مرت بريطانيا بأسبوع من الجدل الساخن، بسبب الترحيب الذى أبداه رئيس وزرائها كير ستارمر بعودة الناشط المصرى / البريطانى علاء عبد الفتاح إلى لندن، فلم يكن الترحيب سوى لحظة من نشوى سياسية سرعان ما انقلبت إلى عاصفة انتقادات غير مسبوقة، تكشف عن واحدة من أكثر صور الازدواجية وضوحًا فى الخطاب الغربى. الرجل الذى طالبت صحف بريطانية كبرى، ونواب فى البرلمان، وحكومات متعاقبة لسنوات بالإفراج عنه، أصبح فجأة متهمًا، ومثيرًا للحرج، بل ومطلوب ترحيله وإسقاط جنسيته. التحول لم يكن تدريجيًا، بل كان صادمًا وسريعًا، كأنه إعلان غير مباشر بأن «السلعة» التى جرى الترويج لها طويلًا باعتبارها رمزًا لحقوق الإنسان، لم تعد صالحة للاستهلاك السياسى الداخلى، وبدا المشهد أشبه بمقولة: «بضاعتكم رُدّت إليكم». مشكلة سياسية لسنوات، تصدّر اسم علاء عبد الفتاح عناوين الصحف البريطانية بوصفه «سجين رأى» و«ناشط ديمقراطى»، ووقّع عشرات النواب، بينهم قيادات بارزة فى حزب المحافظين، رسائل رسمية تطالب الحكومة المصرية بالإفراج عنه، رغم أن عقوبته تتعلق بقضايا جنائية. على مدار سنوات، شكّلت قضية علاء عبد الفتاح واحدة من أبرز القضايا التى ضغطت من خلالها حكومات غربية، وعلى رأسها بريطانيا، على مصر، باعتبارها نموذجًا لما تصفه تلك الحكومات ب«الاحتجاز على خلفية سياسية». وبعد حصول «عبد الفتاح» على الجنسية البريطانية عام 2021، تصاعد الاهتمام بالقضية داخل البرلمان البريطانى، وتحولت إلى ملف قنصلى «طويل الأمد»، كما وصفته وزارة الخارجية البريطانية نفسها، وشارك فيه رؤساء وزراء ووزراء خارجية متعاقبون. لكن هذا المسار الذى بدأ -من وجهة النظر البريطانية- منسجمًا مع خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان، تعرّض لهزة قوية مع ظهور تغريدات تاريخية قديمة لعلاء عبد الفتاح، وُصفت رسميًا بأنها «بغيضة ومزعجة للغاية»، خاصة فى ظل حساسية السياق المتعلق بتصاعد معاداة السامية والهجمات الأخيرة ضد اليهود فى بريطانيا وحول العالم. صحف مثل الجارديان والإندبندنت وبى بى سى لعبت دورًا محوريًا فى بناء تلك الصورة، وقدّمت قضيته باعتبارها اختبارًا لمدى التزام بريطانيا بقيم حقوق الإنسان. لكن ما إن وصل عبد الفتاح إلى لندن، ووجّه كير ستارمر رسالة شكر رسمية للرئيس عبد الفتاح السيسى، حتى انقلب السحر على الساحر، الترحيب نفسه أصبح محل هجوم، لا بسبب مصر هذه المرة، بل بسبب علاء. القنبلة المؤجلة تفجّرت الأزمة بعد إعادة تداول تغريدات قديمة لعلاء عبد الفتاح، وُصفت فى الإعلام البريطانى بأنها معادية للسامية، وتحض على الكراهية والعنف، وهنا تحركت ماكينة سياسية وإعلامية كانت حتى وقت قريب فى صف المطالبة بالإفراج عنه. صحيفة التليجراف قادت الهجوم المحافظ، وفتحت ملف منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعى، معتبرة أن الحكومة «تغاضت» عن مواقف لا تتسق مع القيم البريطانية. أما «بى بى سى» فنقلت عن مسؤولين حكوميين قولهم إن رئيس الوزراء ووزراءه «لم يكونوا على علم» بتلك التغريدات، فى محاولة واضحة للتنصل من تبعات الترحيب به. دعوات للترحيل التحول الأبرز جاء من شخصيات كانت من أشد الداعمين لعلاء عبد الفتاح، السير إيان دنكان سميث، الزعيم المحافظ السابق، أعلن صراحة ندمه على توقيع رسالة تُطالب بالإفراج عنه، وقال: إنه لو كان يعلم بمضمون تلك الآراء «البغيضة» لما دعم قضيته أصلًا. أما روبرت جينريك، وزير العدل فى حكومة الظل، فذهب أبعد من ذلك، مطالبًا بإجبار علاء عبد الفتاح على مغادرة بريطانيا، قائلًا: إن الحكومة «احتفت بشخص يكره بريطانيا وكل ما تمثله»، فى خطاب يعكس انتقال القضية من ملف حقوقى إلى عبء أمنى وسياسى. حتى وزارة الخارجية البريطانية أدانت منشوراته، فيما وصف مجلس العموم تصريحاته بأنها «متطرفة» وتشكل تهديدًا، خصوصًا لليهود البريطانيين. اللافت أن الصحف نفسها التى صنعت صورة «الناشط المضطهد» شاركت فى تفكيكها. الجارديان تحدثت عن «أسئلة محرجة» تواجه الحكومات البريطانية المتعاقبة، وكأن المشكلة ليست فى التناقض، بل فى سوء التقدير. سكاى نيوز ركزت على اعتذار علاء عبد الفتاح، وقدّمته