بعدما لوح السيسي بفقدان الاستقرار .. ما إمكانية تداول السلطة برغبة شعبية في مصر؟    إعلام إيراني: تحليق طائرات حربية وتفعيل الدفاعات الجوية شرقي طهران    مندوب مصر أمام مجلس الأمن: نطالب إيران بوقف أي تهديدات لدول الجوار    وزير الخارجية الإيراني: إصدار أي قرار من مجلس الأمن بشأن مضيق هرمز لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا    الموت يفجع إمام عاشور، وهذا ما كتبه على إنستجرام    إسبانيا تتصدر قائمة المرشحين للفوز بكأس العالم    فيفا يعلن زيادة أسعار تذاكر كأس العالم    مصدر مقرب من إبراهيم عادل يكشف ل في الجول القيمة الحقيقية للشرط الجزائي بعقده    مصرع وإصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة بأسوان    صور| حريق هائل في مصنعين بالمنطقة الصناعية بنجع حمادي    حكاية طالب انتهت خلف الأسوار.. الاتجار في الهيروين كلمة السر    مكتبة الإسكندرية تحتفي بالأعمال المترجمة للشيخ محمد الحارثي    اجتماع للجنة التنسيقية لهيئات منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    الصحة العالمية تطلب تمويلا 30.3 مليون دولار للاستجابة للأزمة الصحية المتفاقمة في الشرق الأوسط    سقوط 6 عناصر شديدة الخطورة في قبضة شرطة المراغة بسوهاج    إسكندر: نعيد تشكيل ملف العمالة المصرية عبر التأهيل والتشغيل المنظم لحماية الشباب من الهجرة غير الشرعية    التفاصيل الكاملة للترجمة الإيطالية لرواية دفاتر الوراق ل جلال برجس    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    تفاصيل الاجتماع الفني لبطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    وكيل صحة الدقهلية يفتتح فعاليات المؤتمر الثالث لمستشفى صدر المنصورة    استقرار سعر الدينار الكويتي أمام الجنيه في البنك المركزي مساء اليوم    موعد تطبيق زيادة المرتبات الجديدة للمعلمين 2026    فينيسيوس ومبابي يتصدران قائمة الأعلى أجراً فى الدوري الإسباني    لحسن العشرة والوفاء صور.. وفاة زوجة بعد ساعة من وفاته حزنا عليه في كفر الشيخ.. فيديو    بدء غلق كوبري الدقي المعدني جزئيا لمدة 3 أيام    أمطار خير وبركة غزيرة تكسو شوارع مدينة الأقصر.. فيديو    بكين ترحب بالمبادرة الصينية الباكستانية وتؤكد دعمها التعاون الخليجي وتعزيز سلام المنطقة    سداسية نظيفة.. سيدات برشلونة يسحقن ريال مدريد في دورى أبطال أوروبا.. فيديو    فلسفة شاعر    محافظ الدقهلية يشهد احتفالية يوم اليتيم باستاد المنصورة ويكرم الأمهات المثاليات    مازن الغرباوي وشريف دسوقي وسامح الصريطى فى حفل ختام ملتقى نغم للمسرح    دونجا: الزمالك سيفوز على الأهلي وبيراميدز وقادر على التتويج بالدوري    حكام قمة الأهلي والزمالك في الكرة النسائية    ضبط كافيه ومطعم وبازار مخالفين لقرار الغلق في مرسى مطروح    حكومة دبي تنفي استهداف شركة أوراكل    إسرائيل تهاجم 44 منطقة في جنوب لبنان الخميس وتوقع 10 قتلى    سقوط طائرة مسيرة داخل منفذ طريبيل الحدودي بين العراق والأردن دون خسائر    حفل تأبين شيخ الإذاعيين فهمي عمر الثلاثاء المقبل في ماسبيرو    رئيس شعبة الدواجن يحذر: هبوط الأسعار يهدد الإنتاج وينذر بأزمة بالسوق المحلي    جامعة كفر الشيخ تنظم زيارة ميدانية لطلاب كلية الألسن    محمود زين عضوًا في لجنة السينما الجديدة    الثلاثاء.. انطلاق المؤتمر السادس لقسم الأمراض الصدرية بطب الأزهر بأسيوط    هل تارك الصلاة إذا مات يوم الجمعة يدخل الجنة؟ أمين الفتوى يجيب    المواعيد الجديدة لعقد اختبار TOFAS للبرمجة بالقاهرة    نائب محافظ سوهاج يشهد الحفل الختامي لمسابقة نقابة المهندسين للقرآن الكريم 2026    حبس 9 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بشوارع القاهرة    نائب وزير الصحة تبحث مع يونيسف ومنظمة الصحة العالمية دعم الرعاية الأولية    حمزة العيلي وخالد كمال يدعمان الأطفال مرضى السرطان في الأقصر    تأجيل محاكمة 7 متهمين بحيازة طن حشيش في الإسكندرية لنهاية أبريل للمرافعة    وزيرالتعليم: نركز على ترسيخ القيم الأخلاقية في المناهج المطورة    رئيس الوزراء يلتقي السفير علاء يوسف بعد تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات    محافظ كفر الشيخ يكرم الأمهات المثاليات للعام 2026 تقديرًا لعطائهن    وزيرة الإسكان تلتقي محافظ بورسعيد لبحث الموقف التنفيذي للمشروعات وتعزيز التعاون المشترك    وزارة الري: استقرار حالة المناسيب والتصرفات والجسور بشبكة الترع والمصارف    كلية التربية النوعية جامعة طنطا تستضيف نقيب الممثلين لبحث سبل رعاية الطلاب ودعم مواهبهم    دعاء الرياح.. اللهم إنى أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إلي متي يحكم الحزب الوطني؟

يثار هذا التساؤل في ظل مناخ التعددية .. بصياغات مختلفة .. ومنها: (متي يترك الحزب الوطني الحكم؟).. وسبب التساؤل قد يكون مجرد نوع من الاختبار لمدي جدية إيمان الحزب الحاكم وصاحب الأغلبية بمبدأ تداول السلطة .. هل يتشدق بها .. أم أنه مستعد لقبولها؟
كما أنه قد يكون تعبيرا عن الرغبة في التغيير لمجرد التغيير .. وقد يكون كذلك تجسيدا للاختلاف السياسي مع الحزب والاعتراض علي سياساته .. وربما يكون كذلك تأكيدا علي رغبة أحزاب أخري في أنها تريد كرسي السلطة.
والأصل في النظام المصري هو التعددية .. والأصل في الحكم هو تداول السلطة .. هكذا ينص الدستور.. وعلي الرغم من استثناءات موجودة في مختلف دول العالم .. حيث بقيت أحزاب في الحكم لأزمنة طويلة .. فإن التطلعات الديموقراطية تفرض علي أي مشارك أن يكون موقنا بأنه يمكن لصوته أن يساهم في تغيير تركيبة الإدارة التي يسيطر عليها حزب ما .. بغض النظر عمن هو .
لكن الأصل في طبيعة الأحزاب أن تسعي إلي الحصول علي الأغلبيات .. وأن تخوض الانتخابات؛ لكي تفوز بها وتنال ثقة الناس .. وطبيعة الأمور أن تعمل الأحزاب الحاكمة علي أن تبقي في السلطة .. وليس أن تفرط فيها لكي تثبت أنها تقبل بمبدأ التداول.. وفي نفس الوقت أن تسعي الأحزاب التي لاتحكم لكي تحكم وتتحول من مجرد معارضة عريقة إلي إدارة حكم جديدة.
ومادمنا بصدد مؤتمر سنوي جديد للحزب الوطني الحاكم، يبدأ اليوم، وبينما تنهال عليه سيول الانتقادات .. في ذات الوقت الذي يلقي فيه أيضا أمواجا من المديح والتأييد .. فإن مناقشة السؤال واجبة .. والبحث عن إجابة عنه ضرورية .. في ضوء أن ذلك يثار بصفة مستمرة في مناخ الحراك السياسي الذي تتمتع به مصر .. ولاسيما أن هناك جماعات مختلفة .. قد لاتكون لديها جذور اجتماعية حقيقية .. وقد لاتمثل قطاعات رئيسية في المجتمع .. مازالت تعتقد أن حل مشكلات البلد يكمن في إقصاء الحزب الوطني عن مواقعه.
