خطفتني عيون الأطفال المسجونة منذ اللحظة الأولي التي رأيتهم فيها، حفرت ملامح وجوههم الناطقة بالمأساة نفقاً من الأحزان في قلبي. حركتني لفعل شئ من أجلهم. أقف علي المسرح مأخوذة بجلال اللحظة وهيبتها. تغمرني مشاعر عجيبة هي مزيج من الفخر والسعادة، الرضا والإحساس بالإنصاف الإلهي، تلفني هالة من الذهول وأنا أري الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يقوم من مقعده، يتقدم عدة خطوات في اتجاه المسرح، يرفع موبايله الخاص ليلتقط صورة لنا بنفسه! يا الله.. المسرح كامل العدد، ثلاثة آلاف متفرج يملأون المقاعد، علي وجوههم ترقب ولهفة لمتابعة الفصل الأخير والمثير من مبادرة صناع الأمل، إعلان النتيجة وتتويج الفائزين باللقب الرفيع »صانع الأمل». أعيش لحظة مبهرة، مضيئة في حياتي، أنا الآن علي منصة التتويج في حفل رائع بمسرح مدينة دبي للاستوديوهات، أشاهد قبل دعوتي للصعود إلي المسرح فيلما وثائقيا قصيرا جدا ومكثفا عن رحلتي الطويلة مع السجينات وأطفالهن، تلك المأساة الإنسانية التي حركتني منذ أكثر من عشرين سنة، ودفعتني لفعل شئ من أجلهم. تلك اللحظة الفارقة في حياتي التي جعلتني صاحبة قضية ورسالة أحملها في قلبي وعقلي ووجداني أينما حللت. تدمع عيناي، ويغمرني الشجن وأنا أسترجع لأول مرة مشوارا طويلا من العطاء، الكفاح، والحماس في الدفاع عن هؤلاء الذين لا صوت لهم ولا ظهر. خطفتني عيون الأطفال المسجونة منذ اللحظة الأولي التي رأيتهم فيها، حفرت ملامح وجوههم الناطقة بالمأساة نفقا من الأحزان في قلبي. حركتني لفعل شئ من أجلهم. يتوقف الفيلم القصير عند محطة ثانية، محورية في مشواري الطويل مع السجينات وأطفالهن، 2007، بعد سنوات من المعايشة للقضية من خلال زيارة شهرية أحمل خلالها احتياجات الأطفال من أغذية وألبان وأدوية وبطاطين، وملابس، أكتشف قضية مأساوية أخري قابعة خلف القضبان اسمتها »سجينات الفقر» وعرفت فيما بعد ب»الغارمات» كنت أول من سلط الضوء علي تلك القضية، وبفضل الله وعونه أصبحت الآن وبعد 11 عاما علي كشفها الفكرة الإنسانية رقم واحد التي تفاعل معها المجتمع كله، ومحوراهتمام الرئيس السيسي شخصيا. سجن الوصمة يحكي الفيلم الوثائقي عن سجن الوصمة الذي أنجزت حوله فيلما وثائقيا هدفه محاولة تغيير نظرة المجتمع إلي تلك الفئة المنبوذة المنسية من المجتمع، الموصومة بالسجن بغض النظر عن كونهن مذنبات أم ضحايا. أكاد لا أصدق أن كل هذا قد حدث، متي أنجزت كل هذا؟ لم أنظر ورائي يوما لأتأمل كم الجهد والإصرار والمثابرة التي رصدها الفيلم في دقائق معدودة. رحلة عمر تجاوزت ربع القرن، سمتها الأولي الإيمان برسالتي، ومفتاحها الصدق الشديد والإخلاص للقضية التي أعطيتها عمري. تأتي لحظة النطق باسم الفائز بجائزة صناع الأمل، نقف نحن الخمسة الفائزين بالتصفية النهائية في المسابقة الدقيقة التي نمر خلالها بعدة مراحل وتصفيات صعبة، الخمسة هم الفائزون بالنسبة للجنة التحكيم المكونة من السيدة عهود الرومي وزيرة السعادة وتركي الدخيل مدير قناة العربية والفنان حسين الجسمي، الحكم الآن هو تصويت حضور الحفل الذين رأوا فيديوهات تحكي مشوار كل منا، واستمعوا في دقيقة إلي رد كل متسابق علي سؤال لجنة التحكيم علي المسرح. الترقب علي الوجوه، ضربات القلب تتسارع، جو يملؤه الإثارة، وتطفو فوق أجوائه