حافة الكوثر هي الرواية الأولي للشاعر المصري علي عطا صادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة 2017، وهي حافلة بعدد من السمات الفنية والخصائص السردية التي تشكل خصوصيتها وقيمتها الجمالية، ولعل أبرز هذه السمات ملامح المكان أو الحضور الخاص له، حيث يأتي في إطار ما يمكن وصفه بالمكان ثلاثي الأبعاد إن جاز التعبير، فالرسومات ثلاثية الأبعاد علي سبيل التمثيل هي مجرد تنوع في جوانب التصوير المادي، بما يعني أنها في إطار تصوير مادي لكن من زوايا وأبعاد متنوعة، هنا نحن أمام الحضور ذاته ولكن بتنوع علي الحضور المادي للمكان، فالمكان في هذه الرواية له صورته الفيزيائية المدركة بالحواس والطبيعية والتي قد يشترك في إدراكها أكثر من شخص، فهذا البعد أو الجانب يمثل البعد المشترك بين البشر، فيما يحرص خطاب الرواية علي بعدين آخرين للمكان هما في غاية الأهمية ويجعلان المكان رافدا جماليا مهما وثريا في الرواية، فالبعد الثاني في هذه الرؤية الثلاثية هو البعد التاريخي للمكان، فالرواية تحرص علي العودة إلي مراحل تاريخية سابقة للمكان الآني ذاته بما ينتج إحالة إلي صورة جميلة مختلفة للمكان عينه بما كان يجلله من السكينة أو الحيوية أو مقابلته في نظافته وبراءته بما أصابه مؤخرا من التلوث والتأثر بمستجدات التطوير المزيف والبناء العشوائي لأبراج سكنية تسد منافذ الهواء، هذا البعد التاريخي ينتج قيمتين جماليتين أخريين في الرواية، إذ يحرك خيال القارئ إلي فضاء تاريخي أرحب ويكسر رتابة الآني المستقر حركيا باستحضار زمن آخر ماض وحياة تاريخية سابقة للمكان، والقيمة الجمالية الأخري تكمن في نوع من التأصيل التاريخي للمكان بما يجعله أقرب للكائن الحي العابر للأزمان، أو يرسخه بطلا يعاين ويشاهد ويراقب التطورات عبر الزمن وهو ما يصنع نوعا من المكان الأسطوري أو القادر علي التحمل في حال اسثنائية من الصبر. وبشكل عام فإن الرواية تقارب أماكن كثيرة وقد تبدو متباعدة أو ليس بينها- ظاهريا - صلة من الناحية الجغرافية، فلدينا حي المعادي ومدينة المنصورة وبعض مناطق القاهرة القديمة وبعض الأماكن في القاهرة الخديوية في جاردن سيتي وباب اللوق، كما تحضر كذلك النوبة بصورة باهتةأو غير مجسدة في إطار خبري ومثلها بعض البلدان العربية الأخري، لنكون في النهاية أما صورة ثرية لحضور المكان، علي أن الرواية برغم هذا تتجاوز تماما مجرد الرصد المكاني الجاف، وهذه الصورة المكثفة إنما تأتي عبررؤية شعرية وربط شعوري إذ ترتبط كلها وجدانيا بحسين بطل الرواية أو الشخصية الرئيسة فيها، فهذه الأماكن تسكنه بقدر ما ارتبط بها أو سكنها في مراحل من حياته، فيما يمثل نوعا من هيمنة المكان علي الذاكرة أو الوجدان الإنساني وتغلغله فيها بما يجعله يفرض نفسه علي السرد ويضطره في حركته إلي العودة لهذه الأماكن في الماضي أو تأمل الآني منها وملاحظة ما طرأ عليها من القبح وانتشار القمامة والتشوه الحضاري. ومن هذه الملاحظة الأخيرة يكون البعد الثالث في هذا الحضور ثلاثي الأبعاد للمكان، فهذا البعد هو البعد الوجداني، إذ إن هذه الأماكن تحضر عبر مرور مسبق بمشاعر البطل ووجدانه، وهو ما ينتج كما ذكرت نوعا من الترابط أو يجعل كل هذه الأماكن البعيدة متقاربة أو مرتبطة بما مارسته من احتواء للشخصية وتجاورها جميعا في ذاكرتها. وهذا الشكل من مقاربة المكان علي نحو من التنوع أو البحث في العمق التاريخي له يحدث مع شخصية الممثل حسين صدقي حين يمتزج الإنسان بالمكان أو يصبح أحدهما مرتبطا بالآخر في صورة الميدان الذي يحمل اسم الممثل الشهير، لتبدو العلامات الدالة في الرواية ذات جذور تاريخية وأسرار مختلفة عن الصورة الحاضرة، فنعرف بعض