الأمريكيون مغرمون، عندما يطرح موضوع الحرب، بالاقتباس عن مفكرين عسكريين مثل سان تزو وكلاو سويتز. لكن فى الواقع، ربما يكون الخبير الاستراتيجى الذى يجب أن نسمع قوله أكثر من غيره بشأن مأزق السياسة الخارجية الأمريكية الحالى هو جان بول سارتر. تعرض مسرحية No Exit (لا مخرج) لسارتر لشخصيات لا يستطيعون الهروب من بعضهم بعضا. وأحدهم يقول: «جهنم هى الآخرون». ما صلة ذلك بالموضوع؟ لأن أمريكا تجد نفسها فى كل من العراق وأفغانستان متورطة (قد يقول البعض واقعة فى مصيدة) فى مواقف صعبة (قد يصفها البعض بأنها جهنم) حيث تعتمد قدرتها على الخروج بنجاح بشكل كبير على شركائها المحليين. إن الولاياتالمتحدة تعتمد على العراقيين والأفغان ليقوموا بأشياء أكثر كى يستطيع الأمريكان أن يقوموا بأشياء أقل. ولكن لا يبدو فى أى من البلدين أن الأمور ستئول إلى ذلك. ففى العراق، التزمت أمريكا بالخروج الصعب، ووقعت الحكومتان الأمريكية والعراقية معاهدة تقتضى أن يغادر الجنود الأمريكيون (لا يزال عددهم يتراوح عند 120 ألف جندى) مع نهاية 2011. وفى خطابه الذى ألقاه فى ويست بوينت، التزم الرئيس أوباما بالخروج «الناعم» من أفغانستان، متعهدا بأن يبدأ بتخفيض أعداد القوات الأمريكية هناك بحلول صيف 2011. أما ما لم يقله فهو مدى سرعة تقليص القوات الأمريكية وكم سيبقى هناك وحتى متى. والأمر الأهم هو أنه لم يذكر أحد ما الذى سيحدث إن بقيت «الظروف على الأرض» على ما هى عليه أو ساءت، أى إن تبين أن الجيش والشرطة الأفغانية ليسوا جاهزين لتولى الأمور. وهناك من الأسباب ما يكفى للاقتناع بأنهم لن يكونوا جاهزين. من الواضح أن الرئيس يأمل أن يؤدى التهديد بالانسحاب إلى تركيز ذهنى أكبر من قبل شركائهم الأفغان غير الكاملين. وفى ويست بوينت، سعى الرئيس لإيصال رسالة مفادها الأهمية الملحة للموضوع، قائلا: «لقد ولت أيام تقديم شيكات على بياض». ولكن ليس هناك من ضمانة أن هذا التهديد الضمنى سينفع، فقد يرى فيه الرئيس الأفغانى حامد كرزاى خدعة، مستنتجا أن أوباما لن ينسحب مما أطلق عليه قبل شهور حرب ضرورية ومن مصالح وصفها حديثا بأنها حيوية للأمن القومى الأمريكى. وعلى الأرجح فإن كرزاى ليس مخطئا. انظر إلى العراق فحسب. فحتى مع معرفة أن القوات الأمريكية ستنسحب، نجد أن السياسيين العراقيين يتشاجرون حول قانون الانتخاب. وحتى لو أجريت الانتخابات، فمن غير الواضح إن كان من الممكن أن تتشكل حكومة فعالة. ولا يزال على أكراد العراق والسنة والشيعة أن يثبتوا وجود إرادة ثابتة بالعمل معا سلميا، حيث لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق لتوزيع الثروة النفطية أو ماذا يجب فعله لتمكين أربعة ملايين نازح ولاجئ من سكان البلاد للعودة آمنين إلى بيوتهم. وقد تدهور الوضع الأمنى مؤخرا وقد نرى نمطا متجددا من التفجيرات والعنف. ماذا بعد ذلك؟ من الواضح أن العراق مهم جدا لاستقرار واحدة من أهم المناطق فى العالم وأكثرها اضطرابا، ولمصالح أمن أمريكا الجوهرية. وعلى أوباما بدلا من المخاطرة بانزلاق البلاد إلى الفوضى من جديد، أن يعيد النظر فى قرار سحب القوات المقاتلة جميعا بحلول أغسطس 2010. يضاف إلى ذلك أن على الولاياتالمتحدة فى أعقاب الانتخابات أن تقترح إعادة التفاوض حول المعاهدة الثنائية التى تشترط رحيل القوات الأمريكية جميعها عام 2011. إن مجرد الإشارة إلى الرغبة فى البقاء قد يردع العراقيين عن تصعيد صراعهم. إن لم يستطع الأفغان أن يبدأوا بتسلم زمام الأمور من الجيش الأمريكى فى صيف 2011، فإن أوباما سوف يواجه مجموعة من الخيارات غير المريحة المشابهة. واثنان من هذه الخيارات تمديد فترة رفع أعداد القوات لأكثر من 18 شهرا وزيادة مستويات القوة العسكرية أكثر هما خياران مكلفان بكل المقاييس، والميل لأحدهما قد يسبب أيضا عاصفة نارية سياسية محلية هنا. وأما البديل الواضح أى تخفيض أعداد القوات جوهريا برغم ضعف حكومة كابول والقوات الأمنية الأفغانية فقد يثير أيضا نقدا غاضبا، والحجة فى هذه الحالة هو أن من شأن هذا القرار تدمير الهيبة الأمريكية وترك الوطن ضعيف التحصين أمام الإرهاب المنطلق من جنوب آسيا. والطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه الاعتبارات هى من خلال الحل الوسط: البقاء فى أفغانستان، ولكن بعدد أقل من القوات: وإحدى الأفكار أن تكون هناك عودة بعدد القوات إلى مستويات ما قبل عملية الزيادة والاستمرار فى سياسة تدريب الجيش وقوات الشرطة الأفغانية وتحسين الحكم وإعادة دمج بعض من أفراد طالبان على الأقل فى المجتمع وتنفيذ عمليات مكافحة إرهاب محددة. وعليه سوف تتراجع عمليات مكافحة التمرد إلى مرتبة أقل من عملية بناء القدرات. وفى هذه الحالة، كما فى العراق، يكون الوجود الأمريكى مطلوبا لبعض الوقت. ولب القول إن استراتيجيات الخروج أسهل تصميما منها تنفيذا. وغالبا ما تتحول إلى استراتيجيات تحمل وصمود. وعلى شاكلة الغرفة فى مسرحية سارتر، فإن الدخول فى صراع أسهل من الخروج منه. رئيس مجلس العلاقات الخارجية، هو مؤلف كتاب War of Necessity, War Of Choice: A Memoir of Two Iraq War (حرب الضرورة، حرب اختيار: مذكرات حربين فى العراق). Newsweek International