«4 ت» كلمة السر لمواجهة العجز المائي    كيف نصل إلى معدل نمو 8٪؟    تعليم تبوك : زيارة خادم الحرمين للمنطقة امتداد لما دأب عليه ولاة الأمر    البيت الأبيض يعيد بطاقة اعتماد مراسل «CNN»    بانسيه يعود ل«المصرى» خلال أيام    الاتحاد يتأهب ل«إنبى» والمقاولون يواجه الجونة    سقوط 3 عاطلين بحوزتهم كميات من المواد المخدرة والاسلحة النارية غير مرخصة بالخانكة    مؤتمر لرافضى نتيجة انتخابات الوفد غداً واجتماع الهيئة العليا الجديدة اليوم    مقتل ضابط شرطة في حادث إطلاق النار بمدينة شيكاغو    تراجع مؤشر ثقة شركات بناء المساكن في أمريكا خلال الشهر الحالي    الادعاء في طوكيو يوقف كارلوس غصن رئيس «نيسان موتور»    «جوجل» تحتفل بيوم الطفل على طريقتها الخاصة    شاهد.. مومياء يويا وتويا في تابوتين بهيئة أوزيرية    أخبار قد تهمك    عامر مرشح للانتقال إلى الأهلي    مارك شولمان يكتب: نتنياهو أضاع فرصته.. وغالبية الإسرائيليين يعارضون سياسته    «التخطيط والأوقاف» تدرسان تخصيص «وقف خيرى» للتعليم    تصريحات نارية من حلا شيحة ضد مهاجمي خلعها الحجاب    الزمالك: لم نشترط عدم عودة السعيد للأهلي.. ولم يتخيل أنه سيعرض للبيع    أخبار قد تهمك    تكريم ضابط وأمين شرطة ببنى سويف لسرعة إستجابتهما لشكوى مواطنة مسنة    أخبار قد تهمك    أخبار قد تهمك    آية وصورة وكلمة من القلب.. حسين قطع 225 كيلو برسالة وداع في حب الشهيد النعماني    أحمد عكاشة: الله خلق المرأة أقوى من الرجل (فيديو)    عبد الله النجار: الأزهر يقوم بواجبه فى تجديد الخطاب الدينى    "الوزراء": هذا هو الهدف الحقيقي من "الكارت الموحد"    السعودية: تقرير واشنطن بوست عن خالد بن سلمان وخاشقجي كاذب    أحمد عكاشة: 80% من المصابين بالاكتئاب يعانون من الأرق (فيديو)    أسوان تحتضن فعاليات المؤتمر الدولى الرابع لتكنولوجيا اللحام    غادة والي تعلن افتتاح 70 عيادة لتقديم خدمات تنظيم الأسرة ديسمبر المقبل    هولندا تتأهل لنصف نهائي دوري الأمم الأوروبية بتعادل قاتل أمام ألمانيا    سعد الصغير عن مرضه: نزفت دما 4 أيام بسبب أكل الشطة في ليبيا    محافظ أسيوط يشهد احتفالية الثقافة بذكرى المولد النبوي    سقوط عصابة تخصصت فى الإستيلا على بضائع شركات القطاع الخاص بموجب شيكات مزورة    صور.. لحظة انتشال سيارة ملاكى سقطت بترعة المريوطية    مواعيد مباريات الثلاثاء 20-11-2018 والقنوات الناقلة.. عودة الدوري ومواجهات قوية عالميا    موسم الهجوم على صلاح واهتمام ليفربول بويمبلى وتقييم مروان والشناوى فى "تكتيك"    السجن 15 عاما لعامل قتل آخر فى مشاجرة    فشل زيارة وزير خارجية بريطانيا.. وإيران تهدد بالانسحاب من الاتفاق النووي    شوقي غريب: نجهز لاعبي الأوليمبي لتدعيم المنتخب الأول    بعد إعلان أحقيته فى الحصول على 11.5 مليون جنيه من الإسماعيلى..    توفى إلى رحمة الله تعالي    تحديث الهياكل التنظيمية لدار الكتب والأعلى للثقافة    «أوبك» مستنفرة لمنع تدهور أسعار النفط مجددا    أحمد عبدالله يعلن عن موعد طرح «ليل خارجي» بمهرجان القاهرة السينمائي    وزير التعليم : تربيت فكريا على يد كتاب «الأهرام»..    الرئيس يكرم 7 شخصيات أثرت فى الفكر الإسلامى الرشيد..    طاعته والتأسى به.. هدية النبى فى يوم مولده    هوامش حرة    كل يوم    شوقي علام: المتطرفون استخدموا آية فى القرآن وسموها «السيف» لقتل الناس    محافظ أسيوط يشهد الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف    الحماية المدنية تسيطر على حريق نشب فى ورشة ميكانيكا بالإسكندرية    فى «منتدى الصحة الفرنسي المصرى»..    احذروا هذا الزيت    مؤتمر دولى للعيون..    الحوار المجتمعى ينصف «الجمعيات الأهلية»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ابن حزم و نقد السلفية المعاصرة!