الأسرار أو المعلومات التي قد تبدو جديدة وغير معروفة عن حسين صدقي فيما يشبه السيرة الذاتية الهامشية أو المصاحبة للمكان وللشخصية ومصاحبة لنوع من التحول السياسي والصراع الممتد بين السلطة ونماذج معارضة أو ذات توجهات أخري. ربما من السمات البارزة كذلك في خطاب هذه الرواية ما شكلته التكنولوجيا ووسائل الاتصال من حضور صنع نوعا من الترابط بين الشخصيات والأماكن برغم تباعدها، فالرسائل الإلكترونية ودردشة الفيسبوك تأخذ شكل اللغة الخاصة التي تفرض نفسها علي عالم الرواية، ولكنها تجاوزت مجرد أن تكون جزءا من عالم اللحظة أو حقيقة أكيدة للحظة الحضارية التي تقاربها الرواية بأن كانت فاعلة في توجيه صوت الراوي، فيمكن القول إن الرواية كلها تأخذ شكل الرسائل الإلكترونية بين صديقين يحاول حسين في هذه الرسائل أن يصنع جسرا مع الطاهر يعقوب صديقه الأديب والكاتب العربي الذي يعيش في دولة أخري، ينتج نوعا من التماهي أو محاولة الاندماج بين الصديق وصديقه وتبادل الخبرات وعرض محتويات الذاكرة بما فيها من الوجع والمعاناة بشكل علاجي أو يحاول مواجهة هذه الأزمات بالحوار وتفتيتها عبر بثها للصديق ومحاولة توزيعها بينهما. من ثم نقول إنه من القيم الجمالية البارزة في الرواية ما اعتمده خطابها من توجيه الخطاب إلي شخصية الطاهر يعقوب الذي يبدو الصديق الأقرب نفسيا لحسين عبد الحميد، فهي تأخذ شكل الرسائل الإلكترونية بينهما، وهذه الرسائل عبارة عن مخطوط رواية يرغب في كتابتها بما يحيط بهذا المخطوط من سياق وآمال وطموح وأفكار عن هذه الرواية وبعض أجزائها التي قد أنجزها بالفعل، هذا الشكل من مخاطبة الصديق يسهم في جعل المتلقي يأخذ موقع شخصية الطاهر يعقوب ويتماهي معه بما يميزه من صفات تبدو كالمخلص أو المعالج الذي يحاول أن يستنجدويستعين به ليستجمع شتات نفسه ويخرج من حالته المرضية أو فيما يمثل نوعا من العلاج بالسرد، فكان من الطبيعي وفق هذا الشكل الرسائلي أن يكون السرد موجها إلي مروي إليه أو مسرود عليه ضمنيّ أو غير مباشر، بل هو شخصية من شخصيات الرواية تبدو كما لو أنها كانت لهذا الغرض من جعل السرد موجها إلي ذات واضحة ومحددة بخلاف القارئ الافتراضي بنموذج القارئ الصديق الذي يعرض عليه أفكاره ومسوداته وخططه وأوجاعه أحيانا، لتكون بعض الأجزاء نصوصا بالفعل يأخذ رأيه فيها، وأجزاء أخري هي حوار عادي بين صديقين يبوح كل منهما فيه بأسراره، أو بالأحري يستغلها حسين فقط ليبوح بأوجاعه لصديقه الذي يتميز بالصبر علي استقبالها وإبداء الرأي فيها، وهذه السمة في تقديرنا تجعل السرد أكثر نبضا وقربا من المتلقي لأنه يبدو معنيا بشكل مباشر بهذه الحكايات وبخاصة حين يتماهي مع شخصية الطاهر يعقوب ويحل محله مع الوقت، فيشعر أن السرد موجه إليه هو بشكل خاص. رواية حافة الكوثر التي تقارب حالا من الانسحاق الإنساني الطبيعي أمام التحولات السياسية والاجتماعية والتغيرات التي تطرأ علي المكان والإنسان تبدو مترابطة علي نحو خاص أقرب إلي ترابط القصيدة الشعرية التي بلغت حدا متقدما من الانسجام ووحدة الموضوع. فهذه التحولات والتغيرات والصراع السياسي المتمثل في صراع الإنسان مع السلطة عبر انتفاضات وثورات وما يستجد علي المكان من تشويه أحيانا وضغط الموت؛ موت الأهل والأقارب وافتقادهم تماما ينتج كل هذا تلك الحال من الانسحاق البشري والطبيعي الذي يتبدي في شكل مرض نفسي أو اكتئاب مرضي ليس عارضا أو عابرا أو في المعدلات ال الطبيعية - يعانيه حسين عبد الحميد الصحفي الذي يدخل الكوثر برعاية من أهله ورؤسائه في العمل لعدد من المرات المتقاربة أو في مدة زمنية وجيزة. يعتمد السرد علي التركيز علي الجانب النفسي أو البوح المنظم فنيا