البابا تواضروس الثاني يستقبل السفير الهولندي    وزارة الأوقاف تفتتح 6 مساجد الجمعة ضمن برنامج تطوير بيوت الله    إزالة 2316 حالة تعد على أملاك الدولة والأراضي الزراعية بسوهاج    توتال تشتري النفط من الشرق الأوسط بكثافة    رسميًا.. زيادة أسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية ومترو الأنفاق بداية من غدًا    "ترامب " يعترف أن بلاده كانت مضطرة لقتل المرشد الإيرانى علي خامنئي لهذا السبب ؟!!    الأمم المتحدة تدعو الاحتلال لوقف الإخلاء القسري في القدس الشرقية    كلوب: محمد صلاح أحد أعظم لاعبي العالم وأرقامه مع ليفربول لن تتكرر    الأردن يعترض صواريخ إيرانية ويُفعّل نظام إنذار مبكر تجريبي    البرازيل ضد فرنسا.. مبابي وفينيسيوس في التشكيل الرسمي للمواجهة الودية    بقرار مفاجئ.. رحيل 5 نجوم دفعة واحدة عن نادي الزمالك    تعديل جدول مباريات نصف نهائي دوري كرة السلة    محمد منصور: أفتخر بصلاح كمصري.. وانتقاله إلى الدوري الأمريكي سيكون إضافة    بسبب فالفيردي.. أتلتيكو مدريد يهاجم اللجنة التأديبية بالاتحاد الإسباني    بسبب خلافات على الميراث.. ضبط ربة منزل متهمة بإتلاف كاميرات مراقبة بالشومة في سوهاج    اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور    محلل سعودي ل"حديث القاهرة": صبر الخليج أمام استهدافات إيران له حدود    «صدر العباسية» في صدارة جهود مكافحة الدرن وتكريم مستحق في اليوم العالمي    محافظ بورسعيد يتابع تطوير 24 فصلا لاستيعاب 580 طالبا بمدرسة عقبة بن نافع    جامعة المنصورة تكتشف مصريبثيكس، حفرية عمرها 18 مليون سنة    الأسهم الأوروبية تتراجع نتيجة حالة عدم اليقين بشأن محادثات السلام مع ايران    سر الهوية المصرية| الإمبراطور الرومانى يأمر بمنع التعليم باللغة المصرية ويغلق المعابد والمدارس!    لاعب السعودية: استعدينا جيدا لمواجهة مصر.. ونعيش مرحلة هامة    لجنة لمتابعة إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء داخل شركات الإنتاج الحربي    إصابة شاب ببتر في ساقه اليسرى إثر اصطدام قطار بقنا    عبدالرحيم علي: خطورة الحوثيون تتركز في مضيق باب المندب والبحر الأحمر بشكل عام    9 مشروبات طبيعية لتنشيط الكبد وتحسين الهضم    الحضارة المصرية عنوان بطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    طرح 180 فرصة استثمارية عبر منصة الكوميسا الرقمية تغطي 7 قطاعات استراتيجية    غدا .. تكريم المخرج الكبير خالد جلال في الاحتفاء ب"اليوم العالمي للمسرح"    تطورات الحالة الصحية ل"حكيم اللوكيشن وصمام أمان الدراما"الفنان سامى عبد الحليم    مستقبل وطن ينظم لقاء مع رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب    منتخب الناشئين يختتم استعداداته لمواجهة تونس    حبس المتهم بمحاولة تهربب 400 ألف بذرة مخدر الميرجوانا بالمطار    هيجسيث: الحرب الأمريكية على إيران ليست بلا نهاية    نصائح لتخطى الاكتئاب الموسمى    «الصحة» توجه نصائح طبية للوقاية من نزلات البرد في الشتاء    موعد ومكان عزاء الملحن الراحل وفا حسين    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إصابة 3 أشخاص إثر انهيار جزئي لمنزل بالبحيرة    حكم الحجاب فى الإسلام.. دار الافتاء تجيب بالأدلة الشرعية    محاضر للباعة الجائلين لبيعهم