نشر في شموس يوم 13 - 09 - 2013

(فصل من كتابي ابن حزم الأندلسي ومنهجه في نقد العقل الأصولي)
* السلفية المعاصرة والصحابة:
تُعرف السلفية المعاصرة بأنها " منهج الأخذ بالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة " ويتفق كل مسلم على منهج الأخذ بالقران والسنة الصحيحة ولكن ابن حزم ينتقد الجزء الثاني من التعريف " بفهم سلف الأمة" حيث تُعد آراء السلف الصالح، وفي مقدمتهم الصحابة رضوان الله عليهم، في فكر الأصولية المعاصرة لنا في هذا الوقت من عمر العالم، أصلاً من الأصول المجمع عليها، والتي يجب أن ترجع إليها الأمة متقيدة بكل ما رأوا، ومتبعة لكل ما قالوا، لا للاسترشاد بهذه الآراء وتلك الأقوال، وارتضوها لأنفسهم ولعصرهم، ولا لمجرد البداية الطبيعية، تنطلق منها أو من عندها، مسترشدين لا ملزمين، لا شرعًا ولا دينًا، ولكن وطبقًا لطبائع الأمور وسنن الله المتغيرة في كونه إلى غيرها، فنضيف إلى ما أرسوا من قواعد، في الاقتصاد، والسياسة، وبناء الحضارة المدنية، وندفع- كما دفعوا- حصتنا كاملة في صنع عالمنا.
* منزلة رأي الصحابة:
والصحابة شاهدوا النبي صلي الله عليه وسلم وتلقوا عنه الرسالة المحمدية، وسمعوا منه بيان الشريعة، وكانوا الأقرب إلى فهم مرادات الرسالة السامية والأعلم بدقائقها وجلائلها، لذا قرر جمهور الفقهاء، وعلى رأسهم الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة، أن أقوالهم حجة بعد النصوص( ).
ورتبت الأصولية المعاصرة على هذا الإجماع في أصول التشريع قاعدة أصولية أخرى: يجب أن تكون هذه الآراء هي مرجعيتنا الشاملة لكل أمورنا، دينية وغير دينية، سياسية واقتصادية، اجتماعية، وحضارية، في علوم الإنسان وفي غيرها، فننجو كما نجوا، ونملك العالم كما ملكوا.
* ابن حزم:
كانت تلك مسلمة من مسلمات العقل المسلم، وحاول ابن حزم أن يقوضها من الأساس، فنادى بقوة "المجتهد المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب" ( )، ولو كان المُقلد واحدًا من الصحابة، ومهما كانت لمنزلة هذا الصحابي من جلال في نفوس الناس، ف"ليس فضل الصاحب عند الله بموجب تقليد قوله وتأويله لأن الله تعالى لم يأمر بذلك، لكن موجب تعظيمه ومحبته، وقبول روايته فقط لأن هذا هو الذي أوجبه الله تعالى" ( ).
* تمهيد لكل الآراء:
وقبل أن نعرض لرأي ابن حزم ونقده لأي تقليد أو تقييد للعقل المسلم وقبل أن نرتب النتائج الطبيعية والمنطقية التي تؤدي إليها آراؤه، نعرض لموجز لآراء الأئمة الذين اعتدوا برأي الصحابي وجعلوه أصلاً من أصول التشريع يستمدون منه أحكامًا وتكاليف شرعية.
