السيسي يشهد أداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية..ويكلفهم بتحقيق الجدارة وكفاءة الأداء في المؤسسات.. الاهتمام بالعنصر البشري وتأهيل الكوادر.. التطوير والإصلاح في مؤسسات وأجهزة الدولة    المنظمة العربية للسياحة تختتم مشاركتها في اجتماع لجنة الشرق الأوسط ال52 بالكويت    سعر الذهب اليوم الأربعاء 11/2/2026.. عيار 21 عند 6770 جنيها    متحدث التنمية المحلية والبيئة: حملات يومية على معارض أهلا رمضان للتاكد من صلاحية المنتجات المعروضة    الرئيس الفلسطيني يطالب بتحرك دولي عاجل لوقف إجراءات الضم والتوسع الاستيطاني    جوهر نبيل: أعتز بثقة القيادة السياسية بهذه المسئولية الوطنية    اجواء مستقرة تميل إلى الدفء..... حالة الطقس اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    تعرف على سبب وفاة الممثل التركى كانبولات جوركيم أرسلان    ننشر أول صورة لوزيرة الثقافة بعد استلام مهام عملها رسميا    "القومي للطفل" يعلن عن القائمة القصيرة لجائزة رواية اليافعين    وزارة الصحة تختتم تدريبا متخصصا بأسوان لتعزيز الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعى    حديد عز يسجل 37464.43....تعرف على اسعار الحديد اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    جامعة الإسكندرية تهنئ "قنصوة" بتوليه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.. وتستعرض إنجازاته    زلزال سياسي في بريطانيا بعد كشف ملفات إبستين قد يطيح بحكومة ستارمر    مقتل وإصابة 34 فى مجزرة كندا.. كيف علقت نيويورك تايمز على «الحادث الأسوأ»؟    محافظ شمال سيناء: قادرون على استيعاب المصابين الفلسطينيين الذين يحتاجون العلاج خارج القطاع    راشفورد يغيب عن مواجهة أتلتيكو مدريد ضد برشلونة فى كأس الملك    عضو بالشيوخ: التغيير الوزاري يمثل رسالة طمأنة للرأي العام    يلا شوت النصر LIVE.. مشاهدة مباراة النصر وأركاداغ بث مباشر جودة عالية اليوم في دوري أبطال آسيا    رئيس الإنجيلية يشارك في افتتاح مؤتمر الرعاة والقادة ببيت السلام بالعجمي    أبرز الملفات على طاولة وزير التربية والتعليم في ولايته الثانية    السبت.. فصل الكهرباء 3 ساعات عن احياء بمدينة بني سويف للصيانة    بكام البلطى النهارده....... اسعار الأسماك اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    تراجع سعر الدولار أمام الجنيه فى البنوك المصرية    شيماء سيف تثير الجدل بتصريحاتها عن الفن.. اعرف التفاصيل    أفطرت أيامًا فى رمضان الماضى ولم أقضها حتى الآن ماذا أفعل.. الأزهر للفتوى يجيب    الذكاء الاصطناعي يقود ثورة سلاسل الإمداد.. داليا يونس تطرح مرجع عربي متخصص    الرعاية الصحية: تبادل الخبرات مع الجانب التركي في مجال السياحة العلاجية    محافظ الدقهلية يتفقد عيادة أجا للتأمين الصحي    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    السجن 3 سنوات لصاحب كافتريا بدهب لاتجاره في المخدرات    خالد منتصر ل شيماء سيف: طالما الفن حرام دخلتيه ليه    رئيس جامعة العاصمة يهنئ قنصوة بتوليه حقيبة التعليم العالي والبحث العلمي    26 طالبا وطالبة من سوهاج يشاركون التصفيات النهائية لمسابقة القرآن الكريم    من العشوائية إلى التنظيم.. محافظة الجيزة تجهز سوقا حضاريا لبائعى شارع العريش    رئيس كولومبيا يروي تفاصيل نجاته من محاولة اغتيال    محافظ المنوفية: تحرير 236 محضر مخالفات مخابز وأسواق خلال يومين بنطاق المحافظة    غزل المحلة يجدد تعاقد محمود صلاح 3 مواسم    باستخدام الأوناش.. رفع 38 سيارة ودراجة نارية متهالكة    أقنعة الحب ال 7؟!    