اسطوانات بوتاجاز فى السوق السوداء    جامعة سوهاج تطلق منظومة الرعاية الصحية الشاملة للعاملين بها    بعد موجة الأمطار الغزيرة.. أوقاف كفر الشيخ تواصل تطهير أسطح المساجد ونزح مياه الأمطار    الداخلية تكشف ملابسات قيام قائد دراجة نارية بأداء حركات استعراضية| فيديو    الإسماعيلي يعلن رحيل أبو طالب وقناوي.. وتعيين القماش رئيسا لقطاع الناشئين    وصول جثمان والدة وزير الزراعة لمثواه الأخير بمقابر العائلة ببرج العرب.. فيديو    قرار جمهوري بضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية المصرية    بالمرصاد للمتلاعبين.. تموين القاهرة تضبط مخابز ومستودعات مخالفة    البابا لاون الرابع عشر يهنئ رئيسة أساقفة كانتربري ويدعو لمواصلة الحوار "في الحق والمحبة"    العالم هذا الصباح.. ترامب يفضل استخدام مصطلح "عملية عسكرية" لوصف ما يجرى ضد إيران.. انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار.. البنتاجون يعلن صفقات ضخمة مع كبرى شركات الدفاع    نجاة أحمد بعد لقاء الرئيس السيسى: حسيت بالأمان أول ما قابلته وربنا يحفظه لمصر    محافظ القاهرة يشدد بالاستمرار في تكثيف أعمال الرقابة على كافة السلع    أوقاف شمال سيناء في استنفار ميداني لمتابعة جاهزية المساجد وتكثيف أعمال نزح مياه الأمطار    مياه الأمطار تغرق محال تجارية في الشيخ زويد بشمال سيناء    «الرعاية الصحية» تُصدر لائحة التحقيق والجزاءات لتعزيز الشفافية والانضباط    ماذا بعد رمضان؟.. الأوقاف توجه رسالة مهمة للمواطنين بعد انتهاء الشهر الكريم    جرائم التحرش الإلكتروني.. الأوقاف تنشر خطبة الجمعة المقبلة    البابا تواضروس خلال تكريم المتبرعين لحالات زرع الكبد: "التبرع بالكبد نوع من العطاء والبذل والتضحية به يتم إعطاء حياة جديدة لإنسان"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النهضة الصناعية وحركة التنوير
نشر في الشروق الجديد يوم 23 - 03 - 2009


التقدم ظاهرة اجتماعية:
تؤكد الدراسات العلمية أن الجماعات الإنسانية متماثلة بيولوجيا وأنهم يتمتعون بصفة عامة بنفس القدرات الذهنية والبدنية وأنه لا تميز لجنس على آخر. وليس معنى ذلك أن جميع الأفراد متماثلون، فهناك الذكى والأقل ذكاء كما أن هناك القوى والضعيف. فالأفراد ليسوا متساوين فى القدرات والمهارات، وإن كانت الجماعات تتقارب وتتشابه فى نسب الذكاء والإبداع كما فى الكسل والخمول.
كذلك ليس صحيحا أن التقدم والتأخر هو وليد الوفرة أو الندرة فى الموارد الطبيعية. فأكثر الدول تقدما اقتصاديا حاليا هى الولايات المتحدة واليابان، وهما على طرفى نقيض من حيث الندرة أو الوفرة فى الموارد الطبيعية. فتتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بالوفرة فى كل مصادر الموارد الطبيعية تقريبا فى حين لا تكاد تتمتع اليابان بأى منها. كذلك علمنا التاريخ أن حظوظ الدول من الرقى والانحطاط كانت متغيرة، فكم من دولة عرفت ازدهارا فى فترة لكى تقع بعد ذلك فى تدهور وانحطاط، رغم أن مواردها الطبيعية لم تتغير بين المرحلتين.
وهكذا فإن الرقى والانحطاط لا يرجع إلى خصائص بيولوجية فى البشر ولا إلى وفرة أو ندرة فى الموارد وإنما إلى ظروف مجتمعية تدعو إلى التقدم والرقى فى حالة أو إلى التدهور والانحطاط فى حالة أخرى. وتعتبر تجربة أوربا والغرب بصفة عامة مثيرة فى هذا الصدد.
