تزايد شراكة دول المنطقة بالأزمات الدولية قد لا يرضى قوى كثيرة من الطامعين والمزاحمين والكارهين حملت الأسابيع الأخيرة فى طياتها ومضات من الضوء الذى أشرقت شمسه على الأمة العربية وكانت بعض ملامحه ذات طابع رمزى، فمصر تستضيف أكبر مؤتمر عالمى متخصص بتغير المناخ وتنجح فيه كدولة عربية نجاحا ملحوظا لتتجه الأبصار إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، ولا شك فى أن اختيار مصر لهذه الدورة من دورات ذلك الصرح الدولى الكبير الذى يهم كل مخلوق على أرض هذا الكوكب، هو دلالة ناصعة على حسن السياسة ودقة الاختيار مهما كانت الظروف، وهو الأسبوع نفسه تقريبا الذى تتهيأ فيه الفرق الرياضية من أنحاء العالم للتوجه إلى دولة قطر العربية للمشاركة فى بطولة كأس العالم لكرة القدم، لما يلحق بها من اهتمام دولى وحضور واسع. ويلحق بهذين الحدثين الرمزيين مواقف أخرى فرعية تترك بصماتها على مر الأزمان، إذ إن معدلات النمو غير المسبوقة فى الإنتاج السنوى للسعودية من عوائد التنمية بمظاهرها الجديدة فى ميادين السياحة والزراعة والصناعة تبدو مؤشرا إيجابيا إلى الجهد العربى، ولا شك فى أن هذه العلامات يقابلها على الجانب الآخر علامات مضيئة للدول العربية المختلفة، فلكل منها ميزة نسبية تتألق فى عالم اليوم، ولا شك فى أن اقتحام العرب للساحة الدولية بأحداث كبرى مثل استضافة المؤتمر العالمى لتغير المناخ وبطولة كأس العالم فى كرة القدم وغيرهما من المشاريع التى نشأت عن أفكار غير تقليدية ورؤى لم تكن معتادة من قبل، لا شك فى أن ذلك كله يعطى صورة جديدة عن العرب فى أعين العالم، وهنا نطرق الملاحظات التالية: أولا: دعونا نعترف أن صورة العربى فى مجملها ليست فى أفضل حالاتها عبر تاريخها المعاصر والحديث، إذ إن الصورة الذهنية للعربى تشكلت من خلال خمس كلمات تبدأ بحرف الباء فى الكتابة اللاتينية، فصورتنا نحن العرب لديهم تبدأ بصفة ال «بومبر»، أى الإرهابى الذى يطلق القذائف بلا حساب على من حوله، والثانية هى ال«بازار»، أى إن العربى مغرم بالتفاوض الرخيص للأسعار والجدل الدائم، أما الصفة الثالثة فهى ال«بيلى دانسر» أى الراقصة الشرقية، فهم يتصورون أن العرب يعيشون فقط فى مجتمعات الرفاهية والحفلات الماجنة، وتأتى الصفة الرابعة فيقولون عن العرب إنهم «بدويون»، أى بدو الصحراء المتخلفين، متناسين أن معدلات التعليم الراقى فى عدد من الدول العربية الصحراوية قد فاقت دولا متقدمة فى الغرب، وأصبحت المنطقة العربية مصدرة للعلماء وليست مستوردة لهم، أما الخامسة فهى ال«بليونير»، أى إن العربى يملك أموالا طائلة ويتصف بالثراء الفاحش، وتلك صورة ظالمة للغاية لأنها لا تعبر عن واقع الحقيقة وإنما تبدو وكأنها صفة لصيقة بالدول النفطية، متناسين أن تلك الدول قامت على حضارات قديمة لأجدادهم ولم تكن أبدا وليدة النفط بين يوم وليلة، وهكذا نجد التشويه الحقيقى لصورة العربى فى كل اتجاه مع محاولة طمس معالم هويته وتحويله إلى أداة تتخبط بلا سبب وتتحرك بلا وعى. ثانيا: تشكلت الأمة العربية فى أقطارها الحديثة من تجمعات بشرية أحدها قام على حضارة النهر (Cult of Rive) والثانى قام على حضارة الصحراء (Cult of Desert)، لكن نقطة التلاقى بين الاثنتين هى الميراث الطويل من التقاليد المتأصلة فى تكوين العربى منذ طفولته والركام الثقيل من المفاهيم الثقافية التى تمتد من الحضارات الأولى من فرعونية وفينيقية وبابلية وآشورية وسومارية إلى أن وصلنا إلى درجات عالية من التميز العلمى والتفوق البحثى، فالمنطقة العربية هى وريثة الحضارات الكبرى وحاضنة الديانات السماوية الثلاث، بل تكاد تكون هى مركز الثقل الروحى على كوكب الأرض، ولا بد من أن يستثمر العرب هذه الخصائص التاريخية التى