* أبو حنيفة: (80 ه- 150 ه)
يقول أبو حنيفة: "إن لم أجد في كتاب الله تعالى أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم" فهذا هو الإمام أبو حنيفة يجعل رأي الصحابي حجة ولكنه كان- باعتباره فقيه الرأي الأول في الإسلام- لا يتقيد برأي معين، فإذا اختلفوا فإنه يأخذ بقول من يشاء، ويدع قول من يشاء، ولكنه في الجملة لا يخرج عن مجمل آرائهم إلى آراء غيرهم( ).
* الإمام مالك: (93 ه : 179 ه)
كان لفتوى الصحابي مكان في استنباطه يأخذ بها ولا يخرج عليها، ولقد كان يأخذ بعمل أهل المدينة، لأن الصحابة كانوا بها، ولقد كان الموطأ مشتملاً على فتاوى الصحابة بجوار رسول الله، صلي الله عليه وسلم ، ولقد كان مالك يكثر الأخذ بفتاوى الصحابة، بل ويعتبر فتاويهم من السنة، وبهذا الإكثار اعتبر إمام السنة في عهده( ).
* الشافعي (150 ه: 204 ه)
الأخذ بأقوال الصحابة عند الشافعي حجة، فقد كان يأخذ بإجماعهم، وبقول أحدهم إذا لم يكن له مخالف، ويختار بين أقوالهم عند اختلافهم، والشافعي هو الذي أصل الأصول، ووضع كل أصل في مرتبته لا يعدوها، فهو قد جعل قول الصحابي بعد الكتاب والسنة والإجماع، ولكن إذا وجد قول صحابي يخالف سنة صحيحة تركه وأخذ بالسنة، ولقد أثر عنه أنه كان يقول: "كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته؟!".
لكن الشافعي- عكس مالك- لا يأخذ برأي الصحابي على أنه هو السنة لأن السنة هي فقط ما جاء منسوبًا إلى رسول الله فقط، بل ويروى أن إجماعهم لا يعتبر سنة إلا إذا نسبوها إلى النبي فهو لا يحكم بأن إجماعهم سنة ما داموا لم يروها، ولقد صرح الشافعي بأن مالكًا ترك خبر الآحاد وأخذ بقول الصحابي، وقد نقده الشافعي لذلك وخالفه في كتابه "اختلاف مالك"، وسمى مسكله هذا: رد الأصل إلى الفرع( )، هذا هو رأي مؤصل الأصول ورأيه أقرب الآراء إلى رأي ابن حزم.
* ابن حنبل (164: 241 ه):
وكانت فتاوى الصحابة عند الإمام أحمد، على درجتين: (أولاهما): إذا لم يعرف خلاف بينهم أو وجد قول لأحدهم لا يعرف له مخالف أخذ به، (وثانيهما): إذا اختلفوا فيما بينهم، ووجد قولان أو ثلاثة فقد اختلفت الروايات بشأن رأيه في ذلك إلى ثلاث:
(الرواية الأولى): أنه يعتبر بأقوالهم جميعًا، وتعتبر تلك الأقوال أقوالاً له، فيكون في المسألة عنده قولان أو ثلاثة هي حسب اختلاف أقوال أولئك الصحابة وذلك لأنه يتحرج من أن يقدم برأيه بعض هذه الأقوال على بعض إذ كلهم مقتبس من رسول الله نورًا وهداية، (الرواية الثانية): إذا اختلف الصحابة اتخذ من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج من أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال للكتاب والسنة حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول، (الرواية الثالثة): إنه إذا اختلف الصحابة لا يتخير من أول الأمر أقربها إلى النصوص، بل يرجح أولاً أقوال الخلفاء الراشدين( ).
* رأي ابن حزم:
قرر ابن حزم أنه لا يسوغ تقليد أحد لا من الصحابة ولا من غيرهم من الأحياء ولا من الأموات واعتبر الأخذ بقول الصحابي- من غير حجة من الكتاب والسنة- تقليدًا غير جائز في دين الله تعالى: "ولا يحل لأحد أن يقلد أحدًا لا حيًا ولا ميتًا وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته" ( )، لأن:
"دين الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن، أو مما صح عن رسول الله إما برواية جميع علماء الأمة عنه عليه السلام وهو الإجماع، وإما بنقل جماعة عنه عليه السلام، وهو نقل الكافة، وإما برواية الثقات واحدًا عن واحد حتى يبلغ إليه عليه الصلاة والسلام (= خبر الواحد) ولا مزيد( ).
