السيسي: "كان عندي ثقة في الله أن ربنا هيعنا وهتعدي مرحلة الإرهاب"    وزير النقل: مونوريل شرق النيل نقلة حضارية ووسيلة نقل خضراء.    خامنئي في رسالة جديدة: يجب سلب أمن أعداء إيران    منتخب مصر للناشئين يواصل استعداداته للتصفيات الأفريقية    محافظ القليوبية يزرع البهجة في دار المسنين ببنها بمناسبة عيد الفطر    الرئيس السيسي: إحنا صرفنا 120 مليار جنيه من 2012 ل 2022 في حرب على الارهاب    السيسي: واجهنا عمليات إرهابية وحرباً صعبة استمرت 10 سنوات دفع ثمنها أولاد مصر    محافظ الدقهلية يشارك أطفال مستشفى الأطفال الجامعي احتفالهم بعيد الفطر    إسرائيل تعتقل جنديا بتهمة التجسس لصالح إيران    وسط آلاف المصلين.. محافظ الأقصر يؤدي صلاة عيد الفطر بساحة سيدي «أبو الحجاج»    لصالح نجم المغرب، الكاف يطالب ساديو ماني بإعادة جائزة أفضل لاعب في أمم أفريقيا    الزمالك يخوض مرانه الرئيسي اليوم استعدادًا لموقعة أوتوهو بالكونفدرالية    إيتاليانو: تعرضت لالتهاب رئوي قبل مباراة روما.. وبولونيا الطرف الأضعف    فيفا يحسم موقفه من نقل مباريات إيران للمكسيك    حرس الحدود يستضيف الإسماعيلي في صراع الهروب من الهبوط بالدوري    الرئيس السيسي يرسم البسمة على وجوه الأطفال في عيد الفطر    فيديو| فرحة ودعوات.. الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر في قنا    أسعار الذهب تقفز اليوم في بداية التعاملات.. وعيار 21 يسجل 7210 جنيه للجرام    السيسي عن 2012: مصر عاشت أياما عصيبة ولا ننسى شهداء ومصابي مصر    الرئيس السيسي: مصر تنعم بالأمن والاستقرار بفضل تضحيات الشهداء    محافظ قنا: طفرة طبية بمسشفى نقادة لتطوير مبانى الغسيل الكلوى والتمريض    مشاهد عنف.. السبب وراء إيقاف عرض "سفاح التجمع" في دور السينما    اغتيال علي محمد نائيني ونواب قائد الباسيج في هجمات إسرائيل وأمريكا    طقس أول أيام العيد.. الأرصاد تحذر من نشاط رياح قوي وأتربة    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفيات بالجيزة والقليوبية لمتابعة خطة التأمين الطبي في العيد    كأنهم في الحرم.. مشهد مهيب لأداء صلاة العيد بمسجد خاتم المرسلين بالهرم    النقل العام تطلق أسطولاً من الأتوبيسات الحديثة لخدمة المتنزهات والمناطق السياحية    «الصحة» تقدم بدائل صحية لكعك العيد وتحذر من الإفراط في تناوله خلال العيد    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    بالصور.. الآلاف يتوافدون على استاد ملوي بالمنيا لأداء صلاة عيد الفطر    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    بحضور السيسي، تفاصيل صلاة عيد الفطر في مسجد الفتاح العليم    محافظ بورسعيد يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك بالمسجد العباسي    هيئة الدواء: انتظام العمل بالمنافذ الجمركية خلال عيد الفطر لتلبية احتياجات المواطنين    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    تفاصيل معركة طابا.. كيف واجهت مصر إسرائيل في ساحات القانون؟    زكريا أبو حرام يكتب: الكل بحاجة لمصر    مصطفى بكري يهاجم استغلال التجار: يعني إيه كيلو فلفل ب 40 جنيها وطماطم ب 45؟.. الناس أوضاعها صعبة    الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير مسيّرة في المنطقة الشرقية    الخليج فى قلب القاهرة.. جولة تثبيت الأركان    أوقاف الفيوم تعلن جاهزية ساحات صلاة عيد الفطر وتكثف استعداداتها بالمحافظة    إسلام الكتاتني يكتب: ومازال مسلسل الفوضى الخلاقة مستمرا .. وموسم رمضاني ساخن «1»    محافظ سوهاج: يتفقد المتنزهات العامة استعدادًا لاستقبال عيد الفطر المبارك    انقسام بين ترامب ونتنياهو حول الهجوم على حقل الغاز الإيراني    صحة مطروح: رفع حالة الطوارئ استعدادًا لإجازة عيد الفطر    محافظ سوهاج يهنئ هاتفيًا الفائزة بلقب الأم المثالية لعام 2026| فيديو    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    مجلس التعاون الخليجي: استهداف إيران منشآت نفطية سعودية عمل إرهابي    السهروردي    بولونيا يفوز على روما برباعية مثيرة ويتأهل إلى ربع نهائي الدوري الأوروبي    المفتي: العيد يوم الجائزة وتتويج للانتصار على النفس.. وفرحة الفطر تتجاوز الطعام والشراب    محافظ الدقهلية يستقبل المهنئين بعيد الفطر المبارك    انفجار وتحطم واجهة مول تجاري في مدينة دمياط الجديدة.. صور    رد الفيفا على طلب ايران نقل مبارياتها من الولايات المتحدة إلى المكسيك    عصام كامل يروي مشواره الصحفي على مدار 37 عاما: الصحافة مهنة ضغوطات، نخوض معركة رقمية مع منصات السوشيال، وهذه قصة فيتو ودور ساويرس في تأسيسها    البحرين تعلن اعتراض 139 صاروخا و238 مسيّرة    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المرض النفسى ليس وصمة عار
نشر في الشروق الجديد يوم 13 - 04 - 2010

انتهى مجلس الدولة من مراجعة اللائحة التنفيذية الخاصة بقانون رعاية المريض النفسى الجديد الصادر فى العام الماضى، ما يعنى أنه سوف يدخل إلى حيز التطبيق خلال الأيام القادمة. يحمل هذا القانون عددا من الأهداف أبرزها تدعيم حقوق المريض النفسى والعمل على حمايته، بصورة أكثر فاعلية من القانون 41 لسنة 1944 الذى جاوز عمره بعملية حسابية بسيطة نصف القرن.
