نص قوامه الخيال والمقاربة ما بين الماضى والحاضر، رواية جبل الزمرد للكاتبة منصورة عز الدين، الصادرة عن دار الشروق، والتى حازت عليها جائزة أفضل كتاب عربى فى مجال الرواية من معرض الشارقة الدولى للكتاب، وفيها استلهمت الكاتبة نصوصها من أجواء أساطير ألف ليلة وليلة حيث تمزج أجواء روايتها الأسطورية بالواقع المصرى وتتلاعب بالزمن الروائى متنقلة بخفة بين الماضى والحاضر. استعانت منصورة عز الدين فى روايتها باتخاذ ثورة يناير خلفية لأحداث الرواية التى تدور أحداثها ما بين جبال الديلم، الواقعة بالقرب من أطلال قلعة «ألموت» فى إيران، والقاهرة؛ حيث يشعر القارئ على مدار صفحات الرواية أن الشخصيات التى تعيش اليوم تكرر أفعال أسلافها ضمن عوالم متوازية لا مجال للتنافر أو الاختلاف فيها. تقدم منصورة عز الدين فى روايتها، فرضية مثيرة للقارئ، بأن ثمة حكاية ناقصة من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وأن هذه الحكاية هى المفضّلة لدى «شهرزاد»، وهى فصل أو حكاية لاقت الكثير من محاولات التعمية والتشويه والتحريف، ثم بمرور الزمن حُذفت من الكتاب الأصلى. رواية جبل الزمرد جاءت لتكون عملا أدبيا معاصرا يتجاوز مجرد استلهام قصص «ألف ليلة وليلة» بطريقة معاصرة أو معتادة، وإنما شكلت محاولة جريئة لطرح أسئلة عميقة حول معنى الفن وقدرته على إحياء الروح والتأثير فى القارئ بشكل يستمر لفترات طويلة، حيث تتجاوز الرواية الحكاية بمعناها البسيط لتسعى عبر لغة مميزة إلى استكشاف المغزى والإشارات والرموز التى تحملها بين طياتها. جاءت التقارب ما بين «جبل الزمرد» وحكايات «ألف ليلة وليلة»، وفقا لأرضية مشتركة من حيث «الشكل الفنى» والمضمون أو الجوهر، فمن الناحية الشكلية، أجادت منصورة عز الدين فى نسج الحكايات بعضها من بعض بتدفق آسر، وسط تعدد الأصوات ضمن السرد الذى يغلب عليه الخيال تماما كما فى الكتاب الأصلى، أما من ناحية جوهر النص، فإننا سنكون بصدد عوالم غرائبية تثير دهشة القارئ، حيث نقرأ قصة «نورسين» التى اختطفها الملك لتعيش معه فى جبل قاف السحرى، وتنجب له ابنة: «زمردة»، وقصة عملاق يرحل من مدينة الشمس ليبحث عن الليل، قبل أن يصاب بالعمى، ويذهب إلى جبل المغناطيس ليسترد بصره، هناك حيث سيلتقى بلوقيا التائه فى الزمن، والمرتحل وراء رؤية شاهد فيها أميرة شديدة الجمال. استخدمت منصورة عز الدين، اللغة السلسة المتماسكة، التى يمكن من خلالها الضرب على وتر المراوحة ما بين الماضى والحاضر، وهو ما نلمسه فى المقتطف التالى: كان الأرق رفيقها حتى الفجر، ومع هذا لم تغادر الفراش. غفت فى الرابعة صباحًا واستيقظت فى التاسعة، وفى بالها أن تعاملهما بالمثل وتستثمر الحرية التى يتيحها لها وضعها الحالى فى تحقيق حلمها المؤجل بالسفر وحدها. ظلت فى السرير لبعض الوقت، ثم مدت يدها والتقطت طلاء الأظافر ال «فوشيا» الذى وضعته بالأمس على «الكومود»، وجلست تطلى أظافرها، وهى تتراقص على أنغام موسيقى وهمية. تفحصت أدوات زينتها وقارورة عطر مس ديور أهدتها أمها إياها قبل أسبوع، ثم نظرت لنفسها فى مرآة الدولاب وقررت أن تغيّر قصة شعرها فى أقرب فرصة، لم ترغب فى الذهاب إلى الجامعة، ولا الخروج