"ومن ترك ما جاء في القرآن أو صح عن رسول الله لقول صاحب أو غيره سواء كان راوي ذلك الخبر أو غيره فقد ترك ما أمر الله تعالى بإتباعه لقول ما لم يأمره الله تعالى قط بطاعته ولا بإتباعه وهذا خلاف لأمر الله تعالى" ( ).
وبعد أن قرر الإمام ابن حزم رأيه راح يناقش القائلين بتقليد الصحابة والمعتبرين بآرائهم وبأنها- إن لم تقم عليها حجة من النص- دين من الدين وتنزيل من التنزيل بفكره "الذي يمتاز بمنهجية خاصة في العرض وحشد كبير للحقائق، ومنهجية منصفة تخضع للحق وتدين به"( ).
* أصحابي كالنجوم:
احتج الجمهور بما روي عن النبي، صلي الله عليه وسلم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وبلغته الحادة نقد ابن حزم هذا الحديث، ورأى أنه "باطل ومكذوب من توليد أهل الفسق لأسباب: (أولها): أنه لم يصح من طريق النقل( )، و(ثانيهما): من المحال أن يأمر النبي بإتباع من قد أخبر أنه يخطئ لأنه عليه السلام قد أخبر أنهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا بإتباع من يخطئ إلا إذا أراد نقلهم لما رووا، و(ثالثهما): إن النبي لا يقول الباطل، بل قوله الحق وتشبيه المشبه للمصيبين، بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي فأم جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل ضل ضلالاً بعيدًا وأخطأ خطأً فاحشًا، وليس كل النجوم- يقول ابن حزم- يهتدى بها في كل طريق" ( ).
* حد التقليد:
عن منهجية ابن حزم يقول الدكتور إحسان عباس: "فأنا لا أعرف كاتبًا بين مفكري العربية يضع بين يديه "أطروحة" ما، ثمَّ يعالجها في استيفاء شمولي ومنهجية صارمة كما يفعل ابن حزم( ).
وأول إجراء في هذه المنهجية وأهمه هو تحديد الألفاظ ووضع المصطلحات والحدود الدقيقة للكلمات، وقد عرف ابن حزم التقليد بقوله: "التقليد هو اتباع قول من دون النبي، صلي الله عليه وسلم من غير حجة" ( )، وهو مأخوذ من قلدت فلانًا الأمر أي جعلته كما القلادة في عنقه، واتباع قول الصحابي- وهو دون النبي بغير شك- بدون حجة يعد تقليدًا كذلك.
* لا نقلد بل نتبع:
واجه ابن حزم قول من قال: "لا نقلد الصحابة بل نحن نتبعهم" برده الحاسم الحاد: "ولا يتخلصوا بهذا من التمويه من قبيح فعلهم لأن المحرم إنما هو المعنى فليسموه بأي اسم شاءوا فإنهم ما داموا آخذين بالقول لأن فلانًا قاله من دون النبي، صلي الله عليه وسلم، فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى به، وإنما هذا- الذي قالوا- بمنزلة من سمى الخنزير كبشًا وسمى الكبش خنزيرًا فليس ذلك مما يحل الخنزير أو يحرم الكبش!" ( ).
* النصوص التي يحتج بها الجمهور:
أورد ابن حزم الآيات والأحاديث التي يحتج بها الجمهور ورأى أن لا حجة لهم فيها، يقول ابن حزم: "وأما قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (آية 18: سورة الفتح)، وقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (آية 29: سورة الفتح)، وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (آية 100: سورة التوبة)، وإنما هذا كله ثناء عليهم، ولم ننازع في الثناء عليهم، بل نحن أشد توقيرًا لهم وأعلم بحقوقهم من هؤلاء المحتجين بهذه الآي في غير مواضعها، لأننا نحن إنما تركنا أقوال الصحابة لقول محمد، صلي الله عليه وسلم، وهم إنما تركوا أقوال الصحابة الذين احتجوا في فضلهم، لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإنما قلنا نحن ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا" ( ).
