أعاد البيان الصادر عن اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية (USCIRF) بتاريخ 28 يناير 2026 إدراج مصر على ما يعرف ب «قائمة المراقبة الخاصة»، بزعم تصاعد القيود المفروضة على حرية الدين أو المعتقد، خاصة بحق الأقليات الدينية وغير المؤمنين. ورغم أن هذا النوع من البيانات بات مألوفًا فى الخطاب الأمريكى تجاه عدد من دول الشرق الأوسط بشكل خاص، ودول العالم بشكل عام.. فإن خطورته هذه المرة لا تكمن فقط فى مضمونه، بل فى التوقيت والسياق والمنهج التحليلى الذى اعتمده، والذى يعكس خللًا فى طريقة تناول ملف الحريات الدينية حين يتحول من قضية حقوقية إلى وسيلة وأداة للضغط السياسى. التعامل الجاد مع هذا البيان لا يقتضى رفضه فى مجمله باعتباره استهدافًا خارجيًا، ولا القبول به بوصفه تجسيدًا دقيقًا للواقع، بل يستوجب تحليله سياسيًا وقانونيًا، والتعامل معه فى سياقه، ومقارنته بالواقع الفعلى المصرى، ومع الاعتراف الصريح بنقاط الخلل الداخلية وتحميل المسئولية للحكومة حينما يثبت التقصير. حدود المرجعية.. من الأهمية فى البداية، أن نحدد الطبيعة المؤسسية للجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية. هذه اللجنة ليست هيئة تابعة للأمم المتحدة، ولا آلية رقابية أممية متوافق عليها، ولا هى جهة قضائية أو شبه قضائية، بل هى هيئة تم إنشاؤها بقرار من الكونجرس الأمريكى، وتعمل ضمن سياق الإطار العام للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتقدم توصيات غير ملزمة للإدارة الأمريكية، ولكنها فى الوقت نفسه يتم توظيفها حسب المصلحة الأمريكية. هذا التحديد لا علاقة له بأهمية ملف الحريات الدينية، ولكنه يضع تقارير هذه اللجنة فى مكانها الصحيح باعتبارها وثائق سياسية ذات مظلة حقوقية، وليست تقارير قانونية محايدة ومعتمدة. وبناء عليه، فإن أى تعامل معها باعتبارها مرجعية أخلاقية.. يتجاهل طبيعة النظام الدولى المرتكز على المصالح والتوازنات. تسييس الحريات الدينية.. البيان الصادر عن اللجنة.. يعكس نمطًا متكررًا فى الخطاب الأمريكى دون أى تغيير، يقوم على استخدام المصطلحات الحقوقية بشكل عام، مثل «الحرية الدينية» بصورة انتقائية، تصعد أو تخفف وفقًا لحالة العلاقات السياسية مع الدولة المعنية، مصر، بوصفها دولة محورية إقليميًا، وذات سياسات مستقلة نسبيًا فى ملفات إقليمية حساسة.. كثيرًا ما تتعرض لهذا النوع من الضغط المتكرر. الملاحظ أن البيان لم يقدم تعريفًا إجرائيًا دقيقًا لما وصفه بأنه «تصعيد منهجي»، ولم يطرح معايير أو مؤشرات كمية أو مقارنات.. تبرر إعادة إدراج مصر على قائمة المراقبة المزعومة. بل اعتمد على نماذج من التجاوزات لحالات فردية، جرى تعميمها سياسيًا دون تحليل قانونى دقيق للسياق الذى وقعت فيه. ازدواجية المعايير.. أحد أبرز أوجه الضعف فى بيان اللجنة يتمثل فى ازدواجية المعايير، ففى الوقت الذى تسلط فيه الأضواء على مصر.. تتجاهل اللجنة أحوال أقليات دينية فى دول حليفة لواشنطن، حيث تمارس قيود مؤسسية واضحة على حرية المعتقد أو التعبير الدينى.. دون أن يترتب على ذلك إدراج أو