باعتباره محاولة لاحتواء أزمة أخلاقية لا سياسية. هكذا، انتقل الخطاب من الدفاع غير المشروط، إلى تحميل المسؤولية للفرد، فى تبرئة ضمنية للمؤسسة السياسية والإعلامية التى تجاهلت تلك الآراء لسنوات. فى مواجهة العاصفة، خرج علاء عبد الفتاح باعتذار، وصف فيه تغريداته القديمة بأنها صادرة عن «شاب غاضب»، ومتأثر بثقافة عدائية على الإنترنت، مؤكدًا أنه لم يقصد التحريض أو الإساءة. لكن الاعتذار لم يُنهِ الجدل، بل أكد أن المشكلة لم تعد فيما قاله، بل فى كونه قاله أصلًا، وفى توقيت لم يعد الغرب قادرًا على تحمّله، حتى إيلون ماسك دخل على الخط، بتعليق ساخر مقتضب «Wow»، عكس حجم التناقض الذى بات واضحًا للجميع. اعتراف بالفشل فى خطاب رسمى موجّه إلى رئيسة لجنة الشئون الخارجية بمجلس العموم، النائبة إميلى ثورنبيرى، أقرت وزيرة الخارجية والكومنولث والتنمية، إيفيت كوبر، بوجود «فشل غير مقبول» داخل وزارتها فى التعامل مع تلك القضية. وأكدت أن لا هى ولا رئيس الوزراء، ولا نائب رئيس الوزراء، ولا حتى وزراء سابقين، كانوا على علم بهذه التغريدات عند الإدلاء بتصريحات علنية داعمة لعلاء عبد الفتاح فى السابق، بل إن موظفى الخدمة المدنية المسؤولين مباشرة عن الملف لم يكونوا على علم بها أيضًا. هذا الاعتراف العلنى كشف حجم الإرباك داخل واحدة من أكثر الوزارات حساسية فى الحكومة البريطانية، وطرح تساؤلات حول مدى كفاءة ما يُعرف بإجراءات «العناية الواجبة» أو التدقيق، الذى يفترض أن يسبق أى تبنٍ سياسى أو دبلوماسى لقضية مثيرة للجدل. «كوبر» لم تحاول التقليل من خطورة الأمر، بل ربطت بين توقيت ظهور التغريدات وبين منشورات لمسؤولين بريطانيين كبار فى يوم «بوكسينج داى» (26 ديسمبر) رحّبوا فيها بما اعتبروه نهاية القضية ولمّ شمل عبد الفتاح بعائلته. واعتبرت أن هذا التزامن زاد من «لضيق العميق والمفهوم» الذى شعرت به الجاليات اليهودية فى بريطانيا، مقدّمة اعتذارًا صريحًا عن ذلك. ردّ الفعل البريطانى لم يقتصر على الاعتذار، بل شمل إعلانًا عن مراجعة عاجلة وشاملة. وطلبت وزيرة الخارجية من الوكيل الدائم للوزارة التحقيق فى «إخفاقات المعلومات الخطيرة» فى القضية، إلى جانب مراجعة أوسع لأنظمة التدقيق فى جميع القضايا القنصلية وملفات حقوق الإنسان البارزة، لضمان عدم تكرار ما حدث مستقبلًا، سواء فى إحاطة الوزراء أو فى المعلومات التى تُقدَّم للنواب داخل البرلمان. ورغم ذلك، حرصت كوبر على رسم خط فاصل واضح بين الدعم القنصلى والموقف من أفكار أو آراء الشخص المعني. وشددت على أن تقديم الخدمات القنصلية لعلاء عبد الفتاح استند فقط إلى وضعه كمواطن بريطانى منذ عام 2021، وإلى ما اعتبرته الحكومة البريطانية «مخاوف مستمرة تتعلق بحقوق الإنسان»، مؤكدة أن هذا الدعم «لا يجب أبدًا تفسيره على أنه دعم للآراء الشخصية للفرد». هذا التوضيح بدا محاولة لاحتواء الغضب الداخلى، من دون التراجع عن جوهر السياسة البريطانية تجاه القضية، أو تقديم اعتذار سياسى عن سنوات من الضغط الدبلوماسى والإعلامى الذى مورِس باسم علاء عبد الفتاح. ازدواجية المعايير قضية علاء عبد الفتاح، فى صيغتها الأخيرة، أعادت تسليط الضوء على إشكالية أعمق تتجاوز شخصه، وتتعلق بازدواجية المعايير الغربية فى التعامل مع ملفات حقوق الإنسان، فالدول التى ترفع شعار «القيم» و«المبادئ» تجد نفسها أحيانًا مضطرة للاعتراف بأنها دعمت قضايا أو شخصيات دون امتلاك صورة كاملة، أو دون تدقيق كافٍ فى الخلفيات الفكرية والسياسية، طالما انسجمت هذه القضايا مع خطابها السياسى العام. كما تكشف الأزمة الحالية فى لندن أن الدعم الغربى لملفات حقوقية فى دول أخرى لا يكون دائمًا نتاج قراءة دقيقة أو معرفة شاملة، بل قد يخضع أحيانًا لمنطق الضغط السياسى، أو التوظيف الرمزى، قبل أن يصطدم لاحقًا بتعقيدات الواقع وتناقضاته. فى النهاية، لم تُغلق قضية علاء عبد الفتاح بخطاب وزيرة الخارجية، بل دخلت مرحلة جديدة: مرحلة مساءلة داخلية بريطانية، ليس فقط حول شخص أو تغريدات قديمة، بل حول الطريقة التى تُدار بها ملفات حقوق الإنسان، ومن يدفع ثمن الأخطاء عندما تتحول «القيم» المعلنة إلى عبء سياسى محرج. 2 3 4 5