أمير قطر والرئيس الأمريكى يبحثان تطورات الأوضاع الراهنة فى المنطقة    غدا.. انطلاق المؤتمر العلمي السنوي الثامن لمركز تدريب طب الأسنان بالمنصورة    فاروق جعفر يمنح الزمالك روشتة تخطى المرحلة الصعبة ورسالة للناشئين    جرعة مخدرات زائدة وراء العثور على جثة عاطل بالهرم    لقاء مصري خالص بين نور الشربيني وأمنية عرفي بنهائي ويندي سيتي للإسكواش    النائب حازم توفيق يعلن إطلاق نسخة من «دولة التلاوة» بالقليوبية لرعاية المواهب القرآنية    المصري يواجه وادي دجلة في مباراة مؤجلة    شيخ الأزهر يهنئ الحكومة الجديدة ويدعو لها بالتوفيق    أحمد مالك عن تكرار تقديمه للأعمال الشعبية: مش حابب أحصر نفسي في نوع واحد والشعبي قماشة كبيرة    وزير الدفاع والرئيس الصومالى يشهدان اصطفاف القوات المصرية المشاركة ببعثة الاتحاد الإفريقي    «عقول عالمية- صحة مستقبلية» بالملتقى الدولي الأول للتغذية بجامعة المنصورة    طقس اليوم الأربعاء.. انخفاض قوي في درجات الحرارة وعودة الأجواء الشتوية    تقرير: ترامب يفكر في إرسال قوة بحرية إضافية إلى الشرق الأوسط    أميرة أبو المجد: دار الشروق نشرت مؤلفات عن الأدب المصري القديم    مانشستر يونايتد يتعادل مع وست هام في الدوري الإنجليزي    كومو يفوز على نابولي بركلات الترجيح ويتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا    " طلعت فهمي ": " الإخوان "ملتزمة بتأييد القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في التحرر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحياة بين جدران المتاحف
نشر في الشروق الجديد يوم 20 - 05 - 2010

العمل اليومى فى متحف مصطفى كامل أو أحمد شوقى، قد يجعلك تعيش رغما عنك فى جوار هؤلاء وعلى ذكرياتهم، وقد يغير مجرى حياتك إلى الأبد.. فوجودك اليومى فى المكان نفسه يجعلك تكتشف الكثير عن تاريخ هؤلاء وتاريخك الشخصى.
ضريح السياسيين
أمام غابة من المآذن فى مواجهة قلعة صلاح الدين، قد يظن المار للوهلة الأولى، أنها قبة متوارية جوار الطريق الرئيسية، لا تتضح معالم المكان سوى بعد قراءة اللافتة الكبيرة «متحف مصطفى كامل».
«فى مرة جاء أحدهم ظانا أنه مسجد للصلاة، وبمجرد علمه أنه متحف تاريخى وضريح للزعيم مصطفى كامل حتى بدأ فى التجول داخل أروقة المتحف بعد قراءة الفاتحة على روح الزعيم». العبارة لرشدى فاضل مدير متحف مصطفى كامل الذى احتفظ بابتسامته التقليدية التى يواجه بها الزوار على اختلاف أنواعهم. تحت هذه القبة يجلس فى مكتبه محترما هيبة أصحاب الضريح، يرى اليوم أن وجوده فى هذا المكان هو نتيجة طبيعية لحبه القديم للمتاحف منذ أن كان طفلا يرافق والده الذى كان يعمل أيضا فى وزارة الثقافة، أما الآن فيشاركه العمل داخل المتحف نفسه بعض أفراد عائلته.
بمجرد أن بدأ شرحه لمكونات المتحف حتى تحولت ملامحه إلى الجدية، مظهرا اعتزازه بأن هذا المتحف تحديدا يجمع بين كونه متحفا تقليديا وضريحا لعدد من الزعماء والسياسيين. يشير إلى مقبرة مزينة بأسماء أربعة سياسيين هم: الزعيمان مصطفى كامل ومحمد فريد، والسياسى المؤرخ عبدالرحمن الرافعى، ثم المفكر فتحى رضوان وزير الإرشاد القومى الأسبق فى بداية عهد الثورة.
