بيان عاجل من النائب العام الليبي بشأن مقتل سيف الإسلام القذافي    فلسطين.. استشهاد شاب برصاص الاحتلال في أريحا    ترامب يدعو إلى طي صفحة فضيحة إبستين ويؤكد: الوثائق المنشورة برأتني    مأساة على طريق بيلا بكفر الشيخ.. مصرع 3 شباب في حادث دراجات نارية    اليوم، انقطاع المياه عن بعض المناطق في الدقهلية لمدة 4 ساعات    البيت الأبيض: محادثات بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع    ترامب يصف جوستافو بيترو ب «الرائع» بعد أسابيع من تهديده بعمل عسكري ضد كولومبيا    ارتفاع أسعار النفط مع تراجع الدولار والاتفاق التجاري بين الهند وأمريكا    نتنياهو يضع خطوطا حمراء أمام واشنطن خلال اجتماع مع ويتكوف    «ترامب» يُوقّع قانون الإنفاق الحكومي ويُنهي الإغلاق الفيدرالي    رسميًا.. أحمد عبد القادر يوقع للكرمة العراقي في الانتقالات الشتوية    60 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات الصعيد.. الأربعاء 4 فبراير    حملة مكبرة لرفع إشغالات بمدينة كفر البطيخ بدمياط وإعادة الانضباط للشوارع (صور)    محافظة الجيزة ترفع إشغالات وتعديات الباعة الجائلين بشارع العريش    إخلاء سبيل سائق التاكسي ومشتري الهاتف بعد حبس المتهم بقتل وتقطيع جثة فتاة في الإسكندرية    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    الصحة: إنقاذ ذراع مريضة فشل كلوي وجراحة دون تخدير بمستشفى روض الفرج    حكام مباريات اليوم في الدوري المصري، أبرز سموحة وبيراميدز والزمالك وكهرباء الإسماعيلية    بنزيمة: الهلال يشبه ريال مدريد في آسيا.. والفوز بالألقاب أمر مهم لي    تفاصيل اقدام طالب على إنهاء حياتة بسبب نتيجة الشهادة الإعدادية في المنيا    ضبط 5 أشخاص لترويج وتعاطي المخدرات بعين شمس    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    وزير الثقافة يشهد حفل ختام معرض القاهرة للكتاب.. ويكرم «المتميزين»    6 ملايين و200 ألف زائر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب    بمشاركة مصرية وعربية.. أيام الشارقة التراثية تشعل «وهج الأصالة»    رموز وعشاق الفن التشكيلي يشاركون محمد عبلة معرضه «الرسم على الماء» بجاليري ضي الزمالك    محافظ الجيزة يعقد اللقاء الأسبوعي لبحث شكاوى المواطنين    محافظ الجيزة يشهد فعاليات اليوم العالمي للأسرة والسلام    برشلونة يعبر ألباسيتي ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    أسهم التكنولوجيا تدفع البورصة الأمريكية إلى التراجع في ختام التعاملات    وزارة الزراعة تضبط 209 أطنان من اللحوم والأسماك الفاسدة وتكثف الرقابة استعداداً لرمضان    افريقية النواب تضع خطة عملها بدور الانعقاد الأول للفصل الثالث    بهدفين في مرمى ألباسيتي.. برشلونة يتأهل إلى نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    رتب مشاهداتك فى رمضان.. أين يعرض مسلسل رجال الظل عملية رأس الافعى؟    مهرجان أسوان للفنون ينطلق فى دورته ال13 بعاصمة الثقافة الأفريقية.. 14 فرقة دولية ومحلية تقدم ديفيليه فني وعروضا مبهرة بحضور سفير كندا.. وتجاوب كبير من الوفود الأجنبية والمواطنين بالسوق السياحى.. صور    محامي شيرين عبد الوهاب يحذّر من التعامل مع صفحاتها على السوشيال ميديا: لم تُبع    مارسيليا يعبر رين ويتأهل لربع نهائي كأس فرنسا    إصابة 3 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بدكرنس في الدقهلية    متحدث الوزراء ل "إكسترا نيوز": ميكنة التأمين الصحي الشامل تضمن جودة الخدمة وتقلل الزحام    ضبط تلاعب في أسطوانات الغاز في