لم تكن بداية منتخب مصر فى البطولة مجرد تسعين دقيقة عادية؛ بل كانت لحظة كشف صريحة لحالة فريق يبحث عن هويته الحقيقية؛ ويُعيد ترتيب علاقته بتاريخه الكبير؛ وظهر المنتخب أمام زيمبابوى وكأنه ما زال فى مرحلة جس النبض، لكن ما خفى داخل هذا الظهور كان أكبر بكثير من مجرد أداء متذبذب، لأن تلك المباراة كانت الشرارة التى أيقظت روحًا قتالية فى نفوس اللاعبين. الروح القتالية بعد أول تسعين دقيقة تغير كل شىء؛ لم يتغير التشكيل فقط بل تغير الجلد بالكامل، تغير الإحساس داخل الملعب وتغيرت لغة الجسد وتغيرت نظرات اللاعبين؛ وكأنهم تذكروا فجأة من يمثلون ومن هم وأى تاريخ يقف خلفهم، فمنتخب مصر لم يعد فريقًا يبحث عن نفسه بل فريق يستدعى روحه القديمة، ويُعيد إحياء شخصيته التى طالما أخافت القارة الأفريقية. روح حسام حسن كانت حاضرة بقوة ولم تكن مجرد شعارات تُردد فى الكواليس؛ بل كانت طاقة حقيقية انتقلت من الجهاز الفنى إلى اللاعبين ثم إلى أرض الملعب؛ العميد لم يتعامل مع البطولة على أنها مباريات فقط بل على أنها معركة هوية أعاد فيها التأكيد على أن اللعب باسم مصر شرف لا يقبل التهاون؛ وأن هذا القميص صنع للانتصارات لا للمشاركة فقط. شخصية الفريق داخل غرفة الملابس كان المشهد مختلفًا تمامًا؛ لم يكن هناك توتر زائد ولا ضغط سلبى بل وضوح وثقة؛ وحديث مباشر عن الرجولة قبل المهارة؛ وعن الالتزام قبل الاستعراض؛ وعن أن الجماهير لا تنتظر المعجزات لكنها تنتظر فريقًا يُقاتل؛ وأنه لا يوجد مكان فى المنتخب تحميه الأسماء بل تحميه الروح والعطاء. هذا التحول الذهنى انعكس بوضوح فى مواجهة جنوب أفريقيا؛ حيث عاد منتخب مصر ليظهر بشخصيته المعروفة فى القارة كفريق مُنظّم عنيد؛ لا يمنح الخصم فرصة لالتقاط الأنفاس، فالضغط كان مستمرًا؛ والتركيز حاضرًا والروح القتالية؛ كانت السمة الأبرز وكأن اللاعبين يخوضون مباراة حياة لا تقبل الخطأ. فى تلك المواجهة شعر الجمهور أن منتخب مصر بدأ يستعيد ذاكرته، تلك الذاكرة التى صنعت بطولات متتالية ؛ ورسخت صورة فريق لا يعرف المستحيل؛ فالانضباط التكتيكى خدم الفكرة العامة والروح رفعت من قيمة الأداء؛ فتحول الفريق إلى كتلة واحدة تتحرك بعقل واحد وقلب واحد. وجاءت مباراة أنجولا بسيناريو مختلف تمامًا، فحسام حسن دخل اللقاء بهدوء وثقة لأنه ضمن الصعود إلى دور ال 16 بغض النظر عن النتيجة؛ وكان الهدف حماية العناصر الأساسية وتجنيبهم خطر الإصابات ومنح الفرصة كاملة للصف الثانى. وسط كل ذلك تبقى الروح هى العنوان الأكبر؛ روح القتال حتى آخر ثانية روح اللاعب الذى يعود ليغلق المساحة؛ وروح المجموعة التى تفرح بالمجهود كما تفرح بالهدف؛ وهى الروح التى صنعت تاريخ هذا المنتخب عبر سنوات طويلة، فهذه الروح لم تُولد من فراغ، بل صُنعت داخل معسكر أعاد فيه حسام حسن صياغة العلاقة بين اللاعبين والمنتخب؛ فهى علاقة قائمة على الانتماء والشرف والإيمان بأن هذا الجيل قادر على إعادة كتابة التاريخ من جديد. الرقم القياسى مع كل مباراة يكبر الأمل ويزيد الإحساس بأن منتخب مصر لا يُشارك بل ينافس؛ فصاحب الرقم القياسى فى عدد البطولات؛ وأكثر المنتخبات تتويجًا؛ يعرف جيدًا أن مكانه الطبيعى بين الكبار؛ وأن القارة الأفريقية لا تنسى من يعرف كيف يفوز. الجماهير بدأت تستعيد ثقتها؛ واللاعبون بدأوا يشعرون بثقل القميص من جديد؛ والرسالة وصلت بأن الفراعنة عائدون بروحهم قبل أقدامهم وبعقليتهم قبل أسمائهم. الطريق ما زال طويلا والتحديات أكبر؛ لكن الفارق أن منتخب مصر يسير الآن بثبات وإيمان وبشخصية لا تعرف الخوف؛ فعودة البطل لم تعد مجرد حلم بل ملامح واقع يتشكل خطوة بعد خطوة. وإذا استمرت هذه الروح وإذا ظل هذا الالتزام، فإن منتخب مصر لن يستعيد أمجاده فقط؛ بل يُعلن بوضوح أن زمن حسبة برمة والغياب انتهوا؛ وأن القارة الأفريقية ستشهد من جديد فريقًا يعرف كيف يُحارب وكيف ينتصر. فى النهاية قد تتغير الوجوه وقد تختلف الخطط؛ لكن ما لا يتغير أبدًا أن الروح كانت وستظل كلمة السر؛ وأن قميص الفراعنة عندما يعود لوهجه لا يقبل إلا أن يكون فى الصدارة؛ وأن يكتب فصلًا جديدًا فى تاريخ لا يعرف إلا المجد. 2