- القوي البديلة
تحتاج المسألة إلي تأصيل متعمق .. كي نجيب عن السؤال .. وإحدي طرق الإجابة عنه أن نعيد صياغته.. كأن نقول: لماذا يبقي الحزب الوطني قادرا علي أن يسيطر علي الحكم ؟.. أو هي: من هي القوي التي يمكنها أن تبعد هذا الحزب عن سلطة الإدارة ؟
إن وجود اتجاه سياسي معين لايعني أنه قوة سياسية موجودة ومؤثرة في المجتمع .. هناك فرق كبير بين مجرد وجود الأفكار .. يسارية أو يمينية أو وسط .. مدنية أو ذات أبعاد دينية .. وبين أن تكون تلك الأفكار معبرة عن قوي اجتماعية حقيقية في المجتمع.. الأفكار تبقي حبيسة رءوس من يعبر عنها .. ولكنها لكي تصبح واقعا وتفرض نفسها علي أجندة البلد لابد أن تكون لديها طاقة دافعة .. هذه الطاقة تتمثل في القوي الاجتماعية والفئات السكانية التي تؤمن بتلك الأفكار .. ويمكنها أن تدافع عنها أو علي الأقل هي مستعدة لذلك.
قد يكون في البلد (يسار) متنوع الاتجاهات .. من أقصاه إلي أقصاه .. من المتطرف إلي المعتدل .. ولكن إلي أي مدي يمكن أن نقول إن هذا اليسار أو ذاك يعبر عن مصالح اجتماعية بعينها .. حين تكون هذه المصالح موجودة فإن هذا يقود حتما إلي أن تجد الأصوات المعبرة عنه داخل صناديق الانتخابات .. حتي لو كان هناك من يطعن في نزاهتها .
وقد يكون في البلد (يمين) .. متعدد المشارب والأهداف .. ولكن السؤال كذلك: ما هي الفئات الاجتماعية التي يعبر عنها ؟.. وهل هي مرتبطة بأفكار اليمين لأنها مؤمنة بذلك أيديولوجيا .. أم لأن هذا اليمين هو المسار الذي يمكن أن تتحقق من خلاله مصالحها ؟
ولعلك لمست من حين لآخر اتجاهات تؤكد علي ( القومية المصرية) .. لكنك لاتجد أحزابا أو هيئات أو أية جمعيات تعبر عن هذه الأفكار وتجسدها في أرض الواقع .. وليس معني هذا أن المجتمع يرفض تلك الرؤي .. ولكنها عمليا لا تعبر عن مصالح فئات سكانية تري أن الإصرار علي هذه الأجندة بأبعادها الثقافية والسياسية يحقق لها الفائدة التي تريدها .
ومن ثم وقياسا علي هذا المعني فإن في مصر قوي اقتصادية لديها ميل طبيعي ناحية اليمين الاقتصادي .. باعتباره يحقق مصالحها .. ويخدم علي أهداف مؤسساتها .. وهذه القوي هي في الأساس متجسدة في مجموعات رجال الأعمال والطبقة الرأسمالية الصاعدة .. لكن هذه القوي وإن كانت تملك القدرة علي الدفع في اتجاه التحفيز ناحية إصدار قوانين ذات طابع متحرر .. إلا أنها لم تتمكن من أن تحول وجودها إلي حالة ليبرالية عامة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية .. لسبب بسيط وهو أن هذه الأبعاد لا علاقة لها بالمصالح المباشرة .. ومن ثم فهي تنشغل بالشق الاقتصادي .. وليس بمضمون الليبرالية اليمينية كمشروع عام وشامل.
وقد يعتقد البعض أن لدي الاتجاهات الدينية عمقا اجتماعيا بين فئات البلد .. وهذا صحيح واقعيا .. ولكنه غير صحيح علي المستوي السياسي .. بمعني أن المرتبطين بالثقافة الإسلامية هم ذوو عواطف إسلامية .. لكن لا يوجد مشروع اجتماعي شامل يعبر عن فئات في المجتمع تجد أن (الدين) هو مشروعها السياسي الذي يحقق مصالحها .. لاتوجد فئات في القاهرة والقناة والإسكندرية والصعيد تري أن مشروعها التنموي يجب أن يقوم علي وجود الخلافة الإسلامية .. ولا قوي في البحيرة وبني سويف وسيناء وأسوان تعتقد أن (الإسلاموية) هي طريقها إلي النهضة. أنا أفرق هنا بين التعاطف الشعوري .. والمشاعر الدينية .. والقيم الأخلاقية .. وبين المشروع الاجتماعي المتكامل .. وعلي سبيل المثال هناك مثلا متدينون لديهم توجهات معينة تؤيد المصرفية الإسلامية .. ولكن هذا لم يصل إلي الحد الذي يجعل هناك صناعة مصرفية كاملة تقوم علي ما يوصف بأنه نظم بنكية إسلامية .. مع الوضع في الاعتبار أن النظم البنكية ليست مشروعا للحكم يعبر عن اتجاه سياسي يقود مجموعة أو تيار إلي السلطة.
