نيافة الأنبا باخوميوس يدشن أيقونات بكرمة في دمنهور    القضاء الإداري بالبحيرة يقضي بأدراج 17 مرشحا لكشوف المرشحين لمجلس النواب    حملات للنظافة وتمهيد الطرق بقرى إطسا فى الفيوم    الخارجية العراقية: الهجمات على السفارات الأجنبية في البلاد تستهدف الحكومة    الرئيس البرازيلي ينتقد تصريحات بايدن بشأن غابات الأمازون    الخارجية الأمريكية: الولايات المتحدة ضد أي تدخل أجنبي في ليبيا    بالفيديو.. فايلر ينسحب من المؤتمر الصحفي بعد مباراة الأهلي والترسانة    ليون الفرنسي يضم البرازيلي باكيتا من ميلان الإيطالي    خطير .. قصة السيارة الطائشة التى أثارت الذعر فى شوارع دمياط    18 أكتوبر.. نظر استئناف سما المصرى» على حبسها عامين بخدش الحياء العام    مدير مزرعة الزهراء: لدينا 5 سلالات ضمن أندر وأغلى الخيول العربية الأصيلة في العالم    بوجه مشهوه .. مني زكي تروج ل الصندوق الأسود    علماء دين: الوطنية الحقيقية هي العطاء والانتماء ومصالح الأوطان من صميم مقاصد الأديان    الإمارات تسجل 3 وفيات و1100 إصابة جديدة بكورونا    الأرصاد: غدا أمطار خفيفة على السواحل الشمالية وجنوب الصعيد    أحمد موسى: الحكومة تقف دقيقة حدادا على روح الشيخ صباح الأحمد الجابر    تألق اللاعبين المصريين في ثالت أيام بطولة الإسكواش الدولية بالقاهرة | صور    الرئاسة: منظومة النقل البحري إحدى أذرع الدولة لتنشيط التجارة الخارجية    15 ألف طالب سجلوا رغبات القبول بالجامعات بتنسيق الدبلومات    طارق الخولي: مجلس النواب القادم هو برلمان حزبي بامتياز.. فيديو    النفط يسجل خسائر شهرية 5.6% مع ارتفاع بالربع الثالث    لمدة 3 سنوات.. اتفاقية تعاون بين المنشآت السياحية وكلية السياحة بالفيوم لتفعيل 7 بنود    أتلتيكو مدريد يسقط في فخ التعادل السلبي مع هويسكا وفياريال يعمق جراح ألافيس    كيف تساعد الرياضة على اختفاء أمراض السكر والضغط؟ استشار يجيب    كومان يعلق على أعتذار ميسي لجماهير برشلونة    "وقف البناء" يرفع أسعار العقارات.. السيسي يوجه بسرعة الانتهاء من الاشتراطات.. "مطورون": الرئيس جريء والقضاء على العشوائيات أبرز النجاحات في ملف الإسكان    رفض 4 طعون المستبعدين من انتخابات النواب بكفر الشيخ    أسوان يعالج أخطاء مواجهتي الجونة والمصري استعدادًا لملاقاة وادي دجلة    السيطرة على حريق مخزن سوبر ماركت شهير بطنطا    رئيس استئناف القاهرة يوجه باتخاذ كافة الإجراءات للتطوير التقني بالمحكمة    جامعة مطروح: تقليل الكثافة الطلابية في المدرجات من خلال المنصات الإلكترونية    إيران: واشنطن تسرق البترول السوري وتدعم الإرهاب    السبت.. نظر دعوى تعويض الطيار أبواليسر من محمد رمضان    محمد سيد بشير: cypher خطوة كبيرة نحو العالمية    7 إجراءات وقائية ضد كورونا خلال معرض الإسكندرية للكتاب 2020    زنزانة 7 يقترب من تحقيق 4 ملايين جنيه    سفير روسيا بواشنطن: الموقف الأمريكي تجاه موسكو لن يتغير بغض النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية    الاثنين.. التشيك تفرض حالة الطوارئ    الهيئة القومية للانتاج الحربي تدعم منظومة قطاع الصحة بالدقهلية    "النقد الدولي" يتوقع نمو الاقتصاد الإسباني 7.2% في 2021    بالفيديو- سيارة طائشة تدهس سيدتين وطالبة بدمياط    214 قطعة من الذهب في متحف التحرير.. توابيت مصر القديمة    «100 مليون صحة» توقع الكشف على 79 ألفا و766 مواطنا في سوهاج    محافظ قنا: مستشفيات المحافظة خالية من أي حالات إيجابية بفيروس كورونا المستجد    إصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة ببني سويف    حكم الوفاء بالنذر علي معصية الله    محمد محمود: لن نتنازل عن دوري أبطال إفريقيا.. وأحلم بالأولمبياد    غدًا.. إعادة فتح صالات المطاعم في الأردن    شرطة فرنسا تنفي وقوع انفجار: طائرة مقاتلة نفاثة وراء الصوت المسموع بالعاصمة    محافظ القاهرة يقرر النزول بتنسيق الثانوي العام ل 236 درجة    حدادا على أمير الكويت.. الأوبرا تؤجل احتفالية محمود رضا    محافظ الجيزة يتابع أعمال الرصف والتطوير على مستوى الأحياء والمراكز    فيديو.. تحية «ترامب» و«ميلانيا» المحرجة بعد المناظرة الرئاسية تفجر ضجة واسعة    الإفتاء: الممتلكات العامة ملك للوطن والاعتداء عليها اعتداء على الوطن    إحالة 8 أشخاص إلى جنايات سوهاج لاتهامهم باستعراض القوة وحيازة سلاح دون ترخيص بالمحافظة    «ريكاردو» يطمئن على بدلاء الإسماعيلي فى تقسيمة بين الكبار والناشئين    مبروك عطية: الزينة في القلب والأخلاق قبل اللحية    تعرف على أثر الزنا في المجتمع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وكما يقول فوكو!
