حوار الفلول والفلول!    وزير الأوقاف: طابا رمز العزة والصمود والإرادة المصرية    إنفوجراف| أبرز المعلومات حول الامتحان الإلكتروني لطلاب الصف الأول الثانوي على التابلت    أنشطة مكثفة للتدريب المشترك المصري البريطاني «أحمس- 1»    وكيل النواب عن قرار الأجور والمعاشات: «السيسي» ينحاز دائما للفقراء والطبقة المتوسطة وينتصر لسيادة القانون    برلمانية: مصر لم تستخرج سوي 5% من حجم ثرواتها الطبيعية    الاتحاد الأوروبي يؤكد مجددًا أنه لا يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان    بدء فعاليات أسبوع «نقطة مياه تفرق» من كنيسة مارجرجس بدمياط    وزيرة الهجرة تلتقي بأعضاء الجالية المصرية بنيوزيلندا    الاتتاج الحربي توقع مذكرة تفاهم مع شركة بولندية لإنشاء مصنع للكبائن المتنقلة    طارق الملا: قطاع البترول مستمر في رفع كفاءة نشاط نقل الوقود    الصين تحذر من محاولات تسييس الاجتماع السنوي لبنك التنمية للبلدان الأمريكية    مكاسب المسلمين في نيوزيلندا والعالم بعد حادث المسجدين.. الأذان يصدح في أنحاء البلاد.. رئيسة الوزراء وناشطات يرتدين الحجاب.. تعديل قوانين حيازة السلاح.. ووقفات تضامن مع الضحايا وذويهم في أرجاء العالم    ارتفاع أعداد ضحايا حادثة غرق العبارة في الموصل إلى 120 شخصا    إهداء مجموعة من إصدارات الأوقاف للمركز الثقافي المصري بموريتانيا    منتخب مصر يواجه النيجر بالأحمر والأسود    اليوم.. الأهلي يستعيد جونيور أجاي استعدادًا لمباراة القمة    محمد شريف: كنا واثقين من تقليص فارق النقاط مع الزمالك    بث مباشر .. مباراة منتخب فرنسا أمام مولدوفا في تصفيات يورو 2020    ضبط 21 مخبزا تتلاعب بالدقيق ورغيف الخبز المدعم بالبحيرة    تحرير 3917 مخالفة مرورية بالمنيا وضبط 6 سائقين متعاطين للمخدرات أثناء القيادة    من داخل قاعات الأفراح.. سقوط لص الهواتف بالمعادي    فيديوجراف.. 5 معلومات عن معرض توت عنخ آمون في باريس    شاهد.. عزوز عادل وإيهاب فهمي وأشرف زكي في انتخابات التجديد النصفي للنقابة    انطلاق الدورة الثالثة من ملتقى ميدفست مصر بسينما زاوية    4 أسباب منعت أبو بكر الصديق من شرب الخمر قبل الإسلام.. فيديو    مفتي الجمهورية: الاعتدال في استهلاك المياه من مقاصد الشريعة الاسلامية    شيخ الأزهر: المساس بحقوق المرأة هدم للمجتمع.. والزواج في الإسلام عقد ديني مقدس    تقرير: يوفنتوس يعرض ديبالا ومبلغا مقابل صلاح    قنوات "أون" تحتفل بعيد الأم    ‫الداخلية: 25 مارس تحصيل رسوم الفائزين بقرعة الحج وعدم السداد بمثابة تنازل    بيونج يانج تنسحب من مكتب الارتباط المشترك مع سول    ديباي يثبت جدارته بثقة كومان بعد عرض رائع مع هولندا    «الأرصاد»: طقس السبت دافئ شمالا حار جنوبا.. والقاهرة 24 درجة    السجون تفرج عن 408 سجناء بموجب عفو رئاسي وشرطي    والدة آيتن عامر ترفض هديتها.. لهذا السبب    "النقض" ترفض طعون 262 من شباب المعارضة    المستشارة الألمانية ميركل تزور فرنسا الثلاثاء المقبل    جيرالدو يعود للمران الجماعي بعد انتهاء مشاركته في معسكر منتخب بلاده    محافظة الدقهلية تتصدر المركز الأول فى حملة 100 مليون صحة    علماء أمريكيون يطورون "جل" لعلاج إصابة العين دون جراحة    رئيس وزراء إيطاليا يبدي ثقته في التعاون مع الصين ضمن مبادرة «الحزام والطريق»    مصرع سيدة أسفل عجلات قطار بالبحيرة    انطلاق قافلة طبية مجانية بأودية بير زغير ومجيرح في نويبع    قيادات عمالية ترحب بقرارات الرئيس بشأن تحسين أحوال المعاشات وزيادة الأجور    ب«الحجاب».. وزيرة الهجرة تشارك في جنازة «شهداء المسجدين» بنيوزيلندا (صور)    يوهان سباستيان باخ.. موسيقار ألماني عشق القهوة فألف لها مقطوعة خاصة    أسامة كمال عن والدته: سيدة قوية وعظيمة.. وشاركت في علاج مصابي الحرب العالمية الثانية    شركة جارودا الإندونيسية للطيران تلغي طلب شراء طائرات بوينج "737 ماكس 8"    مراهق يتحول لابن الشيطان بسبب قطة    المنتخب الأوليمبي يواجه نظيره الأمريكي ودياً الليلة    السيسي ينتصر لأصحاب المعاشات والموظفين يتصدر نشرة صباح البلد .. فيديو    رئيس نقل النواب.. قرار السيسي بشأن منظومة الأجور يحقق الاستقرار الاجتماعي    طريقة تحضير فطيرة الزعتر    فيديو.. داعية إسلامي: الاحتفال بعيد الأم ليس بدعة سيئة    محامي بالنقض عن واقعة شرين: "ستحبس 10 سنوات"    وزير التربية والتعليم: خريجو الثانوية العامة غير قادرين على التعلم بالجامعة    برها أعظم هدية..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وكما يقول فوكو!