"وأما قوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) فقد علمنا أنه- عليه السلام- لا يأمر بما لا يقدر عليه، ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده قد اختلفوا اختلافًا شديدًا فلابد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:
(الوجه الأول): أن نأخذ بكل ما اختلف فيه الصحابة: يرى ابن حزم: "أن هذا لا سبيل إليه ولا يقدر عليه أحد إذ فيه الشيء وضده ولا سبيل إلى أن نأخذ بكل الآراء في وقت واحد "وقد ضرب مثلاً بميراث الجد مع الأخوة:
- الجد لا يورث مع الأخوة وهو قول أبي بكر وعائشة.
- يورث الثلث فقط على قول عمر بن الخطاب.
- يورث السدس على مذهب علي بن أبي طالب.
وهكذا كل ما اختلفوا فيه- يقول ابن حزم- فبطل هذا الوجه لأنه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه.
(الوجه الثاني): أن نأخذ بأي رأي من آراء الصحابة شئنا.
ويرى ابن حزم: أن هذا خروج عن الإسلام، لأنه "يوجب أن يكون دين الله موكولاً إلى اختيارنا فيحرم كل واحد منا ما يشاء ويحل ما يشاء ويحرم أحدنا ما يحلله الآخر، لأن الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (آية 3: سورة المائدة)، ويقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا (آية 229: سورة البقرة)، ويقول: وَلا تَنَازَعُوا (آية 46: سورة النساء)، يبطل هذا الوجه الفاسد، ويوجب أن ما كان حرامًا فهو حرام إلى يوم القيامة، وإن ما كان حلالاً يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة "وفوق ذلك يرى ابن حزم: إننا لو أخذنا برأي الواحد منهم- ولابد من ذلك- "فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم ونكون قد حصلنا في خلاف الحديث المذكور، وصدوا عنه شاءوا أو أبوا".
(الوجه الثالث): أخذ ما أجمع عليه الصحابة.
وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم وفي تتبعهم سنن النبي والقول بها...." ( ).
أولو الأمر:
أما احتجاج بعضهم بقوله تعالى: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (آية 59: سورة النساء)، فقد قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (آية 59: سورة النساء)، فأسقط تعالى- عند تنازع- الرد إلى أولي الأمر وأوجب الرد إلى القرآن والسنة فقط، وإنما الأمر بطاعة أولي الأمر ما لم يكن التنازع( ).
* اقتدوا بالذين من بعدي:
أما الرواية (اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر) فابن حزم يرى أن هذا الحديث لا يصح، وقد اختلف أبو بكر وعمر وأتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد" ( ).
* لا يجوز تقليد من يخطئ:
ورأى ابن حزم أن الصحابي الذي يجوز أن يخطئ، لا يجوز تقليده: "فمن المحال أن يأمر النبي بإتباع كل قائل من الصحابة- رضي الله عنهم- وفيهم من يحلل الشيء وغيره يحرمه ولو كان ذلك:
- لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب.
- ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداءً بأبي طلحة.
- ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا: اقتداءً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب وحرامًا: اقتداءً بعائشة وابن عمر.
- ولكان بيع التمر قبل ظهور الطيب فيها حلالاً: اقتداءً بعمر، حرامًا: اقتداءً بغيره.
و"لقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره عليه السلام، فيبلغه ذلك فيصيب المصيب ويخطئ المخطئ" ( )، فكيف إذًا يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون، وكيف يحل لمسلم أن يقول: مثل هذا لا يقوله الصحابة بالرأي، وكل ما ذكرنا- يقول ابن حزم- قد قالوه بآرائهم وأخطأوا فيه" ( ).
* الصحابة يذمون التقليد:
والصحابة فوق هذا لا يدعون الناس إلى تقليدهم في أقوالهم، بل كانوا يفترضون الخطأ في أقوالهم وكان يقول قائلهم: إن كان رأيي حقًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان، ويقول ابن حزم: "فإن صح ذلك وأنهم قد تبرأوا من الرأي ولم يروه للناس دينًا فحرام على كل من بعدهم أن يأخذ من فتاويهم بشيء به إلا أن يصح به نص عن الله تعالى أو عن رسوله" ( ).