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 10 - 2018

من بين الأمراض العضال واسعة الانتشار فى الدوائر الأكاديمية والتى تجعل من معاهد البحث العلمى أبراجا عاجية بعيدة عن أزمات المجتمعات وهموم الناس، يندرج داء «إسقاط الأسماء» فى خانة الأمراض الأكثر خطرا. والمقصود هو أن الكثير من الأكاديميين يعمدون فى ثنايا محاضراتهم وبين أسطر كتاباتهم إلى الإحالة المتكررة لأسماء علماء وفلاسفة وباحثين بارزين، ويستدعون بصورة سطحية أفكارهم وأعمالهم للتدليل الزائف على صحة ما يقولون أو يكتبون. ولا يقتصر داء إسقاط الأسماء على الدوائر الأكاديمية فى البلدان النامية حيث يعوق شظف الحياة طلب العلم ويحرم من رفاهية إعمال العقل فى القضايا الفلسفية، بل يمتد إلى الأكاديميات الغربية التى تفقد اليوم شقا معتبرا من تميزها إن بسبب تراجع المخصصات المالية التى تقدمها لها الحكومات أو بفعل انجذاب الخريجين المتفوقين للعمل فى القطاع الخاص وابتعادهم عن الجامعات ذات المرتبات الضعيفة.
وإليكم أعزائى القراء، ومن واقع أسابيعى القليلة الماضية، بعض الأمثلة على استشراء داء إسقاط الأسماء:
1. فى محاضرة له عن مفهوم «التطور البيولوجى»، أسقط عالم بيولوجيا أوروبى اسم تشارلز داروين مرات عديدة واستدعى مؤلفه «أصل الأنواع» (نشر فى 1859) فى معرض الحديث عن الاستخدامات الأولى لكلمة التطور بالإنجليزية (evolution) فى علم البيولوجيا. كنت بين المستمعين إلى المحاضرة، وبجوارى جلس مؤرخ أوروبى كان يبدى بين الحين والآخر شيئا من الامتعاض كلما ذكر اسم داروين.
بمجرد انتهاء المحاضرة، همس المؤرخ فى أذنى قائلا «لا يذكر داروين كلمة التطور مرة واحدة فى كتابه. فهو يحلل وفقا لعلم النصف الثانى من القرن التاسع عشر عمليات التطور البيولوجى، لكنه لا يستخدم الكلمة. والحقيقة أن الاستخدامات الأولى للتطور فى الكتابات العلمية جاءت فى الأعمال الفلسفية وعلم التاريخ، ولم تأت من العلوم الطبيعية». وقد كان المؤرخ على صواب. فقد استعرت «أصل الأنواع» من مكتبة الكلية العلمية فى برلين، ولم أعثر فى صفحاته على إشارة واحدة لكلمة التطور.
2. تعقيبا على شرح من رسامة أمريكية للخواطر والمشاعر والأفكار التى تحملها لوحاتها وأحاطت بجنبات قاعة جميلة تواجدنا بها فى وسط برلين، قال أنثروبولوجى أمريكى (علم الأنثروبولوجيا هو علم دراسة حياة وثقافة ولغة الجماعات البشرية صغيرة العدد والمترابطة عبر علاقات الزواج والأنساب) أن اللوحات المعروضة ذكرته «بتحليل سيجموند فرويد لتداعيات العلاقات الجنسية أو بالأحرى الحرمان الجنسى على الإنسان وإبداعه الفنى والثقافى» ثم أسهب فى جمل متتالية الحديث عن وجوه النساء فى اللوحات وآثار الحرمان الجنسى الظاهرة عليهن سائلا الرسامة عما إذا كن يعبرن عن حياتها هى الشخصية وإبداعها الفنى.