- عصر الحزب الواحد
فيما قبل الثورة كانت الأحزاب علي تناثرها وتفتتها وصراعاتها، بينها من يمثل فئات من الشعب .. من يدافع عن ملاك الأراضي .. ومن يدافع عن الطبقات الفقيرة .. وكان الوفد مميزا بينها باعتباره معبرا وقتها عن قطاعات كبيرة ومتكاملة من طبقات المجتمع .. ممثلا للطبقة الوسطي .. وشاملا فئات من الطبقة العليا .. ومستندا إلي مشروعه التاريخي في التحرر من نير الاحتلال .
لكن الوفد الجديد، وبعد أن تحررت البلد، ومضي الإنجليز إلي ديارهم، لم يعد كذلك .. وفقد طاقته المحركة الأساسية ولم يعثر علي بديل لها .. وفيما بعد قيام الثورة .. وسقوط أو للدقة إسقاط النظام الحزبي القديم وتشويهه .. كان أن نشأ نظام الحزب الواحد .. بدءا من هيئة التحرير .. والاتحاد القومي .. وأخيرا الاتحاد الاشتراكي .. الذي كانت صيغته السياسية الإجمالية هي (تحالف قوي الشعب العامل) .
الاتحاد الاشتراكي قدم نفسه عوضا عن كل الأحزاب .. ووعاء شاملا للتعبير عن كل الفئات الاجتماعية التي اسمها (قوي الشعب العامل) .. وخرجت من وعائه بالطبع الرأسمالية المصرية التي عاشت مراحل انقطاع في الاستمرار بعد عمليات التأميم وإعادة توزيع الأراضي .. وتفتيت الملكيات .. وخلق نظام الثورة طبقة جديدة من المتعلمين والعاملين في الجهاز الإداري للدولة واستوعب في رحابه الفلاحين .. الذين كانوا قواما أساسيا ومستهدفا .. إلي جانب العمال.
حقق النظام، واستخدم في ذلك أداته الحزبية الواحدة والوحيدة التي كانت مندمجة في الدولة، المصالح الاجتماعية والاقتصادية المتنوعة لمجموعة هائلة من فئات المجتمع وطبقاته.. ولكنها كانت مصالح في إطار الحد الأدني .. في ضوء تقلص طموح المجتمع .. وفي الوقت الذي خمدت فيه هذه الطموحات الاقتصادية والاجتماعية .. تم تصعيد الطموحات القومية العروبية والطموحات التحررية .. واندفنت الطموحات السياسية الداخلية .. إذ لم يكن من الممكن التعبير عن التوجهات السياسية إلا من خلال التنظيم الاشتراكي الوحيد.
ويمكننا أن نفترض أن هذا النسق من النظم يمكن له أن يستمر .. نظريا .. غير أن هذا استحال عمليا لأسباب مختلفة .. أولها: أنه لم يلب الاحتياج السياسي للتنوع .. في ظل أجواء بوليسية قاتمة .. وثانيها: الانتكاسة المروعة التي تعرض لها المشروع بالكامل في 7691 .. وثالثها: أنه لم يلب الطموحات الصاعدة للأجيال الجديدة .. ورابعها: أنه نكث بعهده في السعي إلي التحرر إذ قاد البلد إلي احتلال جديد .. وخامسها: أنه استبعد فئات مختلفة من السياق الحزبي .. لاسيما الطبقة الرأسمالية المصرية .. وسادسها: أنه اختلق رأسمالية جديدة من فئات البيروقراطية والسياسيين مما لايمكن إدراجه تحت بند قوي الشعب العامل .. وسابعها: انهيار المشروعات الوحدوية .. وغير ذلك من أسباب .
- ميراث الاتحاد الاشتراكي
التطور النوعي الذي اتجه إليه الرئيس السادات، سواء علي المستوي الاقتصادي من خلال الانفتاح، أو علي المستوي العسكري من خلال نصر أكتوبر، أو علي المستوي الاستراتيجي من خلال العلاقة المنفتحة مع الولايات المتحدة ثم السلام مع إسرائيل، وعلي المستوي السياسي من خلال إتاحته الفرصة بانتهازية معروفة تاريخيا لصالح التيارات الدينية ذ كل هذا أثبت له أن الوعاء الحزبي الواحد لا يمكن له أن يستوعب التموجات الجديدة في المجتمع .. ومن ثم فإنه كان تدرجاً إلي التعددية من خلال إعلان المنابر السياسية أولا: تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي .. وثانيا: التعدد الحزبي بعد انتهاء عصر التنظيم الحزبي الواحد .