* ابن حزم لا ينكر فتيا العلماء:
وابن حزم- مع هذا- لا ينكر قطعًا فتيا العلماء للمستفتين، وإنما ينكر أن يؤخذ بهذه الفتيا دون برهان يعضدها ودون رد إلى نص القرآن والسنة، لأن ذلك يوجب الخطأ: "وإذا كان في عصره عليه السلام من يفتي بالباطل فمنهم من بعد موته أكثر وأفشى" ( ).
* أسباب خطأ الصحابي:
يرجع ابن حزم خطأ الصحابي إلى سببين رئيسيين:
السبب الأول: نسيان الصحابي للآية أو الحديث: قد ينسى الصحابي الآية أو الحديث فيقضي بخلافهما، وقد ضرب ابن حزم أمثلة لذلك:
- فقد نسي عمر بن الخطاب أن بين يديه محمدًا بن مسلمة "من صحابة رسول الله، ومع ذلك نهى عن التسمي بأسماء الأنبياء عليهم السلام فإذا جاز كما ترى- يقول ابن حزم- أن لا يمر بباله شيء وهو بين يديه وفي حفظه حتى ينهي عنه فهو فيما يمكن أن يغيب عنه أمكن وأحرى.
- نسي عمر أيضًا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (آية 30: سورة الزمر)، حين موت النبي فقال: "والله ما مات ولا يموت حتى يسوسنا كلنا" حتى تليت عليه هذه الآية فخر مغشيًا عليه، ثمَّ قام وقال: "الله لكأنني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا"!.
- كما نهى عمر عن المغالاة في صدقات النساء حتى ذكرته المرأة بقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً (آية 20: سورة النساء)، فاعترف بالحق ورجع عن قوله، ولقد كان حافظًا لهذه الآية ولكنه لم يذكرها في ذلك الوقت.
- ولقد نسي عثمان رضي الله عنه- وهو أحفظ الناس للقرآن- قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (آية 15: سورة الأحقاف)، فأمر برجم التي ولدت لستة أشهر وهو حافظ للآية المذكورة حتى ذكر بها فذكرها وأمر أن لا ترجم".
السبب الثاني: التأويل:
ذكر ابن حزم السبب الثاني الذي يمكن أن يوقع الصحابي في الخطأ: "أو لعل ذلك العالم والصحابي كان ذاكرًا لتلك الآية وذلك الحديث ولكنه تأول تأويلاً ما من خصوص أو نسخ بما لا يصح وجهه، كما فعلوا رضي الله عنهم في نهيه عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية فقال بعضهم: لأنها كانت تأكل القذر، وقال بعضهم: لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: لأنها كانت للناس (أو حمولة الناس) وقال بعضهم: بل حرمت البتة، ومثل هذا كثير" ( ).
وبذلك ينتهي ابن حزم إلى أن الصحابة يخطئون ويصيبون، ينسون ويأولون، وأنه يجب رد كل ما قالوه إلى النص فلأي من هذه الآراء شهد له النص فهو الصحيح وغيره متروك، معذور صاحبه الذي قاله، ومأمور باجتهاده، وأما مقلده فملوم آثم عاص لله عز وجل" ( ).
* الصحابة شهدوا التنزيل ولكن:
ومن الحجج القوية التي ردها ابن حزم وفندها هذه الحجة التي تقول بأن الصحابة شهدوا التنزيل وشهدوا الأوامر من النبي عليه السلام وما خرج منها على رضى، وما خرج منها على غضب فوجب إتباعهم في فتاويهم، ورد ابن حزم الدامغ على هذه الحجة يقيسه على دعائم منهجه العقلي/ النص: "فرسول الله، صلي الله عليه وسلم، إنما بعث مبينًا على كل من لم يأت إلى يوم القيامة لا على أصحابه وحدهم، فكل سبب من غضب أو رضى يوجب حكمًا فقد نقلوه إلينا ولزمهم- يعني الصحابة- أن يبلغوه فرضًا بقوله عليه السلام: (ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع) والصحابة قد نقلوا كل ما شاهدوه من ذلك، وأنه عليه السلام لم يكن له هيئة ولا حال إلا وقد نقلت إلينا ولو كتموا ذلك عنا لما بلغوا كما لزمهم ولو اقتصروا على تبليغ بعض ذلك دون بعض لدخلوا في جملة من يكتم العلم ولسقطت عدالتهم بذلك، وقد نزههم الله تعالى عن هذا وحفظه دينه" ( ).
