لم يدخل إمام عاشور دائرة الأزمة من باب فنى، ولا بسبب تراجع مستوى، ولا حتى نتيجة مباراة خاسرة أو أداء باهت فى أمسية عابرة. الأزمة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمة سلوك وانتماء وحدود، أزمة لاعب بدا وكأنه اختبر -عن قصد أو عن سوء تقدير- الخط الفاصل بين الموهبة والالتزام، وبين حق اللاعب فى التألق وواجب الخضوع للفكرة. من قمة المجد، حيث كان إمام عاشور نجم الشباك الأول فى الكرة المصرية بلا منازع، ولاعب الوسط الأكثر اكتمالًا وتأثيرًا، القادر على الجمع بين الصلابة الدفاعية والحسم الهجومى، إلى حافة الهاوية، حيث صار اسمه مقرونًا باتهامات ثقيلة: التمرد، الخذلان، والخروج عن الصف. السلوك أهم من الموهبة فى الأهلى، لا تُقاس القيمة بعدد الأهداف، ولا بقوة التسديد، ولا حتى بالتأثير الفنى المباشر. القيمة الحقيقية تُقاس بشىء واحد لا يقبل التأويل: الالتزام الكامل بالفكرة. فنيًا، لا خلاف على إمام عاشور. لاعب «بوكس تو بوكس» مكتمل، يمتلك شراسة الالتحام، وذكاء التمركز، والقدرة على صناعة الفارق فى المساحات الضيقة، فضلًا عن حضور ذهنى وبدنى نادر. لكن كل هذه الميزات تفقد معناها فور اختلال ميزان الالتزام، أو حين يظن اللاعب أن تفوقه الفنى يمنحه مساحة خاصة خارج النص. نجم الجماهير وقفص المحاسبة المفارقة القاسية أن جماهير الأهلى نفسها هى من صنعت نجومية إمام عاشور. هتفت له، دافعت عنه، وتغاضت عن بعض زلاته، فقط لأنه كان «يُقاتل من أجل القميص». لكن اللحظة التى تشعر فيها هذه الجماهير بأن اللاعب لم يعد يؤدى بنفس الروح، أو يتعامل مع قميص الأهلى كأمر قابل للتفاوض، تتحول العلاقة فورًا من دعم غير مشروط إلى محاسبة صارمة. وهنا بدأ اسم إمام عاشور يُتداول فى سياق مألوف فى تاريخ الأهلى: لاعب موهوب… لكنه لم يفهم القاعدة. محكمة المدرجات ما جرى فى مباراة الأهلى والبنك الأهلى لم يكن انفعالًا لحظيًا، ولا رد فعل على لقطة واحدة. الهتافات التى سبقت اللقاء بساعة كاملة كانت قرارًا جمعيًا واعيًا. جماهير الأهلى الحاكم بأمره وعندما تختار أن تهتف ضد لاعب قبل انطلاق المباراة، فهى لا تهاجمه بقدر ما توجه له إنذارًا أخيرًا: إما العودة إلى الصف، أو الخروج من المشهد. الأهلى فوق الجميع شعار يُطبَّق لا يُردَّد حين استدعت الجماهير كلمات صالح سليم، لم تكن تستحضر الماضى للزينة، بل كانت تفعّل قاعدة لا تسقط بالتقادم: الأهلى فوق الجميع هذا الشعار لم يكن يومًا جملة إنشائية، بل مبدأ حاكم، دفع النادى ثمنه مرارًا دون تردد، حفاظًا على هيبته وروحه. دروس التاريخ جمال عبد الحميد، محمد عباس، جمال عبد العظيم. نجوم كبار، خرجوا فى عز عطائهم، لأن شيئًا ما انكسر فى العلاقة. إبراهيم سعيد، رامى سعيد، أحمد صلاح حسنى. مواهب لامعة، لكن التمرد سبق الحكمة. وفى المقابل، صعدت أسماء شابة بلا ضجيج، لأنها امتلكت ما هو أثمن من الموهبة: الانضباط، والقبول بالفكرة. حتى الأساطير خضعت للقاعدة محمد أبو تريكة، نجم نجوم جيله، لم يكن فوق القانون. حين خالف القرار الجماعى، مُنع من شارة القيادة للأبد، وقع عليه جزاء مالى واضح، دون حساب لشعبيته الجارفة. الرسالة كانت -ولا تزال- قاطعة: لا أحد أكبر من الأهلى. وسام أبو على… الدرس الأقرب زمنيًا وسام أبو على كان نموذجًا صارخًا. هداف الدورى، محبوب الجماهير، ثم فجأة تمرد، وسعى للرحيل بمعرفة وكيله، على أمل أن تضغط الجماهير لصالحه. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. الجماهير أسقطته أولًا، ثم تُرك بلا غطاء، وبلا تعاطف، وبلا عودة. وهنا تكمن خطورة اللحظة بالنسبة لإمام عاشور: أن يظن أن موهبته ستحميه، بينما تاريخ الأهلى يؤكد أن الموهبة لا تحمى من يضع نفسه فوق الكيان. لحظة الاختيار الأخير إمام عاشور يقف اليوم أمام مفترق طرق لا ثالث لهما: إما استيعاب الرسالة، والعودة لاعبًا ملتزمًا، مقاتلًا، خاضعًا للفكرة. وإما الإصرار على السير فى طريق «مدرسة المشاغبين»، حيث النهاية دائمًا واحدة مهما اختلفت الأسماء. جماهير الأهلى لا تكره إمام عاشور، لكنها ترفض أن ترى لاعبًا -أى لاعب- يضع نفسه يومًا فوق الشعار. وفى نادٍ صنع تاريخه بالانضباط قبل البطولات، والالتزام قبل النجومية، يبقى السؤال مفتوحًا، واضحًا، وحاسمًا: هل يستوعب إمام عاشور الدرس قبل فوات الأوان؟ أم يضيف اسمه إلى قائمة طويلة من المواهب التى سقطت.. لأنها توهمت أنها فوق الأهلى؟