وفق هذه الصيغة الفنية من الحوار الإلكتروني أو الحقيقي بين الصديقين، بما يجعل هذا التركيز النفسي يشكل ربطا عفويا وطبيعيا بين أثر كل هذه التحولات في الشخصية واقترابها من حال انهزامية تبدو مفعولا بها علي الدوام وهو الأكثر واقعية من نموذج البطل الفانتازي الذي يقاوم طوال الوقت وكأنه فارس العصور الوسطي أو المحارب القومي والأسطوري الذي تقدمه الثقافات نموذجا للطفل ليقتضي به فيكون مخادعا له من باب الزيادة في الطموح أو رفع سقف الطموح. في الحقيقة إن النموذج الإنساني الذي تقدمه الرواية بما يمثل من هذا الانسحاق والانهزام أمام تلك التحولات القاسية المرتبطة كما ذكرت بصراع سياسي يبدو أنه لن يتوقف أو بضغوط معاناة فقد الأهل والأحباب ومرضهم بالسرطان، أقول إن هذا النموذج في تقديرنا هو الأكثر منطقية والأقرب لطبيعة الحياة وهو الأكثر مناسبة لسرد ما بعد الحداثة والمشهد الحضاري الآني بعد تجاوز نموذج البطل الكلاسيكي الخارق أو المصنوع لأجل رسالة واضحة وصاخبة يطرحها النص السردي. ففي نوع من الوعي الشديد يقدم خطاب رواية (حافة الكوثر) العناصر الأقرب لطبيعة الحياة ويميل إلي تجسيد الضعف الإنساني ويتجاوز سلبيات السرد الكلاسيكي وهو ما يجعل الرواية أكثر انفتاحا علي تأويلات غير مؤشَّرة من البداية في اتجاه يرسمه السارد وفق الرسالة المطروحة، بل تبدو الدلالة في سرد ما بعد الحداثة الذي علي هذا النحو دلالة تخلخل ذاتها وأقرب إلي دلالات الخطاب الشعري وتستوعب اشتغالا تأويليا ممتدا برغم وضوح الحكاية ومشابهتها أو قبولها للمطابقة بنماذج إنسانية حاضرة في وجوه عديدة. فالنموذج الإنساني فيها ربما ينفتح علي نموذج الإنسان المصري بشكل عام حين كان شاهدا علي هذه التغيرات وهذا الصراع السياسي وتحولات المجتمع وميله إلي درجة من التمزق، ولهذا فإن الأصوات الأخري الواردة عبر زملاء العلاج في (الكوثر) هي ممثلة لتمزقات الإنسان المصري عموما حتي وإن بدت أحيانا الأسباب المرضية لهم أسبابا هيّنة، وإن كانت الرواية قد اعتمدت صيغة (التضغيف/ قيل ويُقال) في رواية مثل هذه الأخبار الكامنة وراء الأمراض النفسية لهؤلاء المرضي، بحيث تبدو أسبابا غير حاسمة وتنفتح الاحتمالات علي أمراض وأسباب أخري كثيرة مختفية وللقارئ الحق في تتبعها بخياله ليكون في بعض الحالات شريكا في إنتاج الدلالة وهذا ما أقصده بالمعني المخلخل أو غير الصارم الذي يطرحه خطاب رواية حافة الكوثر بأن يقدم عالما أقرب لطبيعة الحياة ويترك المساحة أمام القارئ في الاستنتاج وتكوين الفهم الخاص به. ويميل خطاب الرواية كذلك إلي نوع من الارتكاز علي الثابت التاريخي من علامات تدعم حقيقة العالم الذي تقدمه الرواية، فتحاول الإفادة من محطات بعينها مثل ثورة يناير 2011 بأحداثها التي كانت قريبة من البطل بحكم عمله ومثلها أحداث بانتفاضة الخبز أو ما أسماه الرئيس السادات بانتفاضة الحرامية التي شارك فيها البطل وهو شاب دون أن يكون علي الوعي الكافي، ومثلها كثير من المحطات التاريخية الثابتة أو المتفق عليها لتمتزج بالمتخيل الروائي ويصنع كلاهما نوعا من التضافر داخل لوحة مصرية أو ما يمكن تسميته بجدارية تعكس التحولات والحركة الطبيعية للحضارة والمفاصل التاريخية المهمة وانعكاسها جميعا علي الإنسان المصري الذي يبدو أن الأمر استقر به علي حال من الضغط والانسحاق الإنساني الذي يصل حد المرض واللهو إلي التداوي بالعلم داخل أروقة الكوثر أو التداوي بالفن عبر السرد وتبادل الحكايات ومحاولة الحفاظ علي أن يستمر الحوار بين البشر مهما تباعدت المسافات، مستغلا التطور التكنولوجي الذي يبدو من خطاب الرواية أنه نقطة من نقاط الإيجابيات وسط كل هذه التحولات القاسية.