«القصة القصيرة جدا» أو «القصة الومضة»، أو مهما تعددت المصطلحات وتباينت الآراء حول خصائصها وجدواها، أصبحت اليوم فنا أدبيا قائما بذاته، وعلى الرغم من أن البعض لا يستسيغها، وأنا كنت واحدا منهم، إلا أن رأيا قرأته لأمبرتو إيكو جعلنى أعيد النظر برأيى، وأتبنى الرأى الذى يدعو كتاب القصة والرواية إلى أن يولوا هذا الفن الاهتمام والجهد والتأمل، حيث يقول «إن وسائل التواصل الاجتماعى أتاحت الفرصة للحمقى ممن كانوا يهزرون فى البارات ولا يسيئون للمجتمع، ويمكن إسكاتهم إذا تمادوا، أما فى وسائل التواصل الاجتماعى فقد بات لهم الحق فى الكلام شأنهم شأن الحاصل على جائزة نوبل، إنه غزو البلهاء». وتأتى مجموعة طارق إمام الجديدة «أقاصيص أقصر من أعمار أصحابها» (دار الشروق 2024) لتكون واحدة من مجموعات تصدر كل عام يقول أصحابها إنهم وصلوا إلى المرحلة التى أصبح بإمكانهم التكثيف إلى هذا الحد، وأنهم أصبحوا فى مرحلة أصبحت اللغة مطواعة للتعبير عن أفكارهم بهذه الطريقة الصعبة جدا. فما الجديد الذى قدمه طارق إمام؟ من حيث الشكل، فهمنجواى هو الذى قدم الجديد فى قصته «للبيع، حذاء طفل، لم يلبس قط»، أما من حيث الحاجة إلى أن يكتب واحد من أبرع كتاب جيله نصوصا مختلفة عما اعتدنا عليه، وهو صاحب «ماكيت القاهرة» الشهيرة، فهنا تكمن الجدة، المتمثلة بالجرأة والحرفية. فالجديد هنا هو جديد طارق إمام نفسه، والجديد هنا هو جديد الأفكار التى تحولت قصصا «ومضة» وأحيانا أطول بقليل، ومن هنا ندخل إلى «الأقاصيص» وحياة أصحابها. قسم الكتاب إلى ثلاث مجموعات «لأننا نولد عجائز» و«هايكو المدينة» و«لأننا نموت أطفالا»، وقبل أن تبدأ مع العنوان الأول، يطالعك الإهداء فيأخذك إلى قصة ومضة كأن كاتبها لم يدرك التكثيف فيها بوصفها قصة، «إلى السيد إمام: أنت فوق التراب، أنا تحته»، فتدرك أنك تدخل عالما جميلا يتقدمه راحل جميل كالسيد إمام. تبدأ بالقراءة، تبحث عن المدهش، وفى عقلك سؤال واحد يدور بحذر، هل سيكون قليله جيد، أم كثيره؟ تبدأ باكتشاف ذكاء الكاتب من قراره، فهو القاص والروائى، وتكمن البراعة أنه لم ينزلق كما فعل الكثيرون من الشعراء يوم كتبوا رواية فلم يستطيعوا أن يخرجوا لغتهم الشعرية من نصوصهم السردية، والعكس مع الروائيين يوم أرادوا كتابة الشعر، فكانت تلك المساحة، مستغلة من قبل إمام بذكاء، ليكون الشاعر الذى يكتب الشعر قصة، أو القصة شعرا، فيكثف هنا، ويطيل هناك بما تقتضيه الفكرة والحال، وبما يخدم تعبيره الذى نكتشف فيه بوحا كان الأساس فى لجوء الكاتب إلى هذا النوع الأدبى، من دون أن يدعى «الشعرية» التى أجادها فى مواضع كثيرة. ولكن يعود السؤال، فهل كان كثيره جيدا وقد تضمن الكتاب أكثر من 60 عنوانا فى قسميه الأول والثالث، والكثير من التكثيف فى عناوين قسمه الثانى؟ لغة وتكثيفا لا نقاش حول الكثير، بل إن كل النصوص كانت بالجودة نفسها، وهى الجودة التى عودنا عليها طارق إمام، أما من حيث التكثيف والجديد فى الأفكار والمدهش من «الوميض» الخارج من كل مقطع، فإن القسم الثانى من الكتاب «هايكو المدينة» فيه من الجدة والروعة والبراعة ما تفوق فيه كاتبنا على نفسه وعلى الكثيرين، فأنت تتوخى التأنى والهدوء، فى قراءة نصوص لا تحتاج منك لأكثر من دقائق كى تنهيها، حتى لا تنتهى المتعة سريعا، ولا ينتهى الإدهاش والابتسام وجحوظ العينين، كيف لا وكلها على شاكلة «يعرف القناصة جيدا كيف يغيرون الحاضر لثائر. برصاصة واحدة يذهب الجسد إلى المستقبل». و«الكثيرون يطيرون هذه الأيام، والبقية تمشى على الماء، صارت المعجزات فى المتناول منذ أصبح الواقع باهظ الثمن». فى قسم الكتاب الأول نصوص على المستوى نفسه من الدقة والتكثيف، على الرغم من قصر بعضها أو طوله، ولكن أفكار بعضها تكون قد سمعت به من قبل، و«بما أن إعادة ترتيب العناصر هو الجديد»، ولأن نصا عنوانه بالعامية «هخلى وشك شوارع» فيه من التكثيف والرمزية الكثير الجميل وخصوصا فى نهايته، ولأن «الرفض» كان أساسا فى حياة بطل تلك القصة لذا «صار وجهه مأهولا»، ولأن القصة ذكرتنى بمقطع شعرى لأدونيس «مسافر تركت وجهى على زجاج قنديلى، خريطتى أرض بلا خالق، والرفض إنجيلى»، نسيت رأيى بأن الجيد يتراوح ما بين النصف والثلثين، ليجتاحنى تساؤل آخر، من منهما كتب قصة ومضة ومن منهما كتب قصيدة حديثة؟ القسم الثالث بأفكاره وتكثيفه و«الخصوصية» المرتبطة بالكاتب هى ما تعطيه الحق بأن الجودة والجدة تكمنان فى معظم نصوصه، فهو يهدى نصا لأخيه وآخر لابنته، ونصا لصديق، ويقدم لنا قصة باللهجة المصرية، أما فى قصة «الماضى»، وقبل نهاية الكتاب، فتقرأ بوحا فى ومضة تحمل مشاعر قاص/ شاعر يخوض الحياة ولا يصدق أنه وصل إلى هذه المرحلة منها، وينهيها «يعتم الزجاج، والمساحة الخالية التى غادرتها الشمس، تسدها بوجهك الأخير». أما القصتان اللتان أعتقد أنهما جوهرتا الكتاب فهما «مسودة قصة موضوعها مسودة قصة» والأقرب إلى ذائقتى «أحلام فندية». طارق إمام فى كتابه الجديد قدم لنا ما نحتاج فى زمن الادعاء بأن الكتابة عمل سهل وأى نوع تريده يمكنك الكتابة من خلاله، ليقول «لا»! عليك أن تجرب وتخوض وتقرأ وتنقد وتمزق الكثير من أوراقك، قبل أن تكتب قصة، قصيرة أو ومضة، قصيدة عمودية أم حديثة، رواية أم مسرحية، فلا يعود لمدعى الكتابة مكان عندما تصدر كتب مثل الأقاصيص الأقصر من أعمار أبطالها.