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 10 - 2018

من بين الأمراض العضال واسعة الانتشار فى الدوائر الأكاديمية والتى تجعل من معاهد البحث العلمى أبراجا عاجية بعيدة عن أزمات المجتمعات وهموم الناس، يندرج داء «إسقاط الأسماء» فى خانة الأمراض الأكثر خطرا. والمقصود هو أن الكثير من الأكاديميين يعمدون فى ثنايا محاضراتهم وبين أسطر كتاباتهم إلى الإحالة المتكررة لأسماء علماء وفلاسفة وباحثين بارزين، ويستدعون بصورة سطحية أفكارهم وأعمالهم للتدليل الزائف على صحة ما يقولون أو يكتبون. ولا يقتصر داء إسقاط الأسماء على الدوائر الأكاديمية فى البلدان النامية حيث يعوق شظف الحياة طلب العلم ويحرم من رفاهية إعمال العقل فى القضايا الفلسفية، بل يمتد إلى الأكاديميات الغربية التى تفقد اليوم شقا معتبرا من تميزها إن بسبب تراجع المخصصات المالية التى تقدمها لها الحكومات أو بفعل انجذاب الخريجين المتفوقين للعمل فى القطاع الخاص وابتعادهم عن الجامعات ذات المرتبات الضعيفة.
وإليكم أعزائى القراء، ومن واقع أسابيعى القليلة الماضية، بعض الأمثلة على استشراء داء إسقاط الأسماء:
1. فى محاضرة له عن مفهوم «التطور البيولوجى»، أسقط عالم بيولوجيا أوروبى اسم تشارلز داروين مرات عديدة واستدعى مؤلفه «أصل الأنواع» (نشر فى 1859) فى معرض الحديث عن الاستخدامات الأولى لكلمة التطور بالإنجليزية (evolution) فى علم البيولوجيا. كنت بين المستمعين إلى المحاضرة، وبجوارى جلس مؤرخ أوروبى كان يبدى بين الحين والآخر شيئا من الامتعاض كلما ذكر اسم داروين.
بمجرد انتهاء المحاضرة، همس المؤرخ فى أذنى قائلا «لا يذكر داروين كلمة التطور مرة واحدة فى كتابه. فهو يحلل وفقا لعلم النصف الثانى من القرن التاسع عشر عمليات التطور البيولوجى، لكنه لا يستخدم الكلمة. والحقيقة أن الاستخدامات الأولى للتطور فى الكتابات العلمية جاءت فى الأعمال الفلسفية وعلم التاريخ، ولم تأت من العلوم الطبيعية». وقد كان المؤرخ على صواب. فقد استعرت «أصل الأنواع» من مكتبة الكلية العلمية فى برلين، ولم أعثر فى صفحاته على إشارة واحدة لكلمة التطور.
2. تعقيبا على شرح من رسامة أمريكية للخواطر والمشاعر والأفكار التى تحملها لوحاتها وأحاطت بجنبات قاعة جميلة تواجدنا بها فى وسط برلين، قال أنثروبولوجى أمريكى (علم الأنثروبولوجيا هو علم دراسة حياة وثقافة ولغة الجماعات البشرية صغيرة العدد والمترابطة عبر علاقات الزواج والأنساب) أن اللوحات المعروضة ذكرته «بتحليل سيجموند فرويد لتداعيات العلاقات الجنسية أو بالأحرى الحرمان الجنسى على الإنسان وإبداعه الفنى والثقافى» ثم أسهب فى جمل متتالية الحديث عن وجوه النساء فى اللوحات وآثار الحرمان الجنسى الظاهرة عليهن سائلا الرسامة عما إذا كن يعبرن عن حياتها هى الشخصية وإبداعها الفنى.