تصنيف مماثل. هذا الخلل، لا يمكن تفسيره.. سوى باعتباره انعكاسًا لاعتبارات سياسية، مما يضعف مصداقية الخطاب الحقوقى التقليدى نفسه، ويوظفه من كونه أداة للدفاع عن حقوق الإنسان إلى وسيلة للسيطرة وإدارة النفوذ. تحدى الاستقرار.. الواقع المصرى يؤكد أن الدولة لم تتبن سياسة اضطهاد دينى ممنهج.. على مدار العقد الأخير، وحافظت مصر على نموذج الدولة الوطنية الجامعة فى محيط إقليمى.. شهد انهيارات طائفية واسعة، ولم تسمح بتحول التعدد الدينى إلى مدخل لصراع أهلى أو تفكك اجتماعى، كما اتخذت الدولة خطوات تشريعية وتنفيذية مهمة لتحسين أحوال المواطنين المسيحيين المصريين، من بينها تقنين ملف الكنائس، وتسهيل إجراءات بنائها، ودعم التمثيل السياسى، وتبنى خطاب رسمى غير مسبوق من قبل.. يؤكد مبدأ منظومة المواطنة الكاملة. هذه الإنجازات.. لا يجوز إسقاطها أو تجاهلها من أى تقييم موضوعى. النص الدستورى.. فجوة التطبيق.. الحقيقة، إن الإشكالية.. لا تكمن فى النصوص الدستورية التى تكفل حرية العقيدة، بل فى كيفية تطبيق بعض القوانين الجنائية، وعلى رأسها المادة 98 من قانون العقوبات، والتى تشير إلى قانون «ازدراء الأديان». هذه المادة.. رغم أن فلسفتها المعلنة.. تتمثل فى حماية السلم المجتمعى ومنع التحريض الطائفى، فإنها تعانى من غموض شديد فى تعريف مفهوم «الازدراء»، مما يسمح بتفسيرات واسعة المدى.. يستخدمها البعض بشكل قانونى لتقييد حرية الرأى والتعبير، خاصة فى القضايا ذات الطابع الفكرى أو الدينى. هذا الخلل.. تشريعى وتنفيذى بالدرجة الأولى، وتتحمل الحكومة المسئولية الكاملة لتصويب هذا الخطأ. أوغسطينوس سمعان.. قضية المواطن المسيحى المصرى «أوغسطينوس سمعان» التى أشار إليها بيان اللجنة.. تعد مثالًا كاشفًا لإشكالية فجوة تطبيق النص الدستورى. الحكم الصادر بحقه بالسجن لمدة خمس سنوات على خلفية محتوى منشور عبر الإنترنت يثير تساؤلات جدلية حول مبدأ النسبية بين الفعل والعقوبة، وحدود التجريم، ودور القضاء فى قضايا التعبير. تحويل هذه القضية إلى دليل على اضطهاد دينى ممنهج.. يمثل توظيفًا سياسيًا غير دقيق. القضية هنا تعكس خللًا فى التشريع وآليات التطبيق، وليست سياسة دولة تستهدف المواطنين المسيحيين المصريين بسبب معتقدهم الدينى، وهنا يجب الفصل بين نقد الحكم القضائى ومسئولية الدولة. المحاكمات العادلة.. تعرض البيان إلى تأجيل جلسة الاستئناف، وهو ما يشير إلى فتح ملف ضمانات المحاكمة العادلة، ورغم أن التأجيل قد يكون مبررًا إجرائيًا، فإن تكراره فى قضايا ذات حساسية حقوقية.. قد يستخدم للترويج لسرديات سلبية عن النظام القضائى. ولذا فإن معالجة هذه المسألة لا تكون بالدفاع الخطابى التقليدى، بل بتطوير آليات التقاضى وتسريع الفصل فى القضايا ذات الطابع الحقوقى. حدود تدخل الدولة.. أشار البيان أيضًا إلى ما وصفه بالضغوط التى تمت ممارستها ضد المنتمين للطائفة الأحمدية للتخلى عن معتقداتهم. هذا الملف بالغ الحساسية، ويمس جوهر مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. ومع مراعاة مبدأ أنه حتى فى ظل وجود مؤسسات دينية