أوربا تتسيد العالم مع الثورة الصناعية:
تسيطر أوربا، والغرب بصفة عامة، على معظم الإنجازات الاقتصادية والتكنولوجية وهى تقود التقدم منذ أقل من ثلاثة قرون، وإن كانت بوادر الوهن قد بدأت تظهر عليها. فحتى القرن السابع عشر كانت حضارة الصين هى الأكثر رقيا وتقدما، وكانت أوروبا ممزقة تجاهد للتخلص من تبعات ظلام العصور الوسطى والتى سادت منذ سقوط الدولة الرومانية فى نهاية القرن الخامس الميلادى. وبعد ذلك بقليل قامت الحضارة الإسلامية وازدهرت بدءا من القرن الثامن وحتى نهاية القرن الثانى عشر ثم عرفت انتفاضة جديدة مع ظهور الدولة العثمانية وتوسعها حتى منتصف القرن السابع عشر. وفى كل هذا كانت أوروبا نائمة حتى نهضت مع الثورة الصناعية منذ النصف الثانى للقرن الثامن عشر، وأخضعت معظم مناطق العالم لنفوذها.
الثورة الصناعية ورخاء الشعوب:
يذهب الاتجاه الغالب، خصوصا بين الاقتصاديين، إلى أن الصحوة الأوروبية التى أخرجتها من سباتها إنما ترجع إلى «الثورة الصناعية» والتى بدأت فى انجلترا فى منتصف القرن الثامن عشر ومنها انتقلت إلى معظم الدول الأوروبية الغربية، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية فى نهاية القرن التاسع عشر.
وليس هناك من شك فى أن «الثورة الصناعية» تمثل أهم وأخطر تطور فى حياة البشرية. ولايرجع ذلك لأن هذه الثورة أفرزت أنماطا هائلة من التقدم التكنولوجى الذى أدى إلى زيادة إنتاجية البشر. فالحقيقة أن البشرية عرفت فى معظم تاريخها أشكالا متنوعة من التقدم التكنولوجى. فالإنتاجية كانت تتزايد باستمرار قبل وبعد الثورة الصناعية. ولكن الفارق بين الثورة الصناعية وما قبلها هو أن نتائج التقدم التكنولوجى مع هذه الثورة لم تنحصر فى تحسين أحوال الأقليات الحاكمة، وإنما انتشرت بدرجات متزايدة للارتفاع بمستوى المعيشة للغالبية.
عرفت البشرية تقدما تكنولوجيا كبيرا مع اكتشاف الزراعة قبل حوالى عشرة آلاف سنة مما أدى إلى ظهور حضارات عريقة فى مصر الفرعونية أو فى بلاد ما بين النهرين أو فى الصين والهند، ومع ذلك ظل التحسن فى الأوضاع المعيشية بعيدا عن العامة ومحصورا فى الأقليات الحاكمة، يستوى فى ذلك فرعون مصر وحاشيته من أمراء ونبلاء وكهنة، أو ملوك الفرس وبلاط كسرى وبطانته من رجال دين، بل إن ديمقراطية أثينا والمدن الإغريقية كانت محصورة فى أقلية من الأحرار فى وسط جموع غفيرة من العبيد والأجانب. فالعالم لما قبل الصناعة كان عالم الأقليات المحظوظة والغالبية المطحونة والتى تعيش عند مستوى الكفاف. فالتقدم التكنولوجى لما قبل الثورة الصناعية اقتصر على توفير مظاهر الترف، إن لم يكن الإسراف، للأقلية المحظوظة من الحكام والكهنة فى حين ظلت الغالبية العظمى من أفراد الشعوب تعيش فى فقر مدقع وجهل تام وغالبا أمراض متوطنة. فالجديد هو أنه مع الثورة الصناعية أدت الزيادة فى الإنتاجية إلى مزيد من الرفاهية لأعداد متزايدة من الشعوب. فتوسعت الطبقة المتوسطة فى دول أوروبا الغربية وخاصة منذ القرن التاسع عشر كما تحسنت أحوال الجماهير الواسعة فى معظم شعوب الدول الصناعية فى القرن العشرين. ولذلك فإن أهمية الصناعة ترجع إلى اتجاهها إلى توسيع قاعدة المستفيدين من زيادة الإنتاجية مما أدى إلى تحسن مستوى معيشة الغالبية من السكان.