صدور القانون الجديد ولائحته خطوة على طريق إرساء نظرة مختلفة، أكثر قبولا للمريض النفسى، وأكثر عدالة وقدرة على استيعابه ودمجه فى محيطه. مع ذلك فإن هذا القانون لا يمثل حلا سحريا للقضاء على سوء أوضاع غالبية المرضى، ولا يشكل طوق النجاة من المصاعب والمضايقات التى يتعرضون لها.
إن المشكلات التى يصادفها أى مريض نفسى لا يمكن تلخيصها فقط فى تقادم قانون وانتهاء صلاحيته، ولا حتى فى داء عدم تفعيل المواد القانونية وتطبيقها، إنما تكمن المشكلات الحقيقية فى وعى الأفراد وثقافة المجتمع المستعصية على التغيير.
دارت بعض الأفكار بذهنى حينما كنت أستمع لرئيس أحد أقسام العلوم الإنسانية وهو يحاضر أمام مستمعيه مشيرا إلى نزلاء واحدة من المصحات النفسية الشهيرة، ناعتا إياهم فى معرض الحديث، بالغباء والتخلف. عذرا لإعادتى اللفظين، لكن هكذا جاءت الكلمات، وبتلقائية وعفوية شديدتين ودون أن يستوقف الوصف أيا من الحاضرين، بل أومأ بعضهم برأسه علامة التأييد والموافقة.
بعيدا عن الحقائق العلمية التى تدين هذا الوصف، والتى ترى أن أكثرية المرضى النفسيين كما الأصحاء يتصفون بذكاء عادى بل وربما يتفوقون فى بعض الأحيان، وبعيدا عن التفسيرات العلمية والأبحاث والنتائج والمعامل والاختبارات والقياسات، بعيدا عن كل هذا فإن تلك الرؤية الضيقة للمرضى يسهل ضحدها على أرض الواقع. الكثير منا يعرفون مريضا نفسيا بين الأقارب والأصدقاء، وبعضنا دخل تلك التجربة بنفسه، سواء خرج منها أو لايزال فى طور الاستشفاء، وربما تمكن من التعايش مع بعض الأعراض المرضية، دون تأثير يُذكر على مستوى الذكاء والاستيعاب، بل إن بعض المرضى فى المصحات النفسية يستكملون دراستهم من داخلها دون أن يعيقهم المرض النفسى، وهناك من يحصدون الجوائز العلمية الكبرى كما عالِم الرياضيات الأمريكى الشهير جون ناش الذى أصيب لفترة طويلة من حياته بالفصام.
صورة المريض النفسى فى مجتمعنا هى ولاشك صورة يشوبها القصور وعقم الإدراك، هى صورة مصابة بالمرض فى حد ذاتها، لكنها للأسف الشديد تشكل جزءا من الخلفية الثقافية العامة التى يشترك فيها الجميع، الفرد الأمى البسيط وأستاذ الجامعة المثقف على حد سواء.
وقد أسهمت الأعمال الدرامية فى خلق نمط كريه قدمت به المرضى، بدءا من الملابس المهلهلة المتنافرة أو القميص الشهير الخالى من الأكمام، وإناء الطبيخ المقلوب على الرأس، وصولا إلى الحركات الغريبة التى لا يمكن توقعها والنظرات الزائغة الموزعة فى غير مكان، ولا ضير كذلك من بعض اللعاب السائل على جانبى الفم، فالمريض النفسى لدى عدد من الإعلاميين وصناع الدراما مادة ثرية، إما شخص يثير الضحك لغرابة أطواره أو الشفقة لقبح ورثاثة مظهره، أو أنه يبعث على الخوف لعدوانيته وشراسته.