لمقابلة، أصدقائها فى مقهى «البورصة»، لأنها صارت تتجنب النقاشات. برعت منصورة عز الدين فى روايتها فى قيادة دفة السرد والحكى فى زمن جبل الزمرد، ليتراوح القارئ معها على الفور فى إسقاطات ذكية على واقعنا المعاصر، فلا تكتفى منصورة عز الدين باسترجاع حكاية مفقودة فى كتاب «ألف ليلة»، وتخليصها من التحريف، ولكنها تسقط على الحكاية أسئلة عصرنا، وتكاد ترى فى الفن والخيال والحكى خلاصا من الاشتباك مع واقع المدن المجنونة والصاخبة بكل إحباطاتها. وفى سياق الكشف عن مكامن قوة هذا العمل الروائى، قال الناقد الأدبى الكبير صلاح فضل: تطرز منصورة عز الدين هذه السردية الفائقة بعناية صانعة المجوهرات، تمزج الأحجار والألوان والأشكال بحرفية متقنة، حيث تبعث فى الأسطورى شهوة الخلق الأولى، وفجيعة النبوءات والمصائر، وهى تخرق قانون التدوين المفترض المرأة من الإبداع، كما تسقى فى البث اليومى ماء الحياة الذى ينبت عشبة الخلود، تستغرق فى متعة التحليق فى أفق «ألف ليلة وليلة» بخيال مجنح، يصطنع لغته، ويضبط إيقاعه، ويصل ما انقطع من حكاياته فى مغامرة خاصة، لإنتاج لون مشرقى جديد من واقعية مسحورة مطعمة بالأحجار الكريمة السخية. «أدركت منصورة عز الدين جوهر «ألف ليلة وليلة»، ومغزاها كتميمة فنية ضد الموت، فانطلقت إلى آفاق مذهلة«»، بتلك الكلمات أيضا قدم الكاتب والناقد محمود عبدالشكور رأيه النقدى فى رواية «جبل الزمرد»؛ حيث واصل: بدرجة من النضج والتمكن مثيرة حقا للإعجاب، أدركت أن منطق الليالى (ولعله قانون الفن أيضا) هو كسر المنطق التقليدى، هو الإحالة إلى الخيال الذى لا يعيد فقط تكوين الأجزاء فى كل واحد متماسك، ولكنه يعيد تشكيل الزمن مثل قطعة صلصال. وتابع عبدالشكور: تمثّل رواية «جبل الزمرد» لمنصورة عز الدين قفزة هائلة فى مسيرتها كصوت خاص من أبرز أصوات فن الحكى، فبينما كانت «متاهة مريم» و«وراء الفردوس» تتعاملان بشكل أكبر مع العالم الداخلى النفسى، وتصفّى حسابات بطلاتها مع خبايا القلوب وجراح الماضى، فإن «جبل الزمرد» لا تنفتح فقط على عوالم ألف ليلة وليلة الساحرة، أو على خيالها المحلّق فحسب، ولكنها تحمل بطلاتها أيضا من محيطهن الضيق، وذكرياتهن الصغيرة، ومتاهتهن المحدودة، إلى أفكار فلسفية ووجودية وصوفية بحجم الكون والملكوت. جدير بالذكر، أن منصورة عز الدين كاتبة مصرية من مواليد عام 1976، درست الصحافة والإعلام بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، لها ست روايات وثلاث مجموعات قصصية وكتاب فى أدب الرحلات، بدأت بنشر قصصها القصيرة فى الصحف والمجلات المصرية والعربية وهى فى سن ال20. نشرت أول مجموعة قصصية عام 2001 بعنوان «ضوء مهتز»، دار ميريت بالقاهرة، وترجمت الكثير من قصص المجموعة إلى الإنجليزية، الإيطالية، الفرنسية، والسلوفينية. صدرت روايتها الأولى «متاهة مريم» عام 2004 عن دار ميريت، وطبع منها حتى الآن 3 طبعات بينها طبعة شعبية عن «مكتبة الأسرة»، كما صدرت بالإنجليزية عن منشورات الجامعة الأمريكية، القاهرة 2007. روايتها الثانية «وراء الفردوس» صدرت عن دار «العين» القاهرة 2009. ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية فى دورتها الثالثة.