رسمية، فلا يجوز للدولة أو للمؤسسات المدعومة منها ممارسة الإكراه الدينى أو السماح به. وإذا ثبتت مثل تلك الممارسات، فإنها تمثل انتهاكًا صريحًا لنصوص ومواد الدستور المصرى، وتتحمل الحكومة حينها المسئولية الكاملة فورًا، ومحاسبة المسئولين عنها، والفصل الواضح بين الدور الدينى والدور الأمنى. المواطنون المسيحيون المصريون.. الضغط على إقحام أحوال المواطنين المسيحيين فى مصر ضمن سياق إقليمى مقارن.. يكشف عن صورة أكثر توازنًا. واللافت أن هناك دولا عديدة بالشرق الأوسط.. تقلص فيها الوجود المسيحى بصورة دراماتيكية بسبب الحروب الأهلية وصعود الجماعات المتطرفة والانقسامات الطائفية. فى مقابل كل ما سبق، حافظ المواطنون المسيحيون فى مصر على وجودهم العددى والاجتماعى، ولم يتحولوا إلى أقلية معزولة أو ملف للوصاية والحماية الدولية. هذا لا يعنى أن أحوالهم بلا مشكلات، لكنه يؤكد أن الدولة المصرية، بخلاف غيرها، لم تسمح بتفكيك المجتمع على أسس دينية، ولم يتم استخدامهم كورقة ضغط سياسية داخليًا أو خارجيًا. المواطنة.. الواقع أم المأمول؟ إن التقدم النسبى فى تفتيت تحديات المواطنين المسيحيين المصريين.. لا يعفى الحكومة من واجبها الدستورى فى تحقيق المواطنة الكاملة. لا شك أن بعض الممارسات على مستوى المحليات أو الأجهزة التنفيذية لا تزال تعكس قصورًا فى شيوع مبدأ المساواة.. سواء فى تطبيق القانون أو فى إدارة الأزمات والتوترات الطائفية، قطعًا، هذه الممارسات لا تعبر عن سياسات الدولة المصرية وفلسفة دولة 30 يونيو، غير أنها تضعف الثقة وتفتح الباب أمام الترويج لتقارير خارجية. المسئولية الحكومية.. المسئولية الأساسية فى هذا الملف تقع على عاتق الحكومة المصرية بالدرجة الأولى.. بوصفها الجهة المنوط بها مراجعة التشريعات، وضبط أداء الأجهزة التنفيذية، وتجديد الفكر الدينى الرسمى، وتدريب الكوادر على إدارة التنوع الدينى. ولذا علينا بيان الفرق من أن تحميل الحكومة هذه المسئولية.. لا يعنى الطعن فى الدولة المصرية. إن أخطر ما فى التقارير الدولية ليس مضمونها، بل الفراغ الداخلى الذى تستند إليه. فكلما تأخر الإصلاح التشريعى والمؤسسى، زادت قابلية الدولة للتعرض للضغط الخارجى. والعكس صحيح.. إن إرادة الإصلاح الحقيقى من الداخل هى أقوى أدوات الدفاع عن السيادة الوطنية. نقطة ومن أول السطر.. بيان لجنة الحريات الدينية الأمريكية.. لا يمثل حكمًا نهائيًا، ولا مرجعًا أخلاقيًا، بل هو بمثابة وثيقة سياسية.. تعكس رؤية ومصالح محددة. والرد الجاد عليها لا يكون بالنفى والإنكار أو بالتصعيد، ولكن ببناء الدولة المدنية المصرية.. التى تصان فيها حقوق جميع المواطنين، وتسقط فيها كافة المحاولات أمام أى توظيف سياسى خارجى لملفات الحريات. الدولة القوية ليست تلك التى تنكر الأخطاء وتنفيها، ولا تلك التى تخضع للوصاية والحماية، بل تلك التى تملك الشجاعة للإصلاح، والثقة فى القدرة على الجمع بين السيادة والعدالة بوصفهما شرطين لا ينفصلان لاستقرار المجتمع وبقاء الدولة.. مثلما فعلت دولة 30 يونيو من إنجازات غير مسبوقة.. تستحق الاستمرار والاستكمال. 1