علم الاقتصاد ولد مع الثورة الصناعية:
لعله من دواعى السخرية أن الاقتصادى الإنجليزى مالتس والذى كتب فى بداية القرن التاسع عشر مبشرا أو بالأحرى منذرا بأنه لا مجال للارتفاع بمستويات المعيشة للفقراء، لأن كل زيادة فى الأجور للطبقة العاملة لن تلبث أن تؤدى إلى زيادة فى عدد السكان تلتهم أية زيادة فى الإنتاجية. ووجه الغرابة فى نظرية مالتس هو أنها ظهرت مع بداية الثورة الصناعية فى إنجلترا بلد هذه الثورة والتى أدت إلى فصم العلاقة بين زيادة الإنتاجية وبالتالى الأجور وبين الزيادة السكانية. فلأول مرة فى التاريخ تؤدى الزيادة فى الإنتاجية الناجمة عن «الثورة الصناعية» إلى الارتفاع بمستوى المعيشة لدى العامة. فمالتس كان يصف فى الواقع دون أن يدرى المجتمعات ما قبل الصناعية، وحيث تؤدى كل زيادة فى الموارد الغذائية إلى زيادة مقابلة فى السكان.
فنظرية مالتس تتحدث عن الكائنات الحية بصفة عامة دون تمييز خاص للبشر. «فالاقتصاد المالتسى» هو على هذا النحو «اقتصاد حيوانى» يفسر أوضاع المجتمعات البشرية على نحو لا يختلف كثيرا عما يحدث فى عالم الحيوانات من أرانب أو فئران أو غيرها، وحيث تتحدد أعدادها بحجم الموارد الغذائية المتاحة. وهو أمر لم يعد صحيحا بعد «الثورة الصناعية» والتى أدت إلى تحسين أحوال الغالبية. وإذا كان مالتس هو بذلك، صوت الماضى، فقد كان آدم سميث وهو يتحدث عن «ثروة الأمم» هو الاقتصادى الذى أدرك طبيعة الاقتصاد الصناعى وقدرته على زيادة الإنتاجية وتوسيع قاعدة الإفادة منها ورفع مستويات المعيشة لأعداد متزايدة من السكان. فالاقتصاد يبحث فى زيادة الإنتاجية وتحسين الأحوال المعيشية للبشر.
الثورة الصناعية وليدة حركة التنوير:
لم تبدأ الثورة الصناعية فجأة لأن عددا من الأفراد قرروا تجريب وسائل جديدة للإنتاج، أو قبول بعض المغامرة فى مجالات مختلفة لنشاطهم، وإنما لأن هناك جوا فكريا تخلص إلى حد بعيد من سطوة القديم والتقاليد مع قبول الجديد والمبتكر، وبوجه خاص الثقة فى العلم والتجريب. وكلها أمور غريبة عن المجتمعات التقليدية الراكدة.
بدأت فى أوروبا، وخصوصا منذ القرن السادس عشر، حركة فكرية تعارض الأوضاع القائمة وتطرح أسئلة وتساؤلات عن التقاليد السائدة. ولعل أبرز هذه الحركات ما بدأ مع دعوات الإصلاح الدينى مع مارتن لوثر وكالفن فى القرن السادس عشر. وكان المجتمع الأوروبى يعيش فى بيئة منغلقة خاضعة تماما للتقاليد تحت رعاية وإشراف الكنيسة، بحيث كان رجل الدين هو المرجع فى كل شىء، وكانت حياة المرء محكومة كليا بالكنيسة منذ المهد إلى اللحد. وكان من أوائل من حاولوا الخروج على هذا الخط الحديدى إرازموس الهولندى، وكان كاثوليكيا ورعا، وقد راعه ما رأى من تسلط الكنيسة على حياة الأفراد فكتب ضد انحرافاتها مما كلفه الطرد من الكنيسة (بعد وفاته)، على يد البابا بولس الرابع. على أن بداية الهجوم على الأسس الفكرية لهذا المجتمع التقليدى بدأت مع الفيلسوف الفرنسى ديكارت والذى عاش فى أغلب أوقاته طريدا فى هولندا حيث بين أن العلم يبدأ «بالشك» فيما يصادفه العالم من مقولات، وعليه محاولة إقامة البرهان بالتجربة والتحليل الرياضى على صحة هذه المقولات. وقد ظل ديكارت مع ذلك على عقيدته المسيحية مؤكدا أنها لا تتنافى مع العقل السليم.