دمياط    استبعاد الجزيري وإيشو ومحمد السيد من قائمة الزمالك للقاء كهرباء الإسماعيلية    موعد مباريات اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026.. إنفوجراف    لوكمان: أعد جماهير أتلتيكو مدريد بصناعة الفارق.. واللعب في الدوري الإسباني متعة    خطوة بخطوة، طريقة عمل الباستا فلورا بسهولة    بسبب الصيانة، انقطاع مياه الشرب عن قري ومدن الفيوم غدا    متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    الفلسطينيون القادمون من غزة يشكرون الرئيس السيسي: الله يحفظه ويبارك فيه    رئيس جامعة المنوفية يستقبل طالبات من البرازيل في تجربة تدريب طبي    رئيس الوزراء يتابع مستجدات ميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل    الحكومة تسحب مشروع قانون المرور لتقديم نسخة جديدة ل"النواب"    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نقولا ناصر : تكامل أدوار فرنسي – أميركي
نشر في شباب مصر يوم 11 - 07 - 2011


تكامل أدوار فرنسي – أميركي
من المؤكد ان الشعب الفرنسي الذي فجر الثورة الفرنسية التاريخية الشهيرة ما كان يحلم في أي يوم من الأيام أن تتحول الجمهورية الفرنسية إلى زعيمة للثورة المضادة في العمق الاستراتيجي العربي الجنوبي لفرنسا
بقلم نقولا ناصر*
عندما تولى نيكولا ساركوزي الرئاسة الفرنسية في السادس عشر من أيار / مايو 2007، "تمنى" العرب أن تتمكن ثوابت المصالح المشتركة من التغلب على تغيير استراتيجي هددت رئاسته بإحداثه في العلاقات العربية – الفرنسية نتيجة عوامل مثل كونه الرئيس الفرنسي الأكثر دفاعا عن "أمن" دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء الاستقلال الفرنسي عن التبعية للولايات المتحدة، وعسكرة السياسة الخارجية الفرنسية، وطموحه إلى إحياء الدور الفرنسي الاستعماري في الوطن العربي وإفريقيا تحت مسميات وعناوين مختلفة، ناهيك عن "خؤولته" اليهودية. وكان "التمني" العربي مدفوعا بحقيقة أن "النظام العربي" الذي استطاع في معظمه التعاطي مع كل هذه العوامل في نسختها الأميركية يمكنه أن يتعامل مع نسخة فرنسية لها.
لكن أربع سنوات من حكم ساركوزي أثبتت بأن التكامل الفرنسي في عهده مع الدور الأميركي إقليميا وعالميا مثل انقلابا كاملا على سياسات اسلافه يهدد الآن كل الانجازات والايجيابيات التي تحققت في العلاقات العربية الفرنسية منذ أنهى الزعيم الفرنسي شارل ديغول "العصر الذهبي" في علاقات بلاده مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد عدوانها الذي قاد الى احتلال أراضي أربع دول عربية في سنة 1967.
وتهديد سياسات ساركوزي للمصالح الفرنسية لا يقتصر على العلاقات مع العرب. ففي 24 شباط / فبراير الماضي على سبيل المثال نشرت لوموند الفرنسية بيانا لمجموعة من ثلاثين دبلوماسيا فرنسيا عاملا ومتقاعدا وجه نقدا لاذعا لسياسته الخارجية التي جعلت "أوروبا لا حول لها ولا قوة، وإفريقيا تفلت منا، والبحر الأبيض المتوسط لا يتحدث معنا، والصين تسحقنا، وواشنطن تتجاهلنا" بسبب "سياسة خارجية هاوية ومزاجية تركز على المجد الشخصي" لساركوزي الذي حول فرنسا من دولة داعية للسلام الى دولة مثيرة للحروب كما قالت فضائية "فرانس 24" في الثامن من نيسان / أبريل الماضي، والذي "سيعلن حربا كل أسبوع" إذا استطاع كي يحرك المشاعر الوطنية ويعزز شعبيته التي وضعته في الترتيب الثالث بعد مارين لوبن الزعيمة الجديدة ل"الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة وأي زعيم للحزب الاشتراكي المعارض، كما قال المعارض له ديديير ماثوس في مقابلة من النيويورك تايمز الأميركية.