من هذا الموقع تحديدا تبدأ جولته التى لم يمل تكرارها منذ أن عمل هنا فى العام 1998، هدوء المكان انطبع على شخصيته المحافظة ووفر له فرصة التركيز الشديد أثناء سرده للمعلومات برصانة ووقار. يبدأ بذكر هذه المعلومة عن قصة إنشاء المتحف: «فى جلسة مجلس النواب عام 1944 نادى البرلمانى عبدالرحمن الرافعى باكتتاب لإنشاء ضريح للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد.
كان الرافعى غيورا من ضخامة ضريح سعد زغلول فى مقابل بساطة مقبرتى مصطفى كامل فى منطقة الإمام الشافعى ومحمد فريد فى حى السيدة نفيسة». يحفظ رشدى فاضل أماكن ميلاد وسكن أصحاب الضريح التى لم تبتعد عن منطقتى القلعة والسيدة زينب، أما هو فينتمى إلى منطقة مجاورة فى حى الإمام الشافعى، لا يخفى أمين المتحف الذى جاوز الخامسة والخمسين انحيازه لسيرة كل من مصطفى كامل ومحمد فريد تحديدا.
قرب باب المتحف صمم ملصقا أنيقا يحمل كلمات رثاء وتكريم أهداها إلى الزعيمين. عمل رشدى فاضل قبل مجيئه إلى هنا فى متحف محمود خليل لمدة سبع عشرة سنة قضاها بين اللوحات والأعمال الفنية المختلفة، وهو يروى: «كنت أحفظ أماكن ومواضع كل لوحة وتاريخها، أما اليوم فقد اختلف الوضع قليلا»، اليوم يشعر بالرضا عن وجوده فى أحد المتاحف القومية لشخصيات يعرفها أغلب الناس.
قلة عدد الزوار لا تقلقه، لكنها تشعل غيرته وتدفعه إلى الحديث بحماس عن رحلات المدارس والأفواج السياحية التى تمر من هنا أثناء زيارتها للقلعة، أمام لوحة تسجل فظائع الإنجليز فى مذبحة دنشواى عام 1906، يتحدث عن بعض ما يراه من الزوار: «فى إحدى الرحلات المدرسية تحدث المشرف الذى كان مدرسا للغة العربية عن دور مصطفى كامل فى فضح جرائم الإنجليز مضيفا أن دنشواى كانت قرية بجوار المنصورة.. استوقفته وحزنت أن يكون مدرسا فى هذه السن ولم يسمع عن دنشواى أو يعرف موقعها فى المنوفية». بعض زوار المتحف من نوع آخر وهم طلبة الفنون الجميلة الذين أتوا لدراسة عمارة المكان، حسب تعبيره «بعضهم لا يعرف عن مصطفى كامل سوى أنه كان زعيما وطنيا.. فقط».
فى درج مكتبه ملزمة جمع فيها مادة علمية عن الزعيم الراحل والمتحف يقدمها إلى الزوار كى يصوروها على أمل أن يكون ذلك «فى ميزان حسناته». إلى جوار الملزمة كتاب عبدالرحمن الرافعى الذى ألفه عن «مصطفى كامل» وكتب أخرى فى تاريخ الشخصيات.
المفارقة التى جمعت كل هؤلاء فى مقبرة واحدة هى أن مبادرة المؤرخ والسياسى عبدالرحمن الرافعى قد لاقت قبولا، وتم نقل رفات مصطفى كامل ومحمد فريد إلى الموقع الجديد وافتتح المتحف فى عام 1956 بواسطة وزير الإرشاد القومى آنذاك فتحى رضوان، ودفن الرافعى فى الموقع نفسه حسب وصيته عام 1966، ومن بعده فتحى رضوان عام 1988.
لا يخفى رشدى فاضل أن الحياة بين جدران المتاحف أمام اللوحات والمقتنيات قد غيرت بعض طباعه ونظرته إلى الأشياء، يقول معلقا: «أصبحت أكثر حساسية فى التعامل مع أى لوحة معلقة على الجدران، حتى إن كانت لوحة عابرة فى عيادة أسنان!!». أمام تمثال الزعيم يكشف رشدى فاضل عن مهارات أخرى أجادها منذ الصغر: «كانت إحدى مواهبى صنع التماثيل وتخليت عنها بسبب الجدل الدينى المثار حولها، لكننى ما زلت متمسكا بفن الخط العربى».
