فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما تحمله من حالة عدم يقين جيوسياسى، تعود الأسواق العالمية إلى مربع الحساسية المرتفع، خاصة فى ما يتعلق بالطاقة وحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، بين ارتفاع أسعار النفط، واضطراب الممرات البحرية، وتقلب تدفقات الاستثمارات قصيرة الأجل، تتشكل معادلة اقتصادية معقدة تتطلب قراءة دقيقة ومتوازنة ومصر كونها دولة مستوردة للنفط والغاز، تقع فى قلب هذه المعادلة، حيث تؤثر أى تغييرات على الأسعار العالمية وسعر صرف الجنيه بشكل مباشر على تكلفة الاستيراد، ومعدلات التضخم، وميزانية المواطن، وكذلك على استقرار الأسواق المالية المحلية. ويقول الدكتور على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد الدولى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن مصر باعتبارها دولة مستوردة للنفط ستتأثر بطبيعة الحال بأى ارتفاع فى الأسعار العالمية، موضحًا أن الانعكاسات بدأت تظهر مع تحرك سعر البرميل من مستويات 70 دولارًا إلى 75 و76 دولارًا، مع سيناريوهات متشائمة قد تصل إلى 100 أو 120 دولارًا إذا استمر التصعيد. وأضاف الإدريسى، أن المشكلة ليست فى النفط وحده، بل تتزامن مع تحركات سعر صرف الجنيه أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، ما يزيد عبء التكلفة على فاتورة الاستيراد، وارتفاع سعر النفط العالمى بالتوازى مع انخفاض قوة الجنيه يعنى مضاعفة تأثير الأسعار على الاقتصاد الوطني. ولفت إلى، أن الدولار الذى كان عند مستويات 47 جنيهًا تحرك إلى 48 ثم إلى حدود 50 جنيهًا، مع احتمالية تجاوز هذا المستوى فى ظل استمرار حالة التوتر وعدم وضوح أفقها الزمني. وأشار الإدريسى إلى أن التصعيد الإقليمى أصبح يأخذ طابع "الفعل ورد الفعل"، وهو ما يعزز حالة عدم اليقين فى المنطقة، ويؤثر مباشرة على توقعات الأسواق العالمية للطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار المحلية. « الملاحة العالمية فى دائرة المخاطر.. وقناة السويس تراقب مسارات السفن البديلة». وأوضح الإدريسى أن أى اضطراب فى ممرات الطاقة العالمية مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس مباشرة على تكلفة الشحن والتأمين البحرى، وهو ما يؤدى إلى زيادة التكلفة النهائية للسلع، وأضاف أن قناة السويس، باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبى لمصر، قد تتأثر؛ إذا تراجعت حركة الملاحة أو اتجهت السفن إلى طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح، كما حدث فى أزمات دولية سابقة. كل ذلك يرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ويترجم فى النهاية إلى زيادة أسعار السلع للمستهلك. وفيما يخص الغاز، أشار الإدريسى، إلى إعلان إسرائيل وقف إمدادات الغاز المسال لمصر ضمن بند "الظروف القهرية" المعترف به فى عقود التجارة الدولية أثناء حالات الحرب، ما دفع مصر إلى الاعتماد على السوق العالمية، فى وقت تشهد فيه الأسعار العالمية ارتفاعًا نتيجة التوترات، مما يمثل ضغطًا إضافيًا على التكلفة. وأكد الإدريسى، أن آلية تسعير المحروقات فى مصر تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية وهى: سعر النفط عالميًا، سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتكاليف النقل والشحن والتكرير. ومع تأثر هذه العناصر الثلاثة فى الوقت الراهن، فإن احتمالية الضغط على الأسعار تبقى قائمة؛ إذا استمرت الأزمة لفترة ممتدة، مع انعكاسات محتملة على معدلات التضخم وميزانية المواطنين. «من الأموال الساخنة إلى الاستثمار طويل الأجل… كيف تعيد التوترات رسم خريطة التدفقات»؟ وتطرق الإدريسى إلى ملف الاستثمارات، موضحًا أن الشهر الماضى شهد خروج حوالى 1.6 مليار دولار من الأموال الساخنة، وهى استثمارات أجنبية قصيرة الأجل غالبًا فى أدوات الدين الحكومى، إضافة إلى نحو 260 مليون دولار مؤخرًا. وأوضح، أن هذا النوع من الاستثمارات سريع الحركة ويتأثر بحالة عدم اليقين، ويضغط على سوق الصرف، لكنه يعكس سلوكًا تقليديًا لرؤوس الأموال فى أوقات التوتر. وأشار الإدريسى، إلى خفض البنك المركزى لسعر الفائدة بنسبة 1% فى اجتماعه الأخير، مؤكدًا أن التثبيت كان أكثر توازنًا فى ظل التوترات الإقليمية للحفاظ على الاستقرار النقدى، متوقعًا أن يتجه البنك المركزى قريبًا إلى تثبيت أسعار الفائدة إذا استمرت حالة عدم اليقين. وتحدث عن الفرق بين الاستثمار الأجنبى المباشر وطويل الأجل، مثل إنشاء مصانع وشركات، الاستثمار غير المباشر قصير الأجل (Hot Money)، مشيرًا إلى أن المستثمر طويل الأجل يحتاج إلى استقرار أكبر ووضوح فى السياسات الاقتصادية، وأن أى حرب أو توتر إقليمى ينعكس على قرارات التوسع والاستثمار، مما يقلل العوائد غير المباشرة مثل توفير العمالة ونقل التكنولوجيا واستغلال الموارد المحلية. كما أوضح أن حروب وتوترات المنطقة تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، وتزيد تكلفة النقل والشحن والتأمين البحرى، خاصة إذا اضطرت السفن تغيير مساراتها. كل هذا ينعكس على الأسعار العالمية للسلع، ويؤثر على التضخم فى العديد من الدول، بما فيها مصر. «إدارة المخاطر والرقابة على الأسواق… الرهان الحقيقى للحكومة». وأشاد الإدريسى بتأمين الحكومة لاحتياجاتها من النفط والغاز والسلع التموينية قبل تصاعد الأحداث، مؤكدًا أن ذلك يعكس استعدادًا مبكرًا، لكنه شدد على أهمية وجود سيناريوهات زمنية واضحة للتعامل مع الأزمة، سواء كانت ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو أكثر. كما دعا الإدريسى إلى تعزيز الرقابة على الأسواق خلال هذه الفترة لمنع أى زيادات غير مبررة فى الأسعار، وتفعيل أدوات الرقابة والعقوبات الرادعة، ولفت إلى أهمية تطوير المجمعات الاستهلاكية، والاستفادة من التطبيقات الإلكترونية لتسهيل وصول السلع بأسعار مناسبة، إلى جانب تقليل الاعتماد على الاستيراد تدريجيًا وتعزيز الإنتاج المحلى، خصوصًا فى ظل تكرار الأزمات العالمية. واختتم الإدريسى حديثه بالتأكيد على أن المنطقة اعتادت المرور بأزمات كبرى، وأن التحدى الحقيقى يتمثل فى إدارة المخاطر وبناء خطط طويلة الأجل تعزز مرونة الاقتصاد، وتحافظ على استقرار السياسات النقدية والمالية، وتدعم قدرة الدولة على حماية مصالحها الاقتصادية وتأمين حركة التجارة والملاحة الدولية فى ظل مشهد إقليمى متغير. 2