لقد كان "تسلل" السفيرين الأميركي روبرت فورد والفرنسي ايريك شوفالييه الى مدينة حماة السورية في الثامن من الشهر الجاري دون التنسيق مع السلطات كما تقتضي الأعراف الدبلوماسية هو المثال الرمزي الأحدث على التكامل الأميركي – الفرنسي في عهد ساركوزي الذي حول بلاده الى شريك منافس أو "شريك مضارب" للولايات المتحدة يحاول انتزاع حصة لنفسه من "الكعكة" العربية، في نسخة أميركية – فرنسية معاصرة للشراكة التنافسية البريطانية الفرنسية التي أنتجت اتفاقية سايكس – بيكو التي تقاسم بموجبها البريطانيون والفرنسيون الوطن العربي في مطلع القرن العشرين الماضي.
لقد أخرج ديغول فرنسا من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي "ناتو" واستقل ببلاده عن المحور الأنغلو – أميركي في قيادة الغرب، مما أرسى أساسا موضوعيا لشراكة عربية – أوروبية على أساس الند للند والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل ومنح الأمل للعرب في دور أوروبي مستقبلي مستقل عن التبعية للولايات المتحدة، وقد اكتسب هذا الدور الأوروبي المأمول عربيا أهمية أكبر بعد انهيار المنظومة الاشتراكية الدولية بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق. وكانت سورية، على سبيل المثال، في طليعة الدول العربية التي بنت علاقاتها الخارجية مراهنة على هذا الدور لتخص أوروبا بحوالي نصف تبادلها التجاري.
لذلك فإن تصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم في الثاني والعشرين من الشهر الماضي بأن لدى فرنسا "أجندة استعمارية" وبأن سورية "ستنسى أن أوروبا على الخريطة" كان تعبيرا عن صدمة خيبة أمل عميقة تعكس إحساسا جريحا بالخيانة بعد تاريخ طويل من الرهان على موقف أوروبي مستقل يوازن الانحياز الأميركي السافر غير المشروط إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي في الصراع العربي معها بعد أن أسقطت أوروبا بقيادة ساركوزي هذا الرهان الذي رعته سورية بحرص وعناية طوال حوالي خمسة عقود من الزمن، أكثر مما كان تصريح المعلم تعبيرا عن سياسة سورية مدروسة للتوجه "شرقا وجنوبا" ونفض اليد نهائيا من أوروبا.
لقد أظهر غياب أي تمثيل سوري له حد أدنى من الصدقية في المؤتمر الذي استضافته العاصمة الفرنسية خلال الأسبوع الماضي ضد سورية بحجة "التضامن" مع المعارضة للنظام أن سياسات ساركوزي العربية تورط فرنسا في رسم صورة سلبية لها تتعزز في الأوساط العربية ولا تقتصر على الحكومات بل تمتد إلى المعارضة أيضا. وقد نظم هذا المؤتمر برنارد – هنري ليفي وبرنار شالشا وكلاهما معروف بولائه للحركة الصهيونية ودفاعه عن دولة الاحتلال الاسرائيلي ومشروعها الصهيوني وأمنها واحتلالها وتوسعها الاقليمي والاستيطاني. وافتتح المؤتمر بعرض شريط تحول الى ما وصفته صحيفة الأخبار اللبنانية الى "مرافعة ضد القومية العربية" بدأ بانتقاد حزب البعث ثم انتقد الزعيم العربي المصري الراحل جمال عبد الناصر بحجة أن "الوحدة" بين سورية ومصر، لا "الانقلابات العسكرية"، هي التي قضت على "الديموقراطية" في سورية. وقد تحول ليفي بخاصة الى مستشار أول للرئيس ساركوزي في الشؤون العربية فكان فيلسوف الانقلاب على السياسة الفرنسية المعارضة للحرب الأميركية على العراق، ومنظر تحويل فرنسا الى كاسحة ألغام أمامية للتدخل العسكري الأميركي – الفرنسي الذي يستخدم الناتو من أجل تغيير النظام في ليبيا، وها هو الآن يمهد الرأي العام الفرنسي لتكرار السيناريو الليبي في سورية.