حاول استغلال هذه المهارة الأخيرة فى تنظيم ورشة تدريبية لإجادة الخط العربى فى حديقة المتحف، أما بعيدا عن جدران المتحف فيدير عملا خاصا فى مجال الدعاية والإعلان استغل فيه مهاراته الفنية، لكنه أعاد استغلال تلك المهارة الجديدة فى عمل آخر من أجل أصحاب الضريح موضحا ذلك بمثال حى حيث أخرج بامفليت (ورقة دعائية) عن المتحف وضع عليها لمساته الخاصة فى الإخراج الفنى، مشيرا إلى صورة الزعيم مصطفى كامل التى احتلت مساحة كبيرة منها، قائلا: «هذا أقل تكريم لزعيم مثل مصطفى كامل أفنى عمره من أجل الوطن».
محطة فى طريق الركاب
تبدأ الجولة من مدخل ينقل زائر «محطة مصر» من عالم صاخب بأصوات النداء على المسافرين للحاق برحلاتهم إلى عالم آخر يعرض تاريخ السكك الحديدية وقاطرات قديمة لن يراها أحد سوى هنا فى «متحف السكة الحديد». إلى جوار المدخل الرئيسى تجلس حكمت إبراهيم أمينة المتحف فى حجرة متواضعة أمام حجرة أخرى تضم زميلتيها. لا يزعجهن نفير القطارات ولا يختلف الحال عن كل يوم حين يجلس الجميع فى انتظار ضيف جديد يستحق الاهتمام، أغلب الزوار من السائحين الأجانب إلى جانب من جاءوا هربا من ملل انتظار القطار.
قبل أكثر من عشرين سنة انضمت هذه الدفعة من العاملين إلى المتحف، إحداهن هى مديرة المتحف الحالية وموظفتان لإرشاد الزوار، جميعهن ينتمين إلى عائلات خدمت فى هيئة السكك الحديدية. هذه الصورة الهادئة لا تخفى خلفية كل منهن، فبينما تذكر ناهد الخطيب أنها عشقت الحياة داخل هيئة السكك الحديدية منذ أن كانت طفلة تحضر مع والدها إلى مكتبه فى الهيئة، يبدو الأمر مختلفا لدى حكمت التى لم تكن مولعة بحياة السكك الحديدية والمتاحف، لكنها متعلقة بأمر آخر: «أفضل ما فى هذه المهنة هو رؤية أشخاص جدد كل يوم، رغم الطابع الهادىء للمكان».
لا تشعر أمينة المتحف بأن المكان مظلوم بحكم قلة الدعاية أو اهتمام الناس بزيارة المتاحف، بل لها رأى آخر: «لا يمكن مقارنة العمل هنا بمتاحف أخرى مثل المتحف المصرى، حيث يدخل متحف السكة الحديد ضمن المتاحف المتخصصة كالمتحف الزراعى ومتحف البريد الذين تجمعهم ظروف واحدة».
أثناء حديثها يمر زائران قررا كسر ملل انتظار القطار بالتجول داخل المتحف، تعلق ناهد الخطيب: «يتغير طابع المكان أثناء الرحلات المدرسية التى قلت هذا العام بسبب إنفلوانزا الخنازير، وربما أثر ارتفاع سعر التذكرة للمصريين إلى خمسة جنيهات وهو ما تفكر الإدارة فى تخفيضه».
تتجول ناهد مع الزوار بين أروقة المتحف مستعرضة كمًا لا بأس به من المعلومات، تتغير اللغة أحيانا مع الزوار الصغار حين تقص عليهم تطور فكرة السكك الحديدية بشكل قصصى. على الجدران صور قديمة لمحطات القطار وافتتاح المتحف فى عام 1933 فى عهد الملك فؤاد، لكن أكثر ما يلفت نظر الزوار هما العربتان الكبيرتان فى نهاية المتحف: الأولى هى هيكل قاطرة قديمة تكشف تفاصيل عملها ميكانيكيا، أما الأخرى فهى عربة فخمة تعود إلى عهد سعيد باشا حاكم مصر (18541863)، بإمكان الجالس فيها استعادة الأجواء الملكية لذلك العصر.