سوف أقفز هنا لأسباب مختلفة علي مرحلة الانتقال من حزب مصر إلي الحزب الوطني .. وصولا إلي تشكيل الحزب الوطني في مرحلته الأولي الذي هو الحزب الحاكم حتي الآن.
ولايمكن إغفال أن الحزب الوطني استفاد بصورة واضحة من كونه أخذ الكثير من ميراث الاتحاد الاشتراكي .. ولا أقصد هنا الأفكار .. والأيديولوجيا .. ولكن أقصد قدرته علي استيعاب فئات اجتماعية مختلفة تحت مظلة سياسية واسعة .. تندرج تحت لواء تيار الوسط المعتدل اقتصاديا وسياسيا .. وبمضي الوقت تدرج ابتعاد الوطني عن الاندماج في الحياة التنفيذية كما كان الحال في أيام الاتحاد الاشتراكي إلي ابتعاده الكامل حاليا عنها.
إن الحزب الذي كان موجودا في عام 0891 بأمينه العام فكري مكرم عبيد ليس هو الحزب القائم حاليا بأمينه العام صفوت الشريف .. لكن الأساس في مضمون التركيبة الاجتماعية التي يضمها هي أنها واسعة إلي حد بعيد .. بحيث يمكن اعتباره مظلة محققة مصالح فئات مختلفة .. تدهش إلي حد كبير في تنوعها واتساعها.
ومن هنا يكتسب الحزب أهميته، وطاقته المحركة، بغض النظر عن اتهامه السابق كحزب يعتمد علي السلطة، أو كما كان يقال بأنه حزب الحكومة، وما أكسبه المصداقية قدرته علي تطوير أدائه .. بحيث إنه حين حقق الاستقلال عن النظام الإداري وانعدمت تقريبا الاعتمادية علي جهاز الدولة .. خصوصا منذ المؤتمر العام في 2002 .. حين حقق ذلك تمكنا من أن يقدم نفسه كمشروع اجتماعي متكامل لكل تلك الفئات وتحقيق التوازن فيما بينها.
وقد يكون من المنتقد نظريا في الحزب كون أن أيديولوجيته غير واضحة .. أو للدقة غير ممكنة التصنيف وفق المقاييس العادية .. لكنه كحزب معبر عن الطبقة الوسطي .. ملتزم بنهج الوسط .. يمنح نفسه القدرة المرنة علي التحرك بين التوجهات السياسية غير المتناقضة .. مرونة لا تؤدي إلي انقلابات شاملة .. وبحيث يؤدي هذا إلي تلبية مصالح الفئات المعبر عنها .. وبما يؤدي إلي حفاظه علي مكاسبها.
في هذا السياق يمكن أن نرصد نموذجا موازيا والقياس مع الفارق في حالة حزب العمال البريطاني الذي استطاع أن يحدث قبل ما يزيد علي عشر سنوات تحولات فكرية ونظرية ثم سياسية .. جعلته قادرا علي أن يغير من الأيديولوجية التي يتبناها .. وبالتالي وفر بمرونة يحسد عليها قدرة تمكنه من التعبير المتجدد عن الفئات الاجتماعية التي يمثلها .. وحكم بريطانيا بعد فترة انقطاع طويلة.
- الأحزاب الحالية
هل يمكن لأي حزب آخر أن يكون قادرا علي التعبير عن كل هذه الفئات الاجتماعية في وقت واحد؟ .. أو هل استطاع حزب بعينه أن يقدم نفسه بديلا .. أو معبرا عن فئات اجتماعية مناقضة ؟.. الإجابة هي النفي .. وعلي العكس من ذلك فإن بقية الأحزاب لاتستطيع أن تكون نافذة تستطيع استقطاب الطبقات والفئات المختلفة .. أو حتي تعبر عن مجموعة اجتماعية دون غيرها.
الحزب الناصري، باعتباره مشروعا يعود إلي خلفية الستينيات، وإلي عصر الحزب الواحد، وعلي الرغم من إعلانه إيمانه بالتعددية، لايتجاوز من ناحية التعبير عن فئات اجتماعية سوي قدر من بقايا المتعاطفين مع المشروع الناصري الحالم .. وبعضا من الأفراد الذين سبق لهم العمل في تلك الفترة .. أو المعلقين بهم .. وفضلا عن هذا فإن مشروعه الأيديولوجي مهزوم من الأصل بسقوط نظرية التنمية التي يتبناها علي مختلف المستويات.
