فى هدوء يشبه أفلامه، رحل المخرج المصرى الكبير داود عبدالسيد، عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد صراع مع المرض، ليغيب جسده دون ضجيج، بينما تبقى أفلامه حاضرة، متيقظة، ومشغولة بالأسئلة نفسها التى شغلته طوال عمره: الإنسان، والعدل، والخلاص، والبحث الدائم عن معنى. لم يكن داود عبدالسيد من أولئك الذين يحبون الظهور، ولا من صُنّاع الضجيج، عاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، كما صنع سينماه دائمًا بعيدًا عن الإبهار الزائف، ورحل كما تمنى: على سريره، فى بيته، بهدوء رجل اكتفى بما قاله فى أفلامه، وترك الباقى للصمت. داود عبدالسيد، المولود عام