هكذا ترسخت الصورة المصنوعة فى وجدان الناس بحيث بات المرض النفسى بمثابة وصمة عار يفضل الكثيرون إخفاءها والتستر عليها، وأصبح الفرد الذى يعانى علة نفسية منبوذا، حتى وسط مجتمعه الضيق من الأهل والأصدقاء، هو الأقل شأنا واحتراما، يتهرب منه الجميع ويفضلون إنكار وجوده.
لاستكمال الصورة المحملة بكل دوافع الاستبعاد والإقصاء فإن أطباء الأمراض النفسية ينظر لهم من زاوية الرفض ذاتها تقريبا، باعتبارهم قد تشربوا بعض الأعراض المرضية. أذكر أننى قد طالعت بالصدفة إحدى المجلات المصورة الخاصة بالأطفال ووقعت عينى على وجه كاريكاتيرى لإسماعيل ياسين فى إعادة غير موفقة للفيلم الخالد «إسماعيل ياسين فى مستشفى المجانين» حيث ظهر الطبيب فى المجلة واضعا «طاسة» فوق رأسه، وكأن الحال قد بقى على ما هو عليه منذ عقود خلت، وكأن شيئا لم يتطور فى وعى الناس وإدراكهم لطبيعة المرض.
أما عن العلاجات النفسية فأكاد أجزم أنه لم يوجد علاج لمرض على وجه الأرض تعرض للتشويه وسوء الاستغلال مثلما تم مع جلسات تنظيم الإيقاع الكهربى للمخ، والتى درجت الثقافة الشعبية على تسميتها «صدمات الكهرباء»، حيث ظهرت على شاشة السينما والتلفزيون باعتبارها وسيلة يُعذَّب بها المريض، وحقيقة هذه الجلسات أنها تعالج عددا من الأمراض النفسية، وهى من أكثر الوسائل العلاجية أمنا حتى أنها قد تُعطى فى فترات الحمل لتلافى الآثار الجانبية للدواء، كما يسبقها تخدير كامل للمريض ثم إعطاؤه باسطا للعضلات بحيث لا يشعر بأى شىء حتى تنتهى الجلسة. وفى هذا الأمر ليس أسوأ من المشهد الذى قام به الفنان عادل إمام كمريض حيث يُساق مقيدا، ويظهر الطبيب «سعيد عبدالغنى» آمرا بإعطائه جلسة كهربائية كما لو كانت عقابا، ويتم توصيل المريض بالكهرباء لينتفض جسده ويتشنج وينقبض وينبسط ثم يقوم مترنحا ومتهالكا، وهو مشهد يتعرض بكثير من التشويه لأحد أنجح الوسائل العلاجية التى عرفها الطب النفسى على مر العصور. ربما لم يخطر ببال صانعه التأثير السلبى الذى أحدثه على المتفرجين، أو على المرضى الذين يعالجون بذات الوسيلة، لكن النتيجة النهائية هى المزيد من الإساءة والمزيد من الحواجز والسدود والإهانات فى وجه المريض النفسى.
ولأن الوعى العام الذى تم تشكيله لا يخص نفر من الناس دون آخر فإن الدعاة الدينيين لم يتمكنوا بدورهم من الإفلات من أسر النظرة غير الموضوعية للمرض النفسى وأطبائه، فظهرت منذ فترة وجيزة واحدة من الداعيات الشهيرات فى برنامج حوارى على الشاشة، وحذرت متابعيها خاصة النساء من زيارة الأطباء النفسيين دون محارم، مشيرة لأن هؤلاء الأطباء معتادون على التحرش بمريضاتهم!
ولا يمكن إغفال دور الصحافة خاصة صفحات الحوادث فى إضافة المزيد من الهالات المفزعة حول المرضى، فالجرائم العنيفة وأحيانا السياسية سرعان ما يتم وصف مرتكبها بأنه «مختل عقليا»، برغم أن هذا «المختل» غالبا ما تثبت سلامته النفسية والعقلية بناء على تقييم الأطباء، وأشهر الأمثلة جريمة بنى مزار الأولى التى تم تبرئة المتهم فيها وإثبات صحة عقله، وأغلب الظن أن لوزارة الداخلية يد فى إطلاق هذا الوصف على المتهمين لتسهل من تقبل الناس للجريمة ولتتجنب البحث عن دوافعها.
إن الروافد التى تدعم بقاء المريض النفسى فى صندوق مغلق هى بالفعل كثيرة ومتشعبة، ولا يمكن القضاء عليها بالاعتماد على بعض القوانين واللوائح والتعليمات، فالقوانين وإن كانت فعالة فى حماية المريض من بعض الانتهاكات إلا أنها لا تكفل له نظرة احترام أو ترحيبا، وأظن أن تطبيق القانون الجديد لابد أن يصحبه جهد كبير لإيجاد وعى أكثر نضجا واستيعابا وتفهما لماهية المرض النفسى وطبيعته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.