وبخلاف قيادات اجتماعية فردية هنا وهناك .. تنتمي عاطفيا لأيديولوجية الحزب وتتمتع بمكانة تعود إلي مواصفاتها الذاتية .. فإنه يفتقد إلي الانتشار والتمكن والقدرة علي اجتذاب الكوادر.
حزب الوفد، الأميل إلي أن يعبر عن الطبقة الوسطي والرأسمالية القديمة، ليس لديه مشروع اجتماعي متكامل يمثل بديلا، ويفتقد إلي التميز المناقض الذي يعتبر أطروحة تقول للمجتمع إنه يمكن أن يقدم حلا شاملا لكل ما يعترضه من مشكلات .. وهنا أنا أفصل بين حزب الوفد الحالي وبين حزب الوفد الذي كان .. وقد أدي انقطاع وجوده .. والمتغيرات التي طرأت علي المجتمع إلي افتقاده حتي الصلات مع المتعاطفين التاريخيين .. خصوصا بعد رحيل فؤاد سراج الدين بما كان يتمتع به من مكانة وزعامة.
وحتي الصفه الأساسية التي كان يتميز بها الوفد من حيث اعتباره نتاج حالة تمازج بين الهلال والصليب .. ابتعدت عن الوفد .. نتيجة لمواقف متراوحة من الجماعات والتيارات الدينية أفقدته حتي قدرته علي جذب الأقباط إلي صفوفه .. حتي لو كان سكرتيره العام قبطيا.
حزب التجمع يبدو الوحيد المعبر عن فئة اجتماعية أو أكثر، في ضوء ارتباطه أيديولوجيا بالعمال والفلاحين، وأيضا قطاع من المثقفين المنتمين له فكريا .. لكن المشروع الذي يتبناه في الأصل مهزوم بدوره .. خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .. ولاسيما أن الصورة الذهنية العامة عنه لم تتغير علي الرغم من أنه قدم في الآونة الأخيرة أطروحات تقترب به من يسار الوسط.
وعلي الرغم من القدرة التنظيمية التي يتمتع بها التجمع .. مقارنة بغيره من الأحزاب .. وعلي الرغم من أنه يضم قدرا لا بأس به من محترفي السياسة .. إلا أنه يعاني من تفسخات داخلية .. لاسيما أنه مقبل علي مرحلة تحول في القيادة .. طال الوقت أو قصر .. ويعاني من وجود فجوة محتملة ما بين قيادته التاريخية ممثلة في الأستاذ خالد محيي الدين ومن بعده القيادة الحالية د.رفعت السعيد .. وبين المتوقع أن تكون عليه قيادته التالية.
ومع كامل الاحترام لبقيه الأحزاب، ومع كامل التقدير لكل الكيانات التي تحمل لافتات .. إلا من اتهم من أصحابها في جرائم يندي لها الجبين .. فإن الأحزاب الأخري لا تمثل أفكارا واضحة .. ولا تعبر عن طموحات مجتمعية .. ولا عن مشروعات تنموية بديلة .. ولا قيادات يمكن أن تمثل عامل جذب يعوض النقصان في العوامل الأخري.
- التيار الديني
ولايمثل التيار الديني قياسا علي ما سبق ذكره بديلا ممكنا .. يمكن طرحه أمام الناس .. حتي لو حصل علي تصويت غاضب كما جري في انتخابات 5002. وقد تطرقت إلي أبعاد هذا تفصيلا في مقال الأسبوع الماضي (انفجار الإخوان) .. إذ بخلاف كون هذا التيار يفتقد إلي الصفة القانونية المؤهلة له لكي يخوض غمار العملية الديموقراطية بشكل يمكن محاسبته عليه .. فإنه أيضا لا يسعي إلي أن يغير من وضعيته القانونية تلك؛ لأنه أساسا ضد فكرة الحزبية .. وهو حين يلجأ إليها فإنه يستخدمها وسيلة للسطو علي الديموقراطية.. ناهيك عن علاقته العلنية أو السرية مع جماعات الإرهاب في الداخل والخارج.
