لم يكن كأس العالم مجرد منافسة لتحديد فائز ببطولة لعبة تتناقلها الأقدام بل كانت تجسيد حى لكثير من معان حياة نعيشها, فكرة القدم صارت من زمن حالة لها ابعادها السياسية والإقتصادية والإجتماعية . أكثر من كرة فروسيا غيرت نظرة العالم لها بحسن تنظيمها وجودة تسويقها وحققت المليارات, وفرنسا تنتظرعوائد فوزها وكرواتيا تبحث عما يمكن ان تجنيه بعد وصولها للمباراة النهائية . وماكرون وكوليندا غرابارجنوا من وراء أقدام لاعبيهم مالا يمكن لهما تحقيقة من سياساتهم المباشرة , فالعالم كله يتحدث الآن عن رئيسة كرواتيا ليس لطلتها البراقة وإنما لطاقتها الإيجابية وتواضعها غير المصطنع . فالقصة ليست بالعبارات المستهلكة أو الأداء التمثيلى الباهت فوراء ظاهرها مواقف حية عبرت عن انحيازاتها وصدقها فالتى تخفض راتبها وتبيع طائرتها الرئاسية لتشارك حكومتها تقشفها وتسافروسط الجماهير لتشجيع بلدها على حسابها الشخصى يصعب ان تكون غيرجادة . أيضاً الشعوب التى اجادت فرقها فرحت واحتفت بصرف النظر عن فوزها أو خسارتها , فكرة القدم أو الرياضة عموماً عند الدول القائدة وسيلة لصنع البهجة والسعادة وليست أداة للإلهاء والخداع . فالجماهيرالتى احتشدت بالشانزليزية ذهبت صباح اليوم التالى لعملها بكل جدية , وبعد غد ستسأل ماكرون عن اداء حكومته, فالجميع سيعاود نشاطه لكن بسعادة وايجابية ترفع من معدلات الأداءالسياسى والإقتصادى ليستمتع الكل بالحياة . شواهد ملفتة كثيرة هى المشاهد التى جذبت انتباهنا على مدار أيام الكأس , فمافعلته الجماهير اليابانية بالمدرجات وماقام به لاعبوا فريقهم بغرف الملابس من اعادة ترتيب وتنظيف أبهر الكل إلا اليابانيون أنفسهم فلم يروا فيه مايستحق لفت النظر , فعلى هذا تربوا ونشأوا . كذلك الفريق الأيسلندى الذى يمثل جزيرة صغيرة لايتعدى سكانها ال 350 ألف نسمة جذب الإنتباه لإمكانية الصعود والمنافسة بإتقان سياسات داخلية تناسب البيئات المحلية فلاعبوه هواه نجحوا فى الوقوف بصف واحد مع كبار المحترفين . أما أداء لاعبى الفرق الكبرى من ذوى الأصول الأفريقية فأعاد السؤال الحائرعن سرتفوق هؤلاء بعيداً عن مجتمعاتهم الأصلية , فكم كان معبراً المعلق الجزائرى حفيظ دراجى الذى يمنح المباريات متعة اضافية . وهو ينشد بكل صدق واخلاص زمن تستفيد فيه مجتمعاتنا الأفريقية من طاقات ابناءها الإبداعية التى باتت تحلق بسماء غيرنا ,تماماً كما كان مثيراً لمشاعر دفينة حينما علق على احتضان الرئيسة الكرواتية لنجم منتخبها لوكا مودريتش بقوله ( نحتاج لمن يشعر ويحس بنا ) . فالغرب ومن ينتهج سيره سيظل منارة للتقدم والحضارة بحكمه الرشيد وديموقراطيته وحرياته وسياساته العادله الشفافة وأبوابه المفتوحة أمام كل من يملك القدرة والمهارة دون تمييز أو تفرقة أو احباط . سؤال وعبارة ساذجة وسنظل نحلم بمجتمع تسود فيه مثل تلك القيم , ولما لا , فكثير من اجيالنا الصاعدة لن تستوى بالصف إلا إذا ساد عالمها القيم ذاتها , من هنا ليس غريباً أن نسأل وزيرة السياحة رانيا المشاط بعد تهنئتها بفوز فرنسا التى يبدوا انها تشجعها بحماس بالغ جداً !!!. فهكذا أخبرتنا انفعالاتها التى نقلتها صورها اثناء متابعتها لمباراتها مع كرواتيا وسط الجالية الفرنسية ( اشمعنا .. لاأدرى ) عن عائد منحها لتسعة ملايين دولار ( 130 مليون جنية ) للفيفا لوضعنا ضمن رعاة الكأس العالمى بهدف تنشيط السياحة , وهل حققت مردود أم ذهبت ادراج الرياح . عموماً انتهت الكأس بحلوها ومرها ولم نسمع ما يبرأ أو يدين اتحاد أبوريدة الكروى رغم كل الصراخ والعويل , فالدنيا ليست غالباً عادلة وإلا كانت فازت كرواتيا أو بلجيكا الأكثر جهداً وأمتاعاً . فحكمة ( من جد وجد.. ومن زرع حصد ) لم تعد على حد قول البديعة رضوى عاشور سوى عبارة ساذجة تزين كتب القراءة الرشيدة لأطفال الأول الإبتدائى الذين يكبرون قليلاً ليكتشفوا انها لم تكن سوى خدعة من الخدع المتعددة التى تحفل بها كتب مدرسية ألفها رجال طيبون أو بلهاء أو محترفون للكذب .