جاء الرد هادئا وبليغا للغاية وكاشفا لتهافت إسقاط اسم سيجموند فرويد وزيف استدعاء تحليله للعلاقة بين الحرمان الجنسى والإبداع، ببساطة لأن فرويد لا يتناول الإبداع فى كتاباته. قالت الرسامة الأمريكية أنها لا تمانع فى ينظر إلى لوحاتها بعيون التحليل النفسى ولا تتحرج من مناقشة الجنس ودوره فى الإبداع، غير أن الإحالة إلى فرويد غير دقيقة لكونه لم يبحث فيما خص الجنس إلا عن تأثيره على الأمراض النفسية وعلى الاضطرابات الإدراكية واللغوية التى يعانى منها المرضى النفسيون. عاود الأنثروبولوجى الكرة مجددا، مسقطا اسم عالم لغويات ألمانى (فيتجنشتاين) للدفع «بالصلة الوثيقة بين الإدراك واللغة والإبداع» ومؤكدا على أنه يرى تحليل فرويد هكذا. باءت مساعى إسقاط الأسماء أيضا بالفشل فى الكرة الثانية، حيث تداخل فى النقاش عالم نفس هندى مجال تخصصه هو كتابات فرويد وشدد على أن مفهوم الإبداع لا أثر له فى كتابات العالم النمساوى.
3 من بين الفلاسفة المعاصرين الذين يحيل إليهم علماء السياسة والاجتماع مرارا وتكرارا، يتصدر اسم الفرنسى ميشيل فوكو القائمة الطويلة (وهو إن رحل عن عالمنا منذ سنوات، إلا أنه يظل فيلسوفا معاصرا). ومن بين الأفكار العديدة التى تناولها فوكو فى كتاباته، يعشق علماء السياسة والاجتماع استدعاء مقولته عن كون المعرفة تمثل قوة. يستدعونها فى سياقات مناسبة أحيانا، وفى العديد من الأحيان فى سياقات غير مناسبة.
هكذا، ألقى منذ أيام أستاذ أوروبى يدرس القانون الدستورى فى جامعات مرموقة محاضرة عن «التحديات الدستورية فى الديمقراطيات المأزومة» أسقط خلال دقائقها الطويلة اسم فوكو وأحال إلى «المعرفة كقوة» عشرات المرات. ركزت المحاضرة التى ألقيت فى منتدى ثقافى ببرلين على القوانين السلطوية التى تمررها الحكومات الشعبوية فى أوروبا، والكيفية التى تهدد بها من جهة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتفرغ من جهة أخرى الضمانات الدستورية للعدالة. تناول المحاضر بالشرح نصوص القوانين المقيدة للحق فى اللجوء ولحرية التعبير عن الرأى ولحق الأجانب فى الحصول على الضمانات الاجتماعية، وفسر أوجه التناقض بين تلك القوانين وبين الدساتير الأوروبية وبينها وبين أحكام القضاء الدستورى فى الدول الأوروبية، وحلل تداعيات كل ذلك على الحكومات الديمقراطية التى تعانى من أزمات سياسية واقتصادية عديدة. غير أن الرجل دأب على الاستشهاد بفوكو ومقولة «المعرفة هى القوة» كلما انتقل من قانون سلطوى إلى آخر ومن دولة أوروبية إلى أخرى دون أن يبين مبتغاه أو يوضح العلاقة بين موضوع المحاضرة وبين المستشهد به. بل إن المداخل الأكاديمية لدراسة القوانين والدساتير وتحولاتها فى الديمقراطيات وغيرها يندر أن تنطلق من أفكار فوكو عن المعرفة والقوة وعادة ما تنظر فى تعبير القانون عن حقائق القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى المجتمع (القوة تصنع الحق)، وتدرس توظيف القانون وهو نسبيا سهل التغيير والتعديل إذا ما قورن بالدستور فى الحد من فاعلية مبادئ ومواد دستورية تجاوزتها حقائق القوة.
إسقاط الأسماء هو داء عضال فى الدوائر الأكاديمية، وسبب مباشر لانصراف عموم الناس عن متابعة نقاشات عقيمة تستدعى بها أفكار علماء وفلاسفة وباحثين بارزين دون شرح أو تدقيق. وحسنا يفعل الناس بالانصراف عن أكاديميين يظنون أن إسقاط الأسماء هو سبيلهم لانتزاع آهات الإعجاب بعد إلقاء المحاضرات ولا يتحرجون من استدعاء أفكار لم يحيطوا بها علما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.