وفضلا عن عدم صلاحيته الحضارية .. وعدم تأهيله للتعامل الدولي .. وفشل التجارب المماثلة إقليميا .. والنموذج الأقرب إلي مصر جري في السودان ثم في غزة .. حيث كانت وقائع واضحة أمام الرأي العام في مصر .. فإن هذا التيار لايطرح رؤية شاملة يمكن أن تعكس برنامجا شاملا .. ويعبر عن نظرية في التنمية .. ومد الجسور مع العالم والقدرة علي التفاعل مع النظام الدولي.
والأهم من كل ذلك فإن هذا التيار غير قادر علي تلبية المقومات الأساسية للطموح المصري الساعي أولا: إلي التمايز عن الغير إقليميا .. باعتباره يريد أن تصبح مصر وحدة ضمن مشروع للخلافة الإسلامية .. وثانيا: من حيث كونه يهدر حالة التمازج بين عنصري الأمة من الأساس .. وعلي بنية أيديولوجية رافضة لكل دين آخر غير الإسلام .. وأضف إلي ذلك كونه غير قادر علي أن يثبت للمواطن أنه يضمن الاستقرار .. وعدم خوض مغامرات عسكرية وما شابه ذلك من تقلبات.
في المقابل ورغم كل الملاحظات التي تسجل علي أداء الحزب الوطني فإنه قادر علي استيعاب المتطلبات المصرية المختلفة .. خاصة علي صعيد الوحدة الوطنية .. ولاسيما أنه اتجه إلي ترسيخ مبدأ المواطنة علي أساس سياسي ضمن وثائقه ثم علي أساس دستوري من خلال التعديلات الدستورية .. فضلا عن تمسك الحزب بحالة الريادة المصرية الإقليمية وضمانه لعوامل الاستقرار وعدم الخوض في مغامرات يمكن أن تقلب حياة الناس رأسا علي عقب.
- رجل الدولة !
في هذا السياق تبدو فكره تجسيد التداول بمعني أن يترك الحزب الوطني مواقعه لحزب غيره ليست بادية في الأفق القريب .. ليس لأنه متمسك بالسلطة بطريقة احتكارية .. أو لأنه لايقبل التنازل عنها بأي شكل .. ولكن لأن القوي البديلة الملبية لحاجة المجتمع بكل فئاته والقادرة علي حفظ توازناته والتي يمكن أن تتفهم الطبيعة القبلية والعائلية لأماكن كثيرة في مصر .. والملمة بطريقة شاملة بكل مصالحه لم تتبلور بعد.
وبغض النظر عن حالة حقوق الإنسان في الصين، فإن نموذج الحزب الحاكم في الصين .. مع اختلافه عن نموذج الحزب الوطني .. في تركيبته .. واندماجه في داخل جهاز الدولة .. وأيديولوجيته السياسية .. وعدم وجود غيره .. استطاع أن يحافظ علي وجوده في الصين .. وينتقل بها من مرحلة إلي أخري لأسباب مختلفة .. أهمها أنه قادر علي أن يلبي احتياجات كل الفئات الاجتماعية المنضوية فيه .. وأنه كذلك قادر علي أن يتمتع بالمرونة الاقتصادية التي تجعله يحقق عملية التنمية بصورة كفء .. وبحيث لايمكن تصور سيناريو قريب لابتعاده عن السلطة في الصين.
إن التعددية كآلية للديموقراطية والتعبير عن تفاعلاتها .. لابد لها من بيئة اجتماعية واجتهاد سياسي وثقافة عامة تؤدي إلي تجسيدها .. وهي قبل أن تكون تطبيقا لابد أن تكون توجها اجتماعيا عاما .. وليس الأمر مقصورا فقط علي أنه لاتوجد بدائل قادرة علي أن تمثل تحديا متكاملا للحزب الحاكم .. وفي هذا السياق لابد من تسجيل مجموعة من الملاحظات الأخيرة: 1- سوف يحيل البعض في تحليلاتهم المتكررة للقوة التي يستند إليها الحزب الوطني مسألة أن رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب.. تلك نقطة جدلية قديمة ومتكررة .. والرد عليها بسيط .. وهو أن من الطبيعي أن يكون لأي رئيس انتماء حزبي .. بل إن التعديلات الدستورية الأخيرة الهادفة إلي ترسيخ الحياة الحزبية أكدت علي معني مماثل بحيث يكون المرشح للانتخابات منتميا إلي حزب ما.