مشاعر الإنسانية في أعلي صورها، الكل يتمني لأي زميل الفوز، فكلنا صناع أمل حقيقيون، يشدو بتلك الجملة الملهمة في الحفل فنان العرب المحبوب حسين الجسمي، نحن صناع الأمل نعمل بقلوبنا ولا ننتظر أجرا أو شكرا، ترتجف قلوبنا لمبادرات غيرنا، كما لمبادرتنا، إنه التنافس في الخير والعطاء، له مذاق مختلف وروح محلقة خلاقة. يقف سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وسطنا، يأتي الكارت الذي يحمل اسم المتسابق الذي حصل علي أعلي تصويت من جمهور الحضور، يفتح المذيع نيشان الظرف، ويعلن اسم: محمود وحيد من مصر حامل اللقب. محمود وحيد تضج القاعة بالتصفيق، يرقص قلبي فرحا من أجل محمود الشاب المصري الذي لم يحتمل منظر مشرد مسن ينام في الشارع، رث الملبس، لا يأكل ولا يغتسل، غزته الأمراض بعدما هجرته عائلته، أو هام في الأرض بلا هدي. أخذ أول مشرد وكان في حالة مزرية، شبه ميت، حممه بمساعدة أصدقاء له دعاهم لمشاركته هذا العمل الإنساني، وطاف به علي عدة مستشفيات رفضت استقباله ومن هنا صارت قضية المشردين من كبار السن بلا مأوي هي قضية حياته، أسس مؤسسة »معنا» لإنقاذ إنسان منذ ثلاث سنوات، وأقام دارا لرعاية هؤلاء الذين لا يسأل عنهم أحد حتي أقرب المقربين. فور تسلم محمود لدرع الجائزة يعلن سمو الشيخ بن راشد أن المبادرات الخمسة كلها فائزة، تضج القاعة بالتصفيق ويطير قلبي فرحا، أتمتم بالشكر والحمد لله العظيم الذي لا يضيع أجر من أحسن عمله. أفرح جدا لفوز فارس علي من السودان، صاحب مبادرة التعليم مقابل الغذاء، والذي استطاع أن يعيد أطفال المدارس الفقراء في قري السودان بعدما اكتشف أن التسرب من التعليم كان سببه الجوع. بدأ بعشرين ساندويتش يمنحهم للأطفال ليعودوا إلي المدرسة ووصل الآن إلي 40 مليون ساندويتش في جميع قري السودان. كذلك أفرح بفوز منال مسلم من الكويت وسهام جرجيس من العراق لكل منهما مبادرة رائدة، مؤثرة وناجحة في بلادهما. فريق مبادرة صناع الأمل الذي عمل معنا منذ البداية للنهاية يعطي المثل والقدوة في كيف تنجح الإنجازات الكبيرة. فريق يؤمن بالجدية والإتقان، التفاني والإخلاص. علي رأسه الأستاذ محمد عمران مدير مبادرات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الدينامو الذي يحرك فريق العمل بكل حماس وحب للنجاح والتميز. تتوالي مفاجآت صانع الأمل الحقيقي في الوطن العربي سمو الشيخ محمد بن راشد فيعلن في نهاية الأمسية الإنسانية الأكبر في العالم العربي عن تأسيس أكاديمية صناع الأمل بخمسين مليون درهم بهدف دعم صناعة الأمل في الوطن العربي. ويؤكد في كلمته أن الأمل أكبراستثمار في الوطن العربي. ونحن نستثمر في صناعة الأمل لأنها الأكثر مردودا لمستقبل عالمنا العربي. ويقول إن لدينا نجوما في سماء العطاء في عالمنا العربي ودورنا أن نبرز هذه النجوم للأجيال الجديدة. أحلق بخيالي وأحلامي بينما استمع إلي تلك العبارات المحفزة، بث الأمل وإحياؤه في نفوس شعوبنا العربية هو أكثر ما نحتاج إليه، إنه السبيل الوحيد لإعادة الروح إلي أوطاننا الجريحة بتحفيز الناس علي الإيجابية وروح الخلق وابتكار حلول جديدة لمشاكل المجتمعات العربية. إن صناعة الأمل هي الأهم والأبقي، منها تنطلق الأحلام، وتتحول إلي حقيقة علي أرض الواقع. نحن صناع الأمل يشدو بها مطربي الأثير، وحبيب الملايين حسين