جاء الرد هادئا وبليغا للغاية وكاشفا لتهافت إسقاط اسم سيجموند فرويد وزيف استدعاء تحليله للعلاقة بين الحرمان الجنسى والإبداع، ببساطة لأن فرويد لا يتناول الإبداع فى كتاباته. قالت الرسامة الأمريكية أنها لا تمانع فى ينظر إلى لوحاتها بعيون التحليل النفسى ولا تتحرج من مناقشة الجنس ودوره فى الإبداع، غير أن الإحالة إلى فرويد غير دقيقة لكونه لم يبحث فيما خص الجنس إلا عن تأثيره على الأمراض النفسية وعلى الاضطرابات الإدراكية واللغوية التى يعانى منها المرضى النفسيون. عاود الأنثروبولوجى الكرة مجددا، مسقطا اسم عالم لغويات ألمانى (فيتجنشتاين) للدفع «بالصلة الوثيقة بين الإدراك واللغة والإبداع» ومؤكدا على أنه يرى تحليل فرويد هكذا. باءت مساعى إسقاط الأسماء أيضا بالفشل فى الكرة الثانية، حيث تداخل فى النقاش عالم نفس هندى مجال تخصصه هو كتابات فرويد وشدد على أن مفهوم الإبداع لا أثر له فى كتابات العالم النمساوى.
3 من بين الفلاسفة المعاصرين الذين يحيل إليهم علماء السياسة والاجتماع مرارا وتكرارا، يتصدر اسم الفرنسى ميشيل فوكو القائمة الطويلة (وهو إن رحل عن عالمنا منذ سنوات، إلا أنه يظل فيلسوفا معاصرا). ومن بين الأفكار العديدة التى تناولها فوكو فى كتاباته، يعشق علماء السياسة والاجتماع استدعاء مقولته عن كون المعرفة تمثل قوة. يستدعونها فى سياقات مناسبة أحيانا، وفى العديد من الأحيان فى سياقات غير مناسبة.
هكذا، ألقى منذ أيام أستاذ أوروبى يدرس القانون الدستورى فى جامعات مرموقة محاضرة عن «التحديات الدستورية فى الديمقراطيات المأزومة» أسقط خلال دقائقها الطويلة اسم فوكو وأحال إلى «المعرفة كقوة» عشرات المرات. ركزت المحاضرة التى ألقيت فى منتدى ثقافى ببرلين على القوانين السلطوية التى تمررها الحكومات الشعبوية فى أوروبا، والكيفية التى تهدد بها من جهة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتفرغ من جهة أخرى الضمانات الدستورية للعدالة. تناول المحاضر بالشرح نصوص القوانين المقيدة للحق فى اللجوء ولحرية التعبير عن الرأى ولحق الأجانب فى الحصول على الضمانات الاجتماعية، وفسر أوجه التناقض بين تلك القوانين وبين الدساتير الأوروبية وبينها وبين أحكام القضاء الدستورى فى الدول الأوروبية، وحلل تداعيات كل ذلك على الحكومات الديمقراطية التى تعانى من أزمات سياسية واقتصادية عديدة. غير أن الرجل دأب على الاستشهاد بفوكو ومقولة «المعرفة هى القوة» كلما انتقل من قانون سلطوى إلى آخر ومن دولة أوروبية إلى أخرى دون أن يبين مبتغاه أو يوضح العلاقة بين موضوع المحاضرة وبين المستشهد به. بل إن المداخل الأكاديمية لدراسة القوانين والدساتير وتحولاتها فى الديمقراطيات وغيرها يندر أن تنطلق من أفكار فوكو عن المعرفة والقوة وعادة ما تنظر فى تعبير القانون عن حقائق القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى المجتمع (القوة تصنع الحق)، وتدرس توظيف القانون وهو نسبيا سهل التغيير والتعديل إذا ما قورن بالدستور فى الحد من فاعلية مبادئ ومواد دستورية تجاوزتها حقائق القوة.
إسقاط الأسماء هو داء عضال فى الدوائر الأكاديمية، وسبب مباشر لانصراف عموم الناس عن متابعة نقاشات عقيمة تستدعى بها أفكار علماء وفلاسفة وباحثين بارزين دون شرح أو تدقيق. وحسنا يفعل الناس بالانصراف عن أكاديميين يظنون أن إسقاط الأسماء هو سبيلهم لانتزاع آهات الإعجاب بعد إلقاء المحاضرات ولا يتحرجون من استدعاء أفكار لم يحيطوا بها علما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.