والنماذج الدولية لا تنفي هذه الظاهرة.. ووجود الرئيس علي رأس حزب يعني أنه ينتمي إلي الفئات الاجتماعية التي يعبر عنها هذا الحزب .. ولا يوجد علي الإطلاق رئيس لا ينتمي إلي كيان سياسي .. فإذا ما كانت المعارضة تشير إلي تلك النقطة باعتبارها ذات تأثير معنوي لصالح الحزب .. فإن هذا أمر مردود عليه بأن هذا لايمثل نقيصة في الحزب، بل يضيف إليه .. فعضو مهم فيه هو الرئيس .. أما إذا كانت الملاحظة هي أن وجود الرئيس يمنح هذا الحزب تميزا ماديا من نوع ما .. فإن القانون هو الحكم في هذا الأمر.
2- لم نصل بعد إلي الحالة السياسية والديموقراطية التي تثبت للناس أن التغيير يمكن ألا يؤدي إلي انقلاب في حياتهم في اليوم التالي .. فكثير من الأحزاب لا تتحدث عن تطوير ما أو تغيير في الأداء إذا ما وصلت إلي الحكم فرضا .. ولكنها تعطي الانطباع بأنها تستهدف قلب النظام حتي ولو كانت تحتكم إلي قواعده وقوانينه .. وهذه ظاهرة تؤثر إلي حد بعيد في ذهنية الناخب الأميل إلي حياة مستقرة .. يسعي إلي تطويرها وليس الانقلاب عليها.
إن وصول المحافظين إلي حكم بريطانيا بدلا من حزب العمال لا يعني علي الإطلاق أن بريطانيا سوف تصبح جمهورية في اليوم التالي .. كما أن وصول المحافظين إلي حكم الولايات المتحدة بدلا من الديموقراطيين لايعني بدوره أن الولايات المتحدة سوف تصبح مملكة في اليوم التالي .. هناك نسق أساسي لصورة الدولة ولطبيعة قواعد المجتمع ينبغي أن يكون مستقرا أنها ليست قيد التغيير الشامل بوصول حزب إلي السلطة بعد حزب آخر .. والتداول في الدول المتقدمة لايعني الإخلال بالتعهدات التي عقدتها الدولة .. ولايؤدي إلي تفكيكها.
علي سبيل المثال فإن عددا من الأحزاب المصرية والقوي السياسية غير الشرعية لديها مواقف معلنة من الصراع العربي الفلسطيني ومن التعامل مع مسألة غزة .. فهل يعني وصولها إلي الحكم أن يتم التضحية بمعايير الأمن القومي المصري ومصالحه بمجرد وصولها؟ .. هل مثلا يمكن أن يتم ضم غزة إلي سيناء؟ .. هل يتم نقض معاهدة السلام؟ .. وكثير من الأسئلة التي تعلن الأحزاب والجماعات إجابتها كل يوم دون أن تدرك أنها تؤثر في اتجاهات ومواقف الرأي العام تجاهها .. وتفجر مخاوف عديدة بهذا الشأن.
3- لايمكن إغفال أن الأحزاب والقوي السياسية تفتقد إلي الشخصيات الجوهرية المؤثرة .. وإلي الكوادر السياسية المقنعة .. والساحة مليئة بكثير من الأسماء .. وهي تستعرض نفسها كل يوم .. وتنقد وتشتم وتعارض .. ولكنها لم تطرح النموذج ذا المصداقية القادر علي جذب الجماهير بعيدا عما لدي الحزب الوطني من طاقات وكوادر .. والقضية ليست في عدد من المثقفين والصحفيين أصحاب الرأي الانتقادي المعترض والرافض .. وإنما في أنه ليس لدي أي من القوي شخصيات تجسد مواصفات رجال الدولة .. التي تقنع الرأي العام بأنها يمكن أن تدير أو تتحمل عبء السلطة دون خوف علي المستقبل .. هذه مسألة جوهرية .. رجل الدولة ليس هو الرجل الذي يحل ضيفا علي برنامج حيث يهاجم الحكومة بعنف .. وهو ليس مذيعا حادا .. أو صحفيا عنيفا .. أو مثقفا لديه مجموعة من الاقتراحات التي لم تختبر جديا .. أو صاحب رأي يلاحقه تاريخه السابق .. أو عالما لم يختبر ذات يوم في أن يدير وحدة محلية وليس دولة.
عبد الله كمال يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة علي موقعه الشخصي
www.abkamal.net
أو علي موقع المجلة :
www.rosaonline.net/weekly
أو علي المدونة علي العنوان التالي:
http//:alsiasy.blogspot.com
Email: [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.