كانت حكمت إبراهيم مديرة المتحف تقوم هى الأخرى بالجولات الإرشادية نفسها ولا تخفى أن الفضول كان يحركها أحيانا لمعرفة المزيد عما كانت تشرحه للزوار، أشهر الأمثلة حديثها عن «قطار فرغلى باشا» الموجود فى صالة العرض تحت الصيانة وهو عبارة عن قطار صغير يكاد يحاكى القطار الحقيقى فى رحلته، كان يملكه أحد ملوك تجارة القطن الكبار فى عهد ما قبل الثورة، تقول حكمت: «أحيانا ما يدفعك وجودك اليومى هنا إلى جمع معلومات من مصادر أخرى، وهو ما فعلته مع فرغلى باشا الذى سألت عنه أحد معارفه الذين حكوا عنه تفاصيل طريفة تؤكد صورة المليونير المترف».
الحياة داخل هذا المكان الهادىء تجعل بعض الزيارات بمثابة حدث مهم، الجميع هنا يتذكر زيارة مسئول اليونسكو التى جرت مؤخرا والتى وعد فيها بدعم تطوير المتحف مهنيا، أما الأستاذة ناهد فتتذكر وجوها تأتى للزيارة على فترات متباعدة، وتقول: «يأتى بعض الأجداد أحيانا مع أحفادهم، ويؤكدون أن زيارتهم للمكان فى الصغر هى السبب فى تكرار الزيارة بعد كل هذه السنوات، مثل هذه المواقف المتكررة أكدت لى أن زيارة المتاحف كانت أمرا أكثر انتشارا عن اليوم»، تكمل حكمت إبراهيم حديث زميلتها: «اليوم هناك ألف وسيلة ترفيه، كل هذا يسحب زوار المتاحف إلى اتجاه آخر». لم تجد كل منهما وسيلة للدعاية للمتحف سوى ما حدث قبل سنوات حين جاء سؤال فى امتحان الثانوية العامة للغة الفرنسية عن متحف السكة الحديد، وهو ما دفع بعض الطلبة فى السنة التالية إلى محاولة التعرف على المكان بدافع الفضول.
الانتماء إلى أسر عملت فى هيئة السكك الحديدية ثم الحياة العملية وسط جدران متحف السكة الحديد جعلت فكرة القطار مطروحة فى حياتهم. على مكتب مديرة المتحف قطار خشبى صغير، لم يكن مجرد اكسسوار للمكتب، بل أكثر من ذلك، فهى توضح: «أولى الألعاب التى يرتبط بها الطفل الصغير هى القطار، وهى الشكل الأول لوسائل النقل الحديثة، وبالنسبة لى أجد الحياة نفسها لا تختلف عن رحلة قطار له مجموعة من المحطات».
فى منزل أمير الشعراء
يختلف الحال بين زائر عابر لمتحف أحمد شوقى بالجيزة والعاملين الذين قضوا سنوات فى ضيافة أمير الشعراء بين أركان منزله الذى تحول إلى متحف فى العام 1977، داخل المنزل الذى سماه «كرمة بن هانئ » يشير المرشد إلى الأماكن التى أبدع فيها أحمد شوقى أشعاره وإلى أماكن أخرى استقبل فيها مشاهير عصره، وحسب العبارة التى استخدمها على عمران، أمين المتحف فإن «صاحب البيت قد فرض ثقافته على العاملين هنا». كان هذا واضحا بشدة لدى أمين المتحف الذى حرص فى حديثه على استخدام اللغة العربية الفصحى مشيرا إلى خلفيته كدارس للغة العربية فى كلية دار العلوم وأن له تجارب فى الكتابة الشعرية.
يعمل على عمران فى متحف أحمد شوقى منذ العام 2000، لكنه يكاد يكون أقرب العاملين إلى أجواء الشعر والأدب، ويعلق على ذلك قائلا: «هناك نسبة من العاملين فى المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة من خريجى كليات التربية الفنية والفنون الجميلة إلى جانب خريجى الكليات الأخرى، ولأن هذا المتحف له خصوصية الشعر والأدب، فأنا أقرب العاملين هنا إلى هذا المجال، لذا أدير النشاط الثقافى بمساعدة زملائى».
يترك على عمران مهمة إرشاد الزوار إلى فريق من الشباب يعمل فى المتحف لهذا الغرض فقط، حيث يستقبل المرشد الزوار ويتجول معهم بين غرف المنزل. منال أنور وآية طه هما من أفراد هذا الفريق، لم تكن منال تعتقد أثناء دراستها فى كلية الزراعة أنها ستعمل فى يوم من الأيام فى مجال المتاحف، رغم أن أختها الكبرى تعمل فى هذا المجال بالفعل، وهى تعلق: «فى السنوات الأولى من عملى تعجبت من فكرة بقائى بين الجدران نفسها وتكرار الكلام نفسه يوميا، لكن بعد سبع سنوات من العمل أجد الأمور قد تغيرت تماما».
