الإهمال لا يفرق بين أثر يحمل اسم رجل أو امرأة. هذا ما خرجت به من جولتي في منطقة السيدة زينب والخليفة و الأزهر والدرب الأحمر وشارع بورسعيد، عندما قررت أن أزور مجموعة من الأسبلة والمساجد والقباب التي تحمل أسماء سيدات. حاولت أن أقف تاريخيا عند الغرض من إنشاء هذه الأماكن وأزيد التاريخ رصدا واقعيا لما آلت إليه الأحوال الآن. صدمات كثيرة تلقيتها في رحلة البحث هذه، منها أن هناك أماكن لم يعد يرتادها أحد، مما جعل الأجيال الجديدة لا تعرف حتي اسمها، فعندما زرت مسجد »فاطمة الشقراء» الكائن بالدرب الأحمر، لم أجد من يدلني عليه سوي رجل كبير في السن. أضف إلي ذلك ظني في بداية تلك الجولة التي اقتصرت علي أماكن تحمل »تاء التأنيث» أن هذا هو ما يربط بينها، لكن في النهاية تغير الأمر، فما يربط بينها بشكل واضح وصريح »الإهمال» بكافة معانيه، ما بين ترك بعض الأماكن دونما ترميم حقيقي، أو جعلها محاصرة بالباعة المتجولين، أو أكوام من القمامة، مما يحجب رؤيتها ودورها، فضلا عن ترك المياه الجوفية تعبث بجسد وروح هذه الأماكن، التي ذات يوم اكتسبت قيمتها من كونها تحمل مياها عذبة تروي عطش الظمآنين، وهذا هو المغزي من نشأة »الأسبلة»، وهو ما يؤكده د. حسام إسماعيل أستاذ الآثار بجامعة عين شمس، قائلا: يعود بدء ظهور الأسبلة النسائية إلي عهد إسماعيل، الذي أمر ببنائها وتعيين موظف علي كل سبيل لإمداد الناس بالمياه والمدارس، لكي تكون صدقة جارية علي أرواحهم ، مستشهدا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف: »إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». في هذه الجولة نلقي الضوء علي مجموعة من هذه الأماكن التي طالها الإهمال، وفي طريقها للنسيان. سبيل أم عباس: غسيل سمعة مبكر من أشهر السبُل القديمة، ويعد واحدًا من عمليات »غسيل السمعة» المبكرة في تاريخنا، حيث أنشأته الأميرة بنبا قادن أم الخديو عباس حلمي لتغير مشاعر الناس تجاه ابنها، فقد ظل مكروها حتي مقتله، ففكرت في وسيلة لتحسين صورته بعد رحيله فقررت بناء هذا السبيل لتروي عطش المارة وتساهم في ربط اسم ابنها بأعمال الخير، وهو يقع في حي القلعة بقلب القاهرة عند تقاطع شارعي الركبية والسيوفي مع شارع الصليبة المؤدي لميدان القلعة، و يعد واحدًا من أقدم السبُل في التاريخ المصري، ومن المعروف أن السبيل خرج بأسلوبٍ معماري متميز يجذب أنظار العابرين من علي بُعد ببنائه الضخم الذي لا يتعارض مع رقة نقوشه وجاذبيته. رغم الجماليات التي يتميز بها السبيل من الخارج إلا أن الإهمال تصدر جميع زواياه، حيث اكتست جدرانه بالأتربة التي ساهمت في إخفاء ملامحه، وفي زيارة سابقة أجريناها حوله قبل أسابيع كانت تلال القمامة تحيط به، قبل أن يتغير الوضع بشكلٍ طفيف، بعدما تم وضع صناديق قمامة أمامه، ولكن كان من اللافت تشوه المكان عما كان عليه منذ عشرات العقود حين تم بناؤه. قبة شجرة الدر: بيت للأشباح »ارحموا عزيز قوم ذل» مقولة لا تنطبق فقط علي الملكة الخالدة شجرة الدر، ولكنها تنطبق علي القبة التي تم بناؤها في أحياء مصر القديمة، التي تقع في منطقة الخليفة بالتقاطع مع حي الأباجية الذي يعد أحد أقدم الأحياء بمصر القديمة، وتم بناؤه عام 648ه لكي تدفن فيه شجرة الدر بعد وفاتها، وقد اشتهر ذلك الصرح بالمحراب الذي يعتليه، نظرًا لزخرفته بالذهب، فضلًا عن احتوائه في منتصفه علي شجرة ذات فروع متشعبة. الحال لم يختلف كثيرًا عن سابقه، فأثناء زيارتنا لذلك الصرح الأثري، كان الإهمال حاضرًا مع تآكل أجزاء كبيرة من بناية القبة التي بدت متشحة بالأتربة، ومع حلول الليل كان المكان أشبه ببيت للأشباح، خصوصاً مع عزوف الزوار عن الذهاب عنده، إلي جانب صعوبة الوصول إليه بسبب عدم معرفة الكثيرين به، وأثناء تلك الزيارة كان الأمر أشبه بالوصول إلي متاهة كبري، خصوصاً مع فتاوي المارة الذين يجهلون موقعه، قبل أن يتدخل رجلٌ في السبعينيات من عمره، كان حاملًا معه الإجابة بشأن الطريق الصحيح للوصول، وفي النهاية كان الطرف الأبرز من المشهد تكدس الألواح الخشبية الخاصة بالترميم علي أجزاء القبة، لتبدو وكأنها محاصرة في سجن كبير. لقبت شجرة الدر بعصمة الدين أم خليل، وهي من أصول تركية، في حين قال البعض بأنّها من أصول أرمينية، وقد عملت جارية عند السلطان الصالح نجم الدين أيوب بعد أن اشتراها، ثم حظيت بمكانة كبيرة وعالية عنده، الأمر الذي جعله يعتقها ويتزوجها، فأنجبت منه ولدها خليل، والذي توفي في تاريخ الثاني من صفر 648ه، وقد تولت عرش مصر لمدة ثمانين يوماً، وذلك بعد مبايعة من أعيان الدولة والمماليك بعد وفاة زوجها السلطان نجم الدين أيوب، وبعد مرور هذه الفترة تنحت عن العرش وتنازلت عنه لزوجها الثاني عز الدين أيبك التركماني سنة 648ه.