الأوروبيون محظوظون باجتياز الجسور نحو التقدم دون كاميرات تضاء على فظائعهم يستشهد بحكاية اللورد «ساندويتش» الاسكتلندى صانع شريحة لحم بين طبقتين من الخبز اختصارا لوقت سيده أثناء رحلة مفاجئة القوة ميدان تصويب وضرب نار.. والحضارة شراكة ومحيط أنوار فى كتيب صادر عن دار «الشروق» تناول الكاتب الصحفى الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، فكرة «صراع الحضارات»، تحت عنوان: «على هامش صراع الحضارات.. رؤية صحفى»، وذلك من واقع ثلاث مداخلات اشتبك فيها هيكل مع الموضوع، فى محافل مختلفة. وبعبارة واضحة، يقول هيكل: «إننى قريب من مدرسة ترجح أنه ليس هناك ما يمكن أن نسميه صراع حضارات – أو حوار حضارات – والسبب أن هناك حضارة إنسانية واحدة صبت فيها شعوب وأمم وأقاليم الدنيا، على طول التاريخ أفضل ما توصلت له من رقى وتقدم. وإذا اعتبرت بقصد مزيد من التحديد أن ثقافة أى مجتمع هى مجمل ما تحصل عليه فى ظروف موقعه، وعلى مسار تاريخه، من خبرات ومعارف وفنون فإننا بنفس المقدار نستطيع القول بأن الحضارة هى أرفع وأنفع ما وضعته ثقافات الشعوب والأمم والأقاليم فى المجمع العالمى للثقافات المتنوعة، والذى هو محيط الحضارة الإنسانية». ويوضح هيكل ما ذهب إليه قائلا: «الذى حدث على طول التاريخ أن ما حققته المجتمعات المتعددة من ثقافات متنوعة انتقل بالاختيار المفتوح وبالطلب الحر عندما بان نفعه وتأكدت قيمته إلى الأقاليم المحيطة بموطنه وهناك تفاعل مع ما وجد، ثم راح ما تجمع فى الأقاليم ينتشر بثبوت نفعه وصلاحيته إلى أفق أوسع وأبعد، ومرة ثانية فعل وتفاعل، ثم تحول مجمع الثقافات إلى محيط حضارى لا يحتاج إلى إلحاح أو إلى سلاح، لأن شراكة الجميع فيه، وحاجة الكل إليه، تجعله ثروة بالمشاع بينهم وادخارا لطموحاتهم عندما تحركها هممهم». ويواصل: «إذا أردنا دليلا على شراكة الحضارة من مجال آخر لا يحتمل كثرة الظنون فأمامنا مجال العلم، فالعلم سياق واحد ملأته ينابيع وموارد ومصادر متعددة خطوة موصولة بخطوة موصولة دون علم وطنى يرتفع أو جواز سفر يسمح أو يحجز بمعنى أنه ليست هناك مثلا فيزياء أو كيمياء أو فلك أو رياضيات أوروبية صرف أو صينية صرف أو هندية صرف أو عربية إسلامية صرف، وإنما هناك علم واحد صب فيه الجميع من كل نبع ومن كل نهر ومن كل بحر حتى وصل الفيض إلى المحيط المشترك الأكبر، وهناك حافظت على عالميته وفتحتها لكل من يرغب ويستطيع أدوات للاقتراب والتناول تنظمها شروط متعالية على كل الأجناس وفوق كل الأقاليم». ويتساءل: «أليس لافتا للنظر أن ما جرى فى حضارة الزراعة وحضارة العلوم وحضارة الصناعة من تأثيرات تحولت بسرعة إلى أساليب حياة كل يوم وحتى إلى مذاقها»، متابعا: «فعندما وضع كبير خدم اللورد «ساندويتش» الاسكتلندى شريحة لحم بين طبقتين من الخبز اختصارا لوقت سيده أثناء رحلة مفاجئة عرف العالم كله وجبة الساندويتش، ولم يتبق للتاريخ من النبيل الاسكتلندى وكبير خدمه سوى اسمه واصلا إلى العصور الحديثة، حتى دون معرفة بأصل الحكاية». ويقرر: «إذا عُدت الآن إلى مقولة