ارتبطت بهم وعاشت معهم لكى يكونوا مرة أخرى دعاة بعث مختلف وميلاد جديد، ولا بد من أن تزول الصورة السلبية التى ألصقها بعضهم افتراء بالعرب والعروبة، وأن يستيقظ الجميع على حقائق عصرية لا أن يعيشوا فى أوهام ماضوية، ولقد حضرت ذات يوم محاضرة تذكارية فى جامعة برلين عن الحسن بن الهيثم وكان المتحدث فيها هو صديقى الراحل العالم الحاصل على جائزة نوبل الدكتور أحمد زويل، ورأيت كيف احتشد فى القاعة الكبرى للجامعة أكثر من 2000 شخص معظمهم علماء فى الفيزياء والضوئيات، وكانت تظاهرة كبيرة اعترف فيها الغربيون أمامى بفضل العرب على المعرفة الإنسانية ونقل العلوم الحديثة التى ساعدت فى ميلاد عصر النهضة الأوروبية، فنحن لدينا الكثير ولكننا نبدو أحيانا كالمحامى البليد الذى يدافع عن قضية عادلة ورابحة بالضرورة. ثالثا: الصراع العربى الإسرائيلى وملحقاته من حرب وإرهاب ودماء ودموع ولاجئين ونازحين شوه إلى حد كبير صورة العربى المعاصر أمام الآخر، وجعله صاحب قضية يستجدى الحلول لها حيث تخضع للمزايدات الدولية والقوى الإقليمية، وكان من نتائج ذلك أن دمغه كثيرون بالعجز بل وخلطوا بين كفاحه المسلح من أجل وطنه السليب وبين الممارسات الإرهابية التى شاعت خلال العقود الأخيرة على نحو غير مسبوق، وجعلت العرب هم المطاردون فى المطارات والواقفون أياما فى طوابير التأشيرات، لأن جماعة منا قد خرجت علينا فأساءت إلينا، ولكى تتبدل هذه الصورة وتتغير فنحن بحاجة إلى التعليم والثقافة والامتزاج بروح العصر والاختلاط بالمفاهيم الصحيحة التى يجب أن يمضى عليها الجميع فى وقت تواجه فيه البشرية تحديات كبرى من نقص الطاقة وندرة المياه وتلوث البيئة وتغير ملحوظ فى المناخ وعبث واضح فى قضايا حقوق الإنسان، فالتحديات كثيرة والعرب مستهدفون لأسباب معقدة يطول شرحها، بدءا من الحقد على الثراء ووصولا إلى نوع من الغيرة القومية ومرورا بأنهم يشكلون أمة لديها ما يكفى لشراء غذاء شعوبها لكنها لا تنتجه بل تعتمد على غيرها، وقد التقط الداهية هنرى كيسنجر هذه الملاحظة عام 1973 وقال فى غضون الحظر العربى على البترول إلى الدول المساندة لإسرائيل وقتها تعبيرا شهيرا هو Food For Crude) ) أى الغذاء فى مقابل النفط، وتلك العبارة الخبيثة تجسد الرؤية المغلوطة للغرب تجاه العرب. رابعا: لعبت التكنولوجيا الحديثة والتقدم الكاسح فى وسائل الاتصال دورا كبيرا فى تعرية الحقائق وكشف ما كان خافيا فى خزائن الغرب من دعايات وادعاءات بل وأوبئة وأمراض، حتى أصبحت الحرب أداة مشروعة لإنقاص عدد البشر ومواجهة مأساة الثمانية مليارات نسمة التى وصل إليها عدد البشر حاليا، كما أن الانفتاح الإعلامى جعل العرب يدركون كثيرا مما يدور حولهم ويعلمون خفايا لم تكن متاحة من قبل، فالتآمر أصبح مكشوفا والصراع أضحى ملموسا فى عالم تتراجع فيه الأسرار وتطفو الحقائق على السطح ولو بعد حين. خامسا: أن الشراكة العربية فى أحوال العالم وشذون العصر قد بدأت تتزايد، وهو أمر قد لا يرضى قوى كثيرة من الطامعين والمزاحمين والكارهين، خصوصا فى ظل غيبة التنسيق العربى وتوزيع الأدوار بذكاء بين الدول العربية، كل وفق ميزاته النسبية حتى يستعيد العرب جزءا من الثقة المفقودة تجاه الآخر إلى جانب النظرة القلقة أحيانا تجاه الغير، فالأمم القوية تقوم على المخاطرة وروح المغامرة والقدرة على اكتشاف مكانها مع غيرها، مع إمكان اختراق أساليب الحجب وطرق المنع من الوصول إلى الدولة الوطنية العصرية القائمة على جناحى الديمقراطية والتنمية مهما كانت الظروف أو تعددت الأسباب. هذه رؤية مشاهد عربى لما يشعر به من نظرة الآخر إلى أمته، إنه مشاهد يدق الناقوس ويدعو إلى اليقظة القومية العصرية بمعناها الحديث ودلالتها المؤثرة فى أجيالنا المقبلة.