يكتسب حفل «باد باني» في سوبر بول أهميته لأسباب عدة، فهو الفنان الأكثر استماعًا في العالم، محققًا ما يقارب 11 مليار مشاهدة سنويًا على يوتيوب، فضلًا عن كونه الأكثر حضورًا على مختلف المنصات الرقمية عالميًا. ولا يقل عن ذلك إنجاز فني مهم، فهو الحاصل على جائزة «ألبوم العام» من الجرامي عن ألبومه Debí Tirar Más Fotos، ليصبح أول ألبوم ناطق بالإسبانية بالكامل يفوز بهذه الجائزة. ويُعد الحفل أيضًا سابقة تاريخية، إذ نشهد للمرة الأولى عرضًا غنائيًا كاملًا باللغة الإسبانية في قلب (الولاياتالمتحدةالأمريكية). حتى «شاكيرا»، رغم حضورها اللاتيني الواضح، كانت تقدم عروضًا ثنائية اللغة، تجمع بين الإنجليزية والإسبانية، وحتى مشاركة «ليدي جاجا»، التي تحمل الجنسية الأمريكية وظهرت كضيفة شرف، كانت الموسيقى خلفها تحمل هوية لاتينية صريحة. الرقصات، والأزياء، والاستعراضات، وحتى اختيارات الراقصات أنفسهن، من حيث تصفيفات الشعر، وتكوينات الجسد، والملامح، والإيماءات التعبيرية في الوجه... كل ذلك كان لاتينيًا بوضوح لا يحتاج إلى تأويل. وقدّم الحفل أيضًا تحية مباشرة لنجوم لعبوا دورًا حاسمًا في الانتشار العالمي لأنماط موسيقية لاتينية، وعلى رأسها الريجاتون، مثل «دادي يانكي» و«دون عمر»، إلى جانب «ريكي مارتن» الذي شارك بنفسه في العرض. بطبيعة الحال، ظهرت اعتراضات سياسية، وترافقت تلك الاعتراضات مع موجة انتقادات من التيار المحافظ في (الولاياتالمتحدة)، خصوصًا في ظل حقيقة أن نحو 20 ٪ فقط من السكان من ذوي الهوية اللاتينية، إلى جانب تعليقات ساخرة بسبب اللغة الإسبانية التي قد لا يفهمها كل الجمهور. لكن ما أزعج الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ليس اللغة أو عدد المشاهدين فحسب؛ فهو يرى (الولاياتالمتحدة) كدولة منفصلة، تتمتع بالسيادة الكاملة على العالم، وهي البطل الأول والأخير، بينما البقية مجرد كومبارس. لذلك، كان أداء «باد باني» مستفزًا لكل القيم التي يتصورها «ترامب» عن بلاده. المرة الوحيدة التي تحدث فيها «باد باني» بالإنجليزية كانت أثناء إلقاء جملة «God bless America» أي «حفظ الله أمريكا»، وهو هنا لا يقصد (الولاياتالمتحدة) فحسب بل يشير إلى القارة الأمريكية الكبرى الموحدة، وهو ما أكدته وسائل الاعلام في الدول التي ظهرت في الاستعراض، والذي ضم أكثر من 20 دولة في أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية. وبهذا يوجّه رسالة سياسية ضمنية ضد سياسات «ترامب». كما ركل كرة القدم الأمريكية وكتب عليها: «معًا نحن أمريكا»، مؤكدًا أن المقصود ليس الولاياتالمتحدة وحدها، بل أمريكا الجامعة. الحفل شهد أيضًا أداءً مبهرًا لأغنية NUEVAYoL من ألبومه الأخير، الفائز بالجرامي، وهي جائزة أمريكية الصنع، والغناء فيها أيضًا يتقاطع مع الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي الذي يتسم بنبرة معارضة ومناهضة للمهاجرين، لا سيما القادمين من (أمريكا اللاتينية)، بينما تحتفي الأغنية بوضوح بثقافة (بورتو ريكو) ومهاجريها إلى (نيويورك)، متحدية الهيمنة الأمريكية في كلماتها وإيقاعاتها اللاتينية (ريجاتتون وديمبو)، التي لا تنتمي بأي شكل إلى الثقافة الأمريكية الموسيقية التقليدية. بل تغنى بمواضيع مثيرة للجدل، مثل الكوكاين الأبيض، في تحدٍّ مباشر للسياسات الأمريكية الحالية. كما قدّم «باد باني» عرضًا استعراضيًا أثناء غناء El Apagón، التي تنتقد انقطاع الكهرباء في (بورتو ريكو)، وظهر وهو يتسلق أعمدة الكهرباء، لتكون رسالته السياسية واضحة ومباشرة. كل هذه الرسائل تتقاطع مع سياسات (الولاياتالمتحدة) وخصوصًا مع سياسات الإدارة الحالية ، وقد ظهرت في قلب (الولاياتالمتحدة) خلال أهم حدث موسيقي لديها. لذا، لم يكن مستغربًا أن يغضب «ترامب» ويصف الحفل بأنه «لا يعكس معاييرنا في النجاح والإبداع أو التميّز»، ويمثل «إهانة لعظمة أمريكا». لكن ما يقصده ترامب هو أمريكا الضيقة «الولاياتالمتحدة»، بينما ما قصده «باد باني» هو أمريكا الكبرى التي تشمل كل القارة. 2