لقد فاجأت ثورتا تونس ومصر إدارة ساركوزي، فأطاحت الأولى بنظام تونسي كان على علاقات وثيقة معها، بينما أطاحت الثانية بالرئيس السابق حسني مبارك الشريك المصري لفرنسا في رئاسة الاتحاد المتوسطي. وقادتا الى تعديل وزاري فرنسي حل فيه آلان جوبيه محل برنار كوشنير في وزارة الخارجية. ورافق هذا التعديل تغيير استراتيجي في السياسة الخارجية الفرنسية حاول أن يعوض بالتدخل العسكري الفرنسي عن العجز الأميركي عن التعامل عسكريا مع المضاعفات الاستراتيجية لتغيير النظامين في تونس ومصر، وكلاهما كان محسوبا على الغرب.
وربما لا يرى المراقب غير المتعمق أي علاقة بين التحرك المصري بعد ثورة 25 يناير نحو فك الشراكة المصرية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي في حصار قطاع غزة الفلسطيني، أو نحو توجه مصري باتجاه "تطبيع" العلاقات مع إيران، لكن هذين التحركين على وجه التحديد لهما علاقة وثيقة بالقرار الأميركي – الفرنسي للتدخل العسكري في ليبيا، ثم للتمهيد لتدخل مماثل في سوريا، لأن تدخلا كهذا فقط هو الذي يمكنه حرف الحراك الشعبي العربي من حراك يستهدف الأنظمة المتحالفة أو المتساوقة مع الاستراتيجية الأميركية – الغربية في الوطن العربي الى حراك يستهدف الأنظمة المعارضة لهذه الاستراتيجية، لقطع الطريق على أي تنسيق مصري – سوري كان تاريخيا هو المحور العربي القادر على احباط كل الأطماع الخارجية في الوطن العربي.
وقد فتحت الثورة المصرية الباب موضوعيا أمام إعادة بناء المحور المصري - السوري. إن دول الخليج العربية التي انساقت مع التكامل الفرنسي – الأميركي في الاحتواء العسكري لمضاعفات تغيير النظامين في تونس ومصر مدفوعة بمخاوف مشروعة من ملئ إيران للفراغ الناجم عن غياب التضامن العربي قد غاب عنها أن إحياء التنسيق المصري السوري هو وحده الكفيل بتأمين بديل عربي للنفوذ الآيراني المتنامي، وهو بديل إذا ما تعزز بالدعم العربي الخليجي له في مواجهة الأطماع الغربية – الاسرائيلية التي تستهدف العرب كافة فإنه كفيل بإحياء التضامن العربي وتحييد البديل الايراني له دون خسارة الاضافة الايرانية الهامة الى أي نظام أمن اقليمي خارج إطار الاستراتيجية الأميركية – الغربية التي تعتمد دولة الاحتلال الاسرائيلي محورا أساسيا لها.