تذكر منال أن ما يجعلها اليوم تشعر بالسعادة أثناء عملها هو تقدير بعض الزوار لفكرة أن تعمل فى مكان راق من الناحية المعمارية والتاريخية، كذلك فإن ما تراه أحيانا من نظرات إعجاب الزوار لأحمد شوقى خاصة من العرب يجعلها تشعر بشىء من الفخر لم تخفه فى حديثها. أما زميلتها آية طه فقد عملت لأكثر من إحدى عشرة سنة فى المكان نفسه، اعتادت على مواجهة الزيارات الكثيفة المفاجئة والصبر على قلة الزوار فى أوقات أخرى، تقول: «فى أوقات نضع أيدينا على خدنا فى انتظار زائر، وفى أوقات أخرى لا نلاحق على كم الزوار، وذلك دون أسباب واضحة».
كلتاهما لا تنسى زيارات بعينها، إذ تقول آية: «بعض الزوار يأتون هنا وهم حافظون لشعر أحمد شوقى، ولديهم معلومات مبهرة عن حياته تفاجئنا نحن شخصيا، ومن أكثر الجنسيات التى ألمس فيها هذا الحس هم السوريون بسبب سعة اطلاعهم وحبهم لأحمد شوقى».
تحتم قواعد العمل على آية ومنال أن تنقلا المعلومة بوضوح ودون إبداء انطباعات أو آراء شخصية، أحيانا ما يأتى إليهما من كان يظن أن أحمد شوقى رجل شارب للخمر وليس له مواقف وطنية، وهو ما يجب توضيحه بحياد، تعلق منال: «كرمة بن هانئ هو الاسم الذى اختاره شوقى لمنزله الأول فى ضاحية المطرية، وحين انتقل إلى الجيزة حرص على الإبقاء على الاسم نفسه الذى قد يوحى للبعض بالترف أو عن وجود كرمة عنب يعصر منها النبيذ، لكن الواقع لم يكن كذلك». هذا الاسم قد جذب بعض الزوار الذين أصابهم الفضول كلما مروا من أمام اللافتة المعلقة فى واجهة المتحف.
وتنقسم «كرمة بن هانئ » إلى طابقين، الأرضى به صالون الضيافة الذى استضاف الموسيقار محمد عبدالوهاب فى الفترة التى تبناه فيها أمير الشعراء فنيا، وإلى جواره مكتبة الشاعر الخاصة، أما الطابق العلوى فهو الأكثر حميمية حيث حجرة نوم أحمد شوقى التى كان يكتب فيها أشعاره.
فى أوقات الزيارات الكثيفة لطلبة المدارس تبدأ أجواء الحذر فى الازدياد حرصا على مقتنيات المتحف التى تزين جدران المتحف إضافة إلى محتويات المنزل التقليدية، وهو ما يستدعى بعض أفراد الأمن للحماية، وتقول آية طه: «من أصعب الفئات فى التعامل هم طلبة الثانوى، وأحيانا ما أحزن حين أجد بينهم من لا يبدى اهتمامه بقيمة المكان على عكس ما نراه من رحلات من هم أصغر سنا». وسط هذه الأجواء يظل انطباع المرشد عن أمير الشعراء خفيا إلى حد كبير ولا ينقله إلى الزائر بينما يختلف الأمر تماما عند على عمران، أمين المتحف والمسئول عن النشاط الثقافى، فلا يخفى انحيازه التام لأحمد شوقى.
حسب حديثه، فالنشاط يمثل التيارات والمدارس المختلفة فى الشعر، وفى شهر أكتوبر من كل عام تقام احتفالية ثقافية وفنية فى ذكرى أمير الشعراء، يقول: «بحكم دراستى وحبى للشعر أعرف كيف أثر هذا الرجل فى لغة كثير من الشعراء، وبحكم انتمائى لهذا المكان وبقائى ضيفا على أمير الشعراء لسنوات طويلة فكرت أن تكون شهادة الماجستير عن دراسة تأثيره فى الشعراء من بعده، وهو ما أفكر فيه جديا الآن».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.