سبحان مغير الأحوال، ولا ينسى من فضله أحدا، سبحان من بدّل عري الفضائيات الأمبسية إلى قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، لعلّ الميت يرضى، سبحان من جعل الإعلاميين يذكرون الله بكرة وأصيلا على أنغام الجنائز التي ذهلوا من هول أخبارها، لتقول أن فلانا مات، فالتحق بربه، وإنا لله وإنا إليه راجعون!! هذا ما حدث، لقد بدلت قنوات ال (M.B.c) برامجها المعتادة من أغان ورقص وموسيقى ماجنة، ومسلسلات ودراما مضللة، وبرامج وإحداثيات إخبارية مملة، ليحل محلها قرآن يتلى على أرواح الموتى. هكذا انقطع البث وتبدل فجأة، فعرفنا نحن المشاهدين البسطاء أن الحادث جلل بالتأكيد، ولكن لا تتوقعوا أنه موت عالم أو شاعر أو مفكر، بل صرنا نعرف بالتجربة أن الميت هو أحد القابعين في غرف صنع القرار أو أحد المتلبسين بأطراف العرش السامي، وهكذا لنكتشف الحقيقة أن هذا القرآن الذي أخذ بالانتشار في أروقة أثير ال (M.B.c) ويزاحم ألحانا ومطربين، هو لترتاح روح ذلك الميت الذي وافته المنية، وهو بالتأكيد يخدم وطنه عبر مكوثه فوق رؤوس المساكين المغلوب على أمرهم كالمطرقة لمدة تزيد عن 40 سنة عجافا. فعلا إن هؤلاء يحتاجون للقرآن ليتلى في جنازاتهم عسى الله يخفف عنهم فظائع ارتكبوها في حق أنفسهم وأمتهم، ومهما قدموا من جميل العطايا والهبات الفردية هنا وهناك، فإنها لا تساوي مثقال ذرة من تقوى أمام الجرائم الكبرى التي أسدوها وسددوها لقلب الأمة فأماتوه. يا سبحان الله، لقد أعاد التاريخ نفسه، على الرغم من أنني لا أومن لا بالحتمية التاريخية، ولا بدورة التاريخ والتفافه على نفسه، إلا أنني مضطر لأقتنع مؤقتا أن بعض أحداثه متشابهة، ففي مكة قديما كانت قريش وسادتها يتبجحون بأنهم قائمون على خدمة الحجاج يطعمونهم ويسقونهم، فجاء القرآن مخبرهم أن هذا لا يساوي في ميزان الحق شيئا ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون). هل سيفيد كل العمل الصالح المبتور عن النظرية المتكاملة في عمارة الكون، ليستحق هؤلاء كل ذلك التمجيد، ويكفي للتدليل على ذلك أن قرآنهم الذي يتلونه هو للموتى فقط، وليس لعمارة الكون حسب ما أراد الله سبحانه، فسبحان الله العظيم حتى القرآن الكريم أفلحوا في تغيير مهمته ووظيفته، إنهم صناع أمجاد. فافرحوا لحياتهم واتلوا القرآن لموتهم، ولتعودوا بعد فترة لتتابعوا قنوات ال (M.B.c) بكل فنون اللهو والطرب، انتظارا لموت قادم يخطف أحدهم!!