% والسيدة زينب 7% وشبرا - روض الفرج - بولاق أبو العلا 7.8%. فلماذا عزف الناخبون – حتى بعد بيان الرئيس - عن المشاركة فى هذه الدوائر الرئيسية فى قلب العاصمة، التى كانت تشهد من قبل معارك انتخابية عنيفة وتُمثّل سابقًا بأهم السياسيين ورجال الحكم؟ وهل من «المُريح» أن يدخل البعض البرلمان بتأييد أقل من 3% ممن لهم حق التصويت فى دوائرهم؟ وبأصوات تقل كثيرًا عمّا تحصده مقاطعهم ب«فيسبوك» و«تيك توك» من «اللايك والشير!». فى الأقاليم نجد النسب تتحرك للأعلى، ولكن بما لا يتناسب أيضًا مع التاريخ السياسى المعروف لبعض الدوائر. مثلًا: سجلت العاشر من رمضان 5.9% والمنصورة 12.4% وبورسعيد الأولى 11.5% والثانية 11.1% وبندر دمياط 9.5%، وترتفع النسبة إلى 17.5% فى طوخ - قها و20% فى شبين الكوم. تلك عينة عشوائية من واقع بيانات الحصر العددى فى انتظار النتائج النهائية. تؤكد المؤكّد، ويجب أن تثير قلق من صمموا هذا النظام الانتخابى، ويجب أن تدفعهم إلى توفير جميع الضمانات لانتخابات تنافسية كاملة حرّة من القيود والاحتكار و«الفلاتر» لإنعاش معدلات التنافسية التى تراجعت فى المتوسط من 13.9 مرشح لكل مقعد فى 2020 إلى 9.3 فى الاستحقاق الحالى. وإلى جانب فتح المجال العام الذى يبشّر به الجميع مؤخرًا بعد «فيتو» الرئيس -على حد وصفه أمس الأول - فأولى الضمانات: تعديل النظام الانتخابى إلى أغلبية فردية تدور حول ثلثى المقاعد، وإلغاء القائمة المغلقة المطلقة، والاستعاضة عنها بقائمة نسبية بحوالى ثلث المقاعد تُستوفى بها الفئات التى أولاها الدستور رعاية خاصة، حتى لا تُهدر أصوات الناخبين وتزيد فرص التمثيل الحزبى، ويسهل على المستقلين تشكيل قوائم. فى درجة الأهمية ذاتها تأتى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية للحد من العصبيات القروية والقبلية، وتسهيل التواصل بين المرشحين والمواطنين، وإعادة الاعتبار إلى السياسة والأفكار والخدمات. إذ تؤكد دراسات أكاديمية عدة الآثار السلبية لزيادة حجم الدوائر على الإقبال، أبرزها للباحثين كريستوف ياكوبس ونيلز سبرنجر عام 2010 على جمهورية الدومينيكان. وفى السياق المصرى الحديث؛ أوصت دراسة أجراها د. ماهر عيش، أستاذ الجغرافيا بجامعة المنوفية على انتخابات 2015، بالعدول عن الدوائر الشاسعة التى تضم مجموعة مراكز أو أقساما خاصة فى الصعيد والدلتا، والاكتفاء بدوائر أحادية وثنائية المقعد، لما ثبت من تأثيرها السلبى على نسبة الإقبال واهتمام الناخب بل ومعرفته بالمرشحين من الأساس! الصناديق الخاوية تدق جرس الإنذار: الاهتمام بالعملية السياسية فى أدنى مستوياته، ولا يمكنكم غض الطرف.