* فتاوى الصحابة لا تلزمنا ولكن تلزمنا روايتهم:
وعلى ذلك الأساس القوي من الحجة الواضحة يرى ابن حزم أن فتاوى الصحابة لا تلزمنا: "وقد علموا أن فتاويهم لا تلزمنا وإنما الذي يلزمنا هو قبول ما نقلوا إلينا عن نبينا عليه السلام".
* التابعون يخالفون الصحابة:
"ولقد خالف بعض التابعين الصحابة بحضرتهم فما أنكروا عليهم ذلك ولكنهم كانوا ينكرون- أشد الإنكار- مخالفة ما رووه عنه عليه السلام من حديث".
* ابن حزم يلوم أهل زمنه:
وفي النهاية لا ينسى ابن حزم أن يقرع أهل القرن الخامس الهجري لنسمعه وكأنه يلوم أهل زمننا هذا، القرن الخامس عشر!: "ولكن أصحابنا- يغفر الله لهم ويسددهم- أضربوا عن الواجب عليهم من تدبر أحكام القرآن ورواية أخبار النبي واختلاف العلماء ومعرفة مراتب الاستدلال المفرقة بين الحق والباطل وأقبلوا على ظلمات بعضها فوق بعض" ( ).
* نتيجة رأي ابن حزم:
إننا لم نخض في غمار هذا الفصل إلا لكي نقرر النتائج العقلية والمنطقية على رأي ابن حزم، لتهدينا سبل الرشاد إلى مستقبلنا إذا تخلينا عن التقليد كما رأى علامة الأندلس وإمامها العظيم وبهذا ننظر إلى التراث لنقيم حوار بناءً مع عقول أمتنا الجبارة:
أولاً: إذا كان التقليد- وهو إتباع رأي من دون النبي بغير دليل- لا يجوز جملة حتى أنه لا يجوز تقليد الصحابة رضوان الله عليهم، وهم من هم في المكانة عند الله والناس، فهل يجوز تقليد من هم دونهم من الأئمة الأربعة أو غيرهم؟
ثانيًا: إذا كان لا يحل لأحد تقليد الصحابة في أمور الدين على خطرها العظيم- فهل يجوز لأحد تقليدهم في غير أمور الدين؟ وإذا كانت آراؤهم لا تلزمنا في أمور ديننا فهل تلزمنا في أمور دنيانا تلك التي قال عنها النبي، صلي الله عليه وسلم، (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ؟
ثالثًا: إن آراءهم رضي الله عنهم ليست مقدسة وليس لها صفة الدين بأي حال، فما رأوه لعصرهم لا يلزم عصرنا، وما صنعوه لمجدهم ليس قيدًا على مجدنا.
رابعًا: إننا نوقرهم رضي الله عنهم ونرى أنهم خير القرون، وإن أحدنا لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا (لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) كما أخبر بذلك حضرة النبي، صلي الله عليه وسلم، فإذا أردنا أن نتبعهم بإحسان لا نقلدهم، بل نجتهد مثلما اجتهدوا فنصنع لدنيانا- حسب ظروف عصرنا وتجارب الأمم حولنا ما صنعوا هم- باجتهادهم- لدنياهم ولعصرهم.
خامسًا: إن ما لا يشهد له النص/ القرآن- السنة الصحيحة فليس من الدين، ويجب أن لا نعتبره دينًا، وليس مقدسًا، ويجب ألا يكون مقدسًا، إن أي مسألة لم ينص عليها هي من أمور دنيانا التي تركت لنا نصلحها حسب سنن الله في كونه.
سادسًا: الصحابة، رضي الله عنهم، إن أصاب أحدهم فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، لأنه اجتهد في رد الأمر إلى الكتاب والسنة، أما المقلد له فآثم غير معذور ولا مأجور.
هذا فصل من كتابي "ابن حزم الأندلسي ونقد العقل الأصولي"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.