الجسمي، أغنية أعدها خصيصا من أجل أن يغنيها في الحفل المبهر ذي الأجواء الخلابة. أخرج من المسرح فخورة بإنجازي الذي فاز بأكبر جائزة لأصحاب العطاء في الوطن العربي، وسط منافسة شرسة بين 87 ألف متسابق من 22 دولة. فخورة ببلدي مصر التي انتزعت مكانين بين الفائزين الخمسة الذين فازوا بالجائزة، محمود وحيد حامل اللقب وأنا. أعود من دبي أحمل أحلاما كبيرة لتطوير مشروعي الطويل الممتد مع السجينات وأطفالهن، تأسيس صندوق»أموالكم» للغارمات، بيت الأمل لاحتضان السجينات السابقات اللاتي تبرأ منهن أهاليهن، وأطفالهن يحتوي علي ورش للحرف والأعمال اليدوية، حضانة، مكان للإقامة المؤقتة لمن لا مكان لها حتي تعتمد علي نفسها من عائد عملها. فريق العمل في جمعية رعاية أطفال السجينات يقيم حفلا مبهجا لاستقبالي، الفرحة تقفز من عيون الجميع لفوزي بالجائزة الكبري، لقد نجحنا، وفازت مبادرتنا، أثمِّن جهد كل شخص في فريقي واعتبره مشاركا في هذا النجاح، وجعل مشروعنا مؤثرا ورائدا في المجتمع. أجد خبرا رائعا آخر في انتظاري، مكالمة هاتفية من الدكتور ابراهيم عبد العزيز حجازي يخبرني خلالها أن جهوده المخلصة الدؤوبة في مساندة مشروع القانون الذي أعدته جمعية رعاية أطفال السجينات لمنع حبس الغارمات واستبداله بالعقوبة البديلة بالاستعانة بالعلامة الدكتور جابر نصار، قد نجحت وأن 60 نائبا من مجلس النواب وقعوا بالموافقة علي دخول القانون اللجنة التشريعية للمناقشة. يا فرج الله بركاتك يا رمضان. دموع صلاح السبت: تمتلئ المقاهي عن آخرها بالمصريين المشجعين لمحمد صلاح، يتحول نادي ليفربول الإنجليزي فجأة إلي واحد من الأندية المصرية التي يهلل المصريون عندما تحرز هدفا، خاصة إذا كان بشوطة مدفعية من مو صلاح. تمر ثلاثون دقيقة ساخنة بين فريقي ريال مدريد وليفربول في نهائي بطولة أبطال أوروبا، فجأة يهجم راموس علي نجمنا صلاح بحركة معروفة في لعبة »الجودو» ألغيت منذ سنوات لأنه ثبت أنها فيها تعمد لإلحاق الأذي باللاعب المنافس!! يقع صلاح علي الأرض ووجهه ينطق بالألم، يحاول أن يقف، أن يكمل المباراة النهائية التي حلم بالفوز فيها علي الفريق الملكي، لكن الإصابة أقعدته مرة أخري، الملايين في حالة غضب، صلاح كيف يحدث هذا؟ من هذا البلطجي الذي تعمد إصابة نجمنا العالمي في مقتل في وقت حرج للغاية وقبل كأس العالم بأيام وأسابيع قليلة جدا؟! تمتلئ صفحات الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي بالشتائم والدعوات علي راموس الجزار الذي أراد أن يكسب فريقه بأي ثمن حتي لو كان جريمة أخلاقية رياضية لن ينساها له التاريخ. ليلة من الحزن والكآبة عشناها نحن المصريين وكذلك جمهور ليفربول الذي يعشقه، لم يخلو الأمر من الفكاهة التي اشتهر بها المصريون، دخلوا علي صفحته الرسمية وانهالوا عليه بأفظع الشتائم، أتوا برقم الواتس آب الشخصي لراموس وصبوا عليه غضبهم بكل اللغات. السؤال المحير: كيف لا يكون للاتحاد الأوروبي لكرة القدم سلطة حساب ومعاقبة هذا اللاعب الذي يضرب بكل التقاليد والمبادئ الرياضية عرض الحائط؟ لماذا لا يصدر هذا الإتحاد قرارا بوقف اللاعب لفترة ستة أشهر علي سبيل المثال فتضيع عليه فرصة المشاركة مع منتخب بلاده في كأس العالم ؟ أين الفيفا من هذا العبث؟ أليس هناك رادع في العالم لمثل تلك الجرائم الرياضية؟!