صراع الحضارات أو حوارها فربما تكون النقطة الجوهرية أنه يتحتم التفرقة باستمرار بين شراكة الحضارة وبين صراعات القوة، فالقوة ميدان تصويب وضرب نار، والحضارة شراكة ومحيط أنوار». وفى محاضرة له بجامعة «أكسفورد» بمناسبة إنشاء كلية جديدة للصحافة فيها، قال هيكل: «إننى توسعت كثيرا فى حديث التاريخ، بينما حديثنا عن الصحافة، وظنى أن هناك صلة من نوع ما بين الاثنين، معقدها أن الشرق المسلم ومعه مسيحيوه يدفع الضرائب مرتين: الأولى: لأن حركة التقدم العالمى بسبب ثورة العلوم والتكنولوچيا لم تعطه حتى الآن فرصة لالتقاط الأنفاس، يمسك لحظتها بالعصر ويواصل معه. وفى حين أن الشرق البوذى نجح أحيانا فى الإمساك باللحظة، فإن الشرق الإسلامى ومعه مسيحييوه تعذر عليهم اللحاق لأسباب معقدة ليس هذا مجالها. والثانية: وهى التى تعنينى لاتصالها بموضوع الإعلام، ملخصها أن الشرق المسلم يعانى من أن الأقلام والأضواء والعدسات كلها توجهت وتركزت عليه، بينما هو يعانى المرحلة الأصعب فى الانتقال من قديم إلى جديد، ومن تأخر إلى سبق، ومن عتمة إلى نور. وخاطب هيكل الحاضرين الأوروبيين قائلا: «لقد كنتم محظوظين فى اجتياز الجسور من التخلف إلى التقدم ولم يكن لدينا مع الأسف هذا الحظ أو بعضه». وواصل: «دعونى أقول إنه ليس من باب التعسف أن نسأل لو أن الصحافة الحديثة وضمنها وكالات أنباء مثل «رويترز» أو مؤسسات مثل A.B.C، وC.B.S، وN.B.C، والجزيرة، وSKY، وFOX، وC.N.N، كانت حاضرة زمن حروب الأباطرة والملوك والكرادلة والعلماء، والمذاهب والطوائف، والقوميات والطبقات، والإمبراطوريات والتحديات الإمبراطورية لها فى أوروبا؟! ماذا على سبيل المثال لو كانت هذه الصحافة الحديثة حاضرة أيام مذبحة «سان بارتولميو» مثلا حين جرى ذبح مئات الألوف من «الهوجونوت» الفرنسيين على أيدى مواطنيهم من الكاثوليك، بتحريض كرادلة ونبلاء؟! ومضى متسائلا: وماذا لو كانت هذه الصحافة الحديثة حاضرة فى ميدان «الكونكورد» حيث كانت مقصلة الثورة الفرنسية تدور وتقطع رءوس الملوك والأمراء والسياسيين والمفكرين كل يوم من الصباح إلى منتصف الليل؟! أو لو عبرت البحر إلى برج لندن تنقل ما يجرى وراء أسواره للإخوة من النبلاء والمحظيات وأولياء العهود من مآسٍ وأهوال؟! وماذا لو كان هناك بث على الهواء مباشرة لوقائع الحرب الأهلية الأمريكية، حين قتل فيها الأخ أخاه، وانتهك عرضه، وحرق زرعه واستباح مدنه وقراه فى أطول مجزرة عاشتها أمريكا، وأغزر شلال دم تدفق فى العالم الجديد! وماذا لو كان نفس البث المباشر حاضرا ينقل على الهواء مباشرة مشاهد بعض أو أشد الأعمال ظلما فى تاريخ الإنسانية؟! تلك التى كان الشمال لسوء الحظ فاعلها، من ظاهرة الاستعمار إلى ظاهرة العبودية وإلى ظواهر أخرى متوالية فى قلب القرن العشرين، وضمنها الستالينية والفاشية والنازية، ومعاداة السامية، ومحارق الهولوكوست التى طالت اليهود وغيرهم من الأجناس والأعراق. وماذا لو أن هذه الوسائل كانت حاضرة وعلى الهواء مباشرة تنقل الحرب الأهلية فى إسبانيا، وتنقل فظائع «جويرنيكا» و«فالينسيا» و«توليدو»، بدل أن تعتمد فى وصفها على لمحات من كتابات فنانين وساسة من وزن «بابلو بيكاسو» و«أرنست همنجواى» و«أندريه مالرو» و«هيو توماس»؟! وعلق بالقول: تذكرون أن وسائل الإعلام الحديث لم تلحق إلا قرب النهاية بأهوال الحرب العالمية الأولى، وإلى حد محدود بالحرب العالمية الثانية، ونعرف بالطبع أن هاتين الحربين العالميتين كانتا صراعا بين قوى الشمال ذاتها، لكن الأطراف المتحاربة نقلت ميادين القتل إلى جميع القارات وفرضتها على كل الأمم والشعوب، وكانت الحصيلة الإنسانية ما بين ستين وسبعين مليونا من القتلى، وما بين مائة وخمسين إلى مائة وسبعين مليونا من الجرحى فى الحربين معا، وعندما جاء المشهد الأخير فى الحرب العالمية الثانية ووقع استعمال السلاح النووى، فإنه لم يكن هناك نقل مباشر على الهواء، وعلى أية حال فقد اكتفينا جميعا بسماع أصداء المأساة قائلين فى نَفَس واحد شمالا وجنوبا: لن يتكرر ذلك مرة أخرى، ومع ذلك وبرغم هذا التعهد الإنسانى الجامع فإنه عندما نشبت المعارك فى أفغانستان والعراق، لم تتورع القوات الأمريكية عن استعمال أنواع من أسلحة «اليورانيوم» المستنفد، وتلك درجة من الاستهتار بالوعد وبالإنسان يصعب اغتفارها، بحسب تعبير هيكل. وفى موضع آخر من رؤيته لما يسمى بصراع الحضارات، يقول المؤلف إن «الثقافة الإسلامية وذلك ما تقوله لنا تجربة الأندلس العظيمة لم تكتف بالترجمة، وإنما قامت بعملية صهر بين الثقافات وذلك توسع فيه الأستاذ «ديفيد ليفرنج لويس» (الأستاذ بجامعة نيويورك) فى كتابه «بوتقة الصهر الإلهى God's Crucible»، ومؤدى بحثه أن أثر «بوتقة الصهر الإلهى» فى الأندلس والفن الإسلامى جوهرتها هى التى دعت أوروبا إلى توصيف نفسها فى عهد «شارلمان»، وقادت إلى ظهور نظام الإقطاع، ونظام «الفرسان»، وإعادة النظر فى كثير من أسلحة الحرب، ونشأة الجامعات، وحتى إلى صوت نفير يعتبره مؤرخون عصر التنوير صيحة تحذير تستدعى أوروبا إلى اليقظة: أقصد اغانى «رولاند The Roland songs». كما يروى هيكل فى موضع آخر: لقد تصادف هذا الصيف أننى وقفت أمام مكتبة الإسكندرية التى أعيد بناؤها، ثم كنت بعد أيام عند سفح «الأكروبول»، ثم صعدت سلم كنيسة القديس «بطرس» فى الفاتيكان، ثم تجولت متأملا معالم النهضة ومقتنيات القصور فى «فلورنسا»، ثم مشيت فوق جسور فينسيا نحو ميدان القديس «مرقس»، وعند هذه المواقع ومشاهدها فقد ملأت خواطرى عبارة كتبها الأستاذ Stefano Carboni أمين متحف «المتروبوليتان» فى نيويورك قال فيها: «إن حوض البحر الأبيض المتوسط حدود سائلة! «Liquid Frontiers»، وذلك وصف دقيق لحركة الثقافات فى صنع أحواض حضارية، ثم فيضان هذه الأحواض لتصنع محيطا حضاريا عالميا وإنسانيا واحدا، وربما أننا إذا عدنا لحظة إلى مجال السياسة نتذكر أن هذا المحيط الإنسانى ينسب ولو من باب المجاز فى كل عصر إلى القوة الغالبة فيه: فهو فرعونى فى عصر إغريقى فى عصر ثانى رومانى فى عصر ثالث مسيحى فى عصر رابع إسلامى فى عصر خامس أوروبى فى عصر سادس أمريكى فى هذه اللحظة العابرة!