ثم جاء الهولندى سبينوزا ووجه أخطر هجوم على النسق الفكرى السائد وذلك بإنكار الكتب المقدسة والوحى والمعجزات، والتأكيد على وحدة الوجود وأبديته. ورغم هذا، أنكر سبينوزا إلحاده وأكد إيمانه بالخالق. ومع ذلك ظلت تهمة الإلحاد لاصقة به. وإذا كان سبينوزا يمثل الجناح الأكثر راديكالية وتطرفا، فقد عرفت الحركة التنويرية رموزا أقل تطرفا، ومع تأكيدها على أهمية العقل والعلم والتجربة فإنها لم تذهب إلى إنكار الأديان. وكان من أهم هؤلاء ليبنز الفيلسوف والرياضى الألمانى والذى اكتشف مع نيوتن التحليل الرياضى. وقد رفض ليبنز إلحاد سبينوزا. ويمكن القول بأن المجتمع الأوروبى انقسم لفترة طويلة بين مؤيد لنيوتن ومناصر لليبنز. وإن كان يمكن القول بأن المفكرين الإنجليز والذين جاءوا متأخرين إلى الساحة التنويرية ربما يكونوا قد كسبوا الجولة الأخيرة خاصة مع نيوتن وجون لوك. فمع نيوتن بلغ «العلم»، خصوصا فى الفيزياء، أعلى درجات الاحترام، ولكن نيوتن لم يصل إلى إنكار الأديان مبينا أن هناك مجالا للعناية الإلهية. فالعلم وفقا له يفسر الظواهر ولكنه لا يصل إلى أسبابها وجوهرها. فنحن نتعامل مع قوانين الجاذبية مثلا، ولكننا لا نفهم ولا نعرف أسباب هذه الظاهرة أو غايتها. وهكذا جاء نيوتن رافعا لشأن العلم دون أن ينكر الأديان. وبالمثل أرسى لوك أهم مبادئ حقوق الإنسان وحريته دون تشكيك فى الأديان، وكان فرانسيس بيكون قد أرسى من قبل أهمية التجربة فى تقدم العلوم.
وهكذا يتضح أن «الثورة الصناعية» لم تبدأ من فراغ ولا هى قامت مباشرة على أنقاض المجتمعات التقليدية للعصور الوسطى، بل تطلب الأمر مرحلة تنويرية وسطى من تغيير المفاهيم والقضاء على التراث الثقافى التقليدى واستعادة اعتبار العلم والعقل والاعتراف بحقوق وحريات الإفراد الأساسية ومهاجمة نظم الحكم القديمة ومؤسساتها فى الحكم المطلق وتسلط الكنيسة فيما عرف «بحركة التنوير». وجاءت آخر حلقات هذه الحركة التنويرية مع الفلاسفة الفرنسيين من فولتير ومونتسكيو وروسو وأصحاب الموسوعات من أمثال ديدرو ودالمبير، وتوج كل ذلك بقيام الثورة الفرنسية. وهكذا يتضح أن «الثورة الصناعية» لم تولد من فراغ وكان لابد لها من أرضية فكرية تنويرية سليمة.
بين حركة التنوير الأوروبية والمجتمع العربى المعاصر:
هناك ملاحظتان تستوقفان الباحث عند النظر فى «حركة التنوير» الأوربية. الملاحظة الأولى، هى أن هذه الحركة كانت حركة فكرية «أوروبية»، بمعنى أنها لم تنحصر فى دولة أو دول محددة بل شارك فيها معظم الدول الأوروبية، وساهم كل منها بشكل أو بآخر. ويرتبط بهذا أنه وبصرف النظر عن جنسية المفكر، الذى قد يكون هولنديا أو فرنسيا أو ألمانيا أو غير ذلك، فإن أفكاره لن تلبث أن تنتشر على اتساع القارة الأوروبية. فما إن يظهر كتاب جديد حتى يترجم وينتشر ويناقش فى مختلف الدول الأخرى. فالحركة فى جوهرها أوروبية رغم انقسام أوروبا حينذاك إلى ممالك وإمارات متناحرة فى حروب مستمرة وتحالفات متغيرة. فرغم هذا الانقسام السياسى وأحيانا الدينى بين كاثوليك وبروتستانت وأحيانا أرثوذوكس، فقد جاءت «حركة التنوير» حركة شاملة لمعظم القارة الأوروبية. ولعل هذا التراث الفكرى المشترك هو الذى يبرر ما نراه اليوم من تقارب وتوحد فى أوروبا وبعد أكثر من ثلاثة قرون من الصراع والحروب. هناك أرضية ثقافية مشتركة.
أما الملاحظة الثانية فهى أن حركة التنوير الأوروبية كانت موجهة بالدرجة الأولى ضد الكنيسة. فالكنيسة وكذا الملكية المطلقة كانت متسلطة على الأفكار والقيم وقواعد السلوك، وكانت سيطرتها على العقول شبه كاملة. فالكتاب المقدس لم يكن متاحا إلا باليونانية أو اللاتينية، ولم توجد ترجمات باللغات المحلية إلا فى أوقات متأخرة، بحيث كان الفرد يتقيد بتعاليم دينية تفرضها الكنيسة وبلغة لا يستطيع أن يفهمها. ولم يكن غريبا والحال كذلك أن تأتى حركة التنوير مناهضة فى بعض توجهاتها ليس للكنسية فقط بل وأحيانا للأديان أيضا.
وفى ضوء هاتين الملاحظتين يتضح لنا أن الوضع العربى الحالى يتفق فى جانب مع هذا التاريخ الأوروبى ويختلف فى جانب آخر.
فإذا نظرنا إلى المجتمع العربى المعاصر نجد أنه مشتت بين عدد من الدول المتناحرة والمتنازعة أحيانا على المستوى السياسى، ولكن هناك بالمقابل، وحدة ثقافية إلى حد بعيد، تتجاوز الحدود السياسية. فشوقى وطه حسين ورفاعة الطهطاوى ومحمد عبده وخليل جبران ونقولا زيادة وجورج زيدان ونجيب محفوظ ونزار قبانى والجواهرى ومالك بن نبى وساطع العصرى وقاسم أمين وغيرهم هم رواد الفكر العربى المعاصر، كما أن أم كلثوم وسيد درويش وعبد الوهاب وفريد الأطرش وفيروز وأسمهان والريحانى وجورج أبيض هم رواد الغناء والمسرح، والقائمة طويلة. وقد جاءت السينما والراديو وأخيرا التليفزيون لتوثيق هذه الروابط الثقافية بشكل أكبر. ولعل الميزة الكبرى للثقافة العربية هى أنها تستند إلى لغة عربية واحدة. ومن هذه الناحية يمكن القول بأن المجتمع العربى المعاصر لا يختلف كثيرا عن المجتمع الأوروبى إبان حركة التنوير. حقا، هناك انقسام وتشتت سياسى، ولكن هناك وحدة ثقافية إلى حد بعيد، تدعمها وحدة اللغة العربية.
وأما الملاحظة الثانية فهى أنه نظرا لأن الدين الإسلامى لا يعرف كنسية ولا كهانة تتدخل فى الحياة اليومية للبشر، لذلك لم يأخذ الفكر العربى التنويرى باتجاهات معادية للإسلام كما كان الحال مع حركة التنوير الأوروبية، بل إن عددا من رواد التنوير العربى كانوا من رجال الدين. ومع ذلك ورغم عدم وجود كنيسة فى الإسلام فإن ذلك لم يمنع من ظهور اتجاهات فكرية سلفية تعارض الجديد باسم الدين والتقاليد.
وقد بدأت حركة التنوير العربية على حياء منذ منتصف القرن التاسع عشر وتعمقت فى النصف الأول من القرن العشرين، لتتراجع فى النصف الثانى من ذلك القرن نتيجة لغلبة النظم السياسية القمعية مما ساعد أيضا على غلبة العقلية الشمولية وبالتالى بروز التيارات المناوئة للحرية.
بدون حركة تنوير حقيقية توفر حرية الرأى والاعتقاد وترسِّخ النظرة العلمية وتقوم على التسامح واحترام حقوق الآخر، فإنه يصعب تحقيق أى نهضة حقيقية، ويظل الحديث عن «ثورة صناعية» عربية مجرد ثرثرة. والله أعلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.