وقد نجح التدخل العسكري السافر الأميركي – الفرنسي في ليبيا، ونجح الاستقواء بالتهديد بتكرار هذا التدخل في سوريا، في تركيز الاهتمام الدولي على الدعوة الشعبية الى الاصلاح والتغيير في هذين البلدين العربيين بينما ما زالت القيادة الأميركية – الفرنسية لهذا التدخل تراوغ إعلاميا في تأييدها اللفظي الخجول للدعوة الشعبية المماثلة الأوسع نطاقا والأكثر صدقية في البلدان العربية "الشريكة" لهذا التدخل في إطار حلف الناتو (البحرين مثالا) أو في البلدان العربية التي يكون لتغيير النظام فيها نتائج تهدد مصالح الشراكة العربية مع التدخل العسكري الغربي كما هو الحال في اليمن، وهذه المراوغة الأميركية – الفرنسية بالكاد تستر الدعم الغربي للأنظمة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية في مثل هذه البلدان العربية.
وقد كان الدور الفرنسي حاسما في هذا التحول في الاهتمام الدولي، وكان سافرا حد أن يتحول الى مصدر فخر واعتزاز لساركوزي وحكومته، في ليبيا وفي سوريا على حد سواء، وحد أن يتحول الى العنوان الغربي للثورة المضادة الوطن العربي. ومن المؤكد ان الشعب الفرنسي الذي فجر الثورة الفرنسية التاريخية الشهيرة ما كان يحلم في أي يوم من الأيام أن تتحول الجمهورية الفرنسية إلى زعيمة للثورة المضادة في العمق الاستراتيجي العربي الجنوبي لفرنسا. والمفارقة ان رئاسة ساركوزي تحاول مخاطبة "المجد الاستعماري" الكامن في ذاكرة غلاة اليمين الفرنسي من أجل تحسين شعبية ساركوزي التي كانت تتدهور في استطلاعات الرأي العام الفرنسي حتى بلغت حوالي 25% قبل التدخل العسكري في ليبيا.
وكان التدخل الفرنسي مكملا للتدخل العسكري الأميركي حيث حالت أسباب عملية دون التدخل الأميركي المباشر. ومن هذه الأسباب الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة منذ عامين. ومنها نشر القوات الأميركية الى الحد الأقصى الذي يحول دون نشر المزيد منها من دون اللجوء الى التجنيد الاجباري بعد مضي عشر سنوات على احتلال أفغانستان والحرب الأميركية المستمرة عليها دون حسم عسكري حتى الآن، ومضي ثماني سنوات على احتلال العراق والحرب الأميركية المستمرة عليه دون حسم عسكري حتى الآن.
فالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي اضطر لاتخاذ قرار الحرب في ليبيا دون مشورة الكونغرس ومصادقته قد فعل ذلك لفترة قصيرة معتمدا على أن يسلم المهمة لفرنسا ساركوزي كي تكملها تحت مظلة الناتو. وإذا كانت الحالة الليبية هي خير مثال واضح على التكامل الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وبين فرنسا، فإن الشريك الفرنسي المنافس أو المضارب كان الى جانب الولايات المتحدة منذ تولى ساركوزي الرئاسة في كل المبادرات الأميركية الدبلوماسية والسياسية في إطار الأمم المتحدة ومجلس أمنها أو خارج هذا الاطار في أفغانستان والعراق وليبيا ولبنان وسورية والصراع العربي الاسرائيلي.
فمشروع الاتحاد المتوسطي الذي كان عماد سياسة ساركوزي الخارجية في "الشرق الأوسط وشمال افريقيا" هو نسخة فرنسية لمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الأميركي، وكلا المشروعين يستهدف إنهاء أي نظام عربي ما زال واقفا على قدميه من أجل دمج دولة الاحتلال الاسرائيلي في المنطقة ضمن نظام اقليمي اوسع من أي نظام عربي. وكانت المبادرة الفرنسية الأخيرة لاحياء المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية الثنائية المباشرة هي النسخة الفرنسية لمبادرة باراك أوباما الأميركية في مستهل عهده وربما لهذا السبب كان مصير النسخة الفرنسية هو الفشل الذي أصاب المبادرة الأميركية الأصلية. ويكفي اي مراقب أن يلحظ الرعاية الأميركية – الفرنسية المشتركة لكل القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي خلال السنوات القليلة الماضية بشأن القضايا العربية حتى يدرك التكامل الفرنسي – الأميركي في الهيمنة على الوطن العربي. وبعد أربع سنوات على وجوده في الرئاسة الفرنسية يتأكد اليوم أن التهليل الاسرائيلي لفوزه كان في محله.
لقد كان ساركوزي هو الذي فك العزلة الغربية التي فرضتها الولايات المتحدة على ليبيا معمر القذافي وسورية بشار الأسد. فقد فرش السجاد الأحمر للقذافي في كانون الأول / ديسمبر عام 2007، واعتبر أنه "لايعتبر دكتاتورا في العالم العربي" وأن كونه "رئيس الدولة الأطول حكما في المنطقة هو ما يهم"، مع أن طول حكم القذافي هو الذي فجر الانتفاضة الشعبية عليه، ثم فرش السجاد الأحمر للأسد في تموز / يوليو العام التالي ليضعه الى جانبه في الموكب المهيب بشارع الشانزليزيه أثناء الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا.
إن انقلاب ساركوزي على الرجلين اليوم يظهره كشخصية لا يؤتمن جانبها وينبغي الحذر من "ضيافتها" والتفكير مليون مرة قبل الثقة فيها. ومن المؤكد أن العلاقات الدولية، ومنها العلاقات العربية مع فرنسا، لا يمكن بناؤها على مثل هذا النوع من السلوك المتقلب والغادر وبخاصة إذا كان مدعوما بعسكرة للسياسة الخارجية لدولة نافذة في صنع القرار الدولي مثل فرنسا وتعتبر القوة العسكرية الثانية بعد الولايات المتحدة اقليميا والقوة الدبلوماسية الثانية بعدها عالميا.
إن "الربيع العربي" هو "نقطة تحول كبرى في التاريخ، ربما يمكن مقارنتها بسقوط جدار برلين" كما قال وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، وما يحدث في "الشرق الأوسط الآن يمكن أن يكون التغيير الجيوستراتيجي الأهم منذ سقوط جدار برلين" كما قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي جون كيري، وهو "الحدث الرئيسي حتى الآن في القرن الحادي والعشرين، فهو أهم من الأزمة المالية عام 2008 .. وأهم في نتائجه في الأمد الطويل من الحادي عشر من سبتمبر" في الولايات المتحدة كما قال وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ.
وقد وصف أمين عام حلف الناتو، آندرز فوغ راسموسن، في خطاب له في الأول من الشهر الماضي ما يحدث في الربيع العربي بايجاز بليغ: "ما الذي تغير؟ جيل أصغر سنا يطالب بغد أكثر إشراقا. لسنوات طالت أكثر من اللازم سمع هذا الجيل عن النمو الاقتصادي، لكنه لم يشعر بفوائده. لقد شاهد الثروة، لكنه كان عاجزا عن المشاركة فيها. وبعضه شاهد حتى الانتخابات، لكنه لم يعش الديموقراطية. والآن يريد هذا الجيل أن يحصل على كل ذلك في الواقع. وهذه بداية تحول طويل ومعقد يمكن أن يكون مضطربا، لكنه سوف يصوغ شكل المنطقة والعالم لسنوات مقبلة".
إنه حقا تحول ثوري تاريخي يضع فيه ساركوزي فرنسا في جانب الثورة المضادة ضد حركة التاريخ، وقد أثبت التاريخ ان من يعاند حركته يكون خاسرا في النهاية. والمفارقة أن راسموسن الذي أجاد في وصف هذا التحول لم يجد في خطابه ذاته ما يقتبسه من العرب سوى ما قاله رجل "في الرابعة والثمانين من العمر من مصراتة" الليبية التي تحاصرها قوات القذافي: "لو لم يرسل الله الناتو، لكانوا أحرقونا جميعا"، ليوحي راسموسن أن حلف الناتو والله سبحانه يقفان في خندق واحد، ومعاذ الله جل جلاله!
* كاتب عربي من فلسطين
* [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.