بوصفه "كائنا اجتماعيا"، كما عرّفه الفيلسوف اليوناني أرسطو، فإن الإنسان يميل دائما وبشكل غريزي إلى بناء وتكوين علاقات مع أقرانه. وتتعدد طرق التواصل مع توالي الحقب والأزمان، فمع توسّع المجتمعات، بات الإنسان في حاجة إلى مراسلة غيره بنطاق أكبر من المشافهة، ثم تطور الأمر أكثر ليكون عبر برامج وتطبيقات الإنترنت. ورغم مميزات السرعة والسهولة، فإنه لا يزال هناك مذاق مختلف مهما مر الزمن للرسائل المكتوبة بخط اليد، وعبّر عن ذلك الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، بقوله: "الكلمة المكتوبة على الورق باقية، والكلمة المسموعة على الإذاعة والتلفزيون عابرة، والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوّارة، وهي مثل كل فوران متلاشية". ومن منطلق تعبير هيكل، فإننا سنقوم بدور "البوسطجي"، وننقل عبر حلقات مسلسلة مجموعة من الرسائل الخطية، التي كُتبت على يد سياسيين بارزين ومفكرين أعلام ومواطنين عاديين، الذين رغم الاختلاف والتباين الظاهري، إلا أنهم اشتركوا جميعا في التعبير عن واقع وروح الفترة الزمنية التي عايشوها. وإلى الحلقة الثالثة.. كان لقرار تأميم شركة قناة السويس، الذي أعلنه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، تأثير كبير على شعور المصريين -بمختلف فئاتهم العمرية- ما دفع أحد الطلاب للتعبير عن ذلك بمراسلة الرئيس جمال عبدالناصر بشكل شخصي؛ ليشكره على هذا القرار. وجاء رد الرئيس عبدالناصر على الطالب المصري، بخطاب رسمي من ديوان رئاسة الجمهورية، الذي نشره الكاتب أحمد خير الدين في كتابه "بعلم الوصول" الصادر عن "دار الشروق" عام 2019، وينص على: ديوان رئاسة الجمهورية مكتب الرئيس الطالب النابه.. تحية طيبة وبعد، فأشكر لك تأييدك القلبي لقرار الحكومة تأميم شركة قناة السويس المصرية؛ ردا لحقوقنا المسلوبة، وأرجو أن يتحقق للوطن العزيز بعون الله ما نرجوه من مجد ورفعة. والله أكبر والعزة لمصر القاهرة في 11/ 9/ 1956 رئيس الجمهورية ولما كان قرار التأميم يضرب بمصالح بعض الدول، التي قررت أن تشن هجوما عسكريا على مدن القناة، فيما عرف ب"العدوان الثلاثي" (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل)، لكن مصر واصلت الصمود دفاعا عن حقها وسيادتها، وذلك إلى أن انتهت الأزمة بقرار من الأممالمتحدة يُلزم الدول المعتدية بالانسحاب، وتم خلال أشهر قليلة، وكانت القوات الإسرائيلية آخر المغادرين بحلول يناير 1957. ونقل أحد المواطنين في خطاب للرئيس عبدالناصر مشاعر الوطنية وروح الصمود التي تحلى بها المصريون أثناء العدوان، من تكاتف وتضحية، وجاء نص الخطاب كالتالي: غرة رجب 1376 أول فبراير 1957 منطقة سوهاج التعليمية الشؤون العامة "جميل جدا أن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأجمل من هذا بكثير أن يجيء الرجل المناسب في الوقت المناسب. فإننا منذ أعلى السيد الرئيس جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس في يوليو 1956، قد أصبح شعورنا نحن المعلمين مزيجا من الفرحة والقلق والعزة والرهبة؛ لأن موضعنا في المجتمع موضع القيادة والريادة. وكان السيد المدير بروحه القوية وإيمانه الدافق وإخلاصه العميق يرسم خطا نقيب المعلمين وقائد جيش التحرير السيد كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم، فيستلهم جهاده ويرسم الخطة ويبصر بالواجب، ويدعو إلى الاستعداد والجهاد، حتى أصبحت المنطقة مدارسها ثكنات تعج بالشباب وتموج بالطلاب وتزخر بالعمل وتسخر من المستعمر. وتظهر بين المواطنين، فهذه معسكرات التدريب العسكري تزدحم بكتائب المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات، وهذه جماعات الدفاع المدني والإسعاف والتمريض، التي تدربت على التصرف أثناء الغارات. توحدت الأمة وسارت وراء قيادتها حتى مني العدو بالهزيمة وانسحب ذليلا". وغدا ينقل لكم "البوسطجي" خطابا جديدا.. اقرأ أيضا: البوسطجي (2)... كيف تأثر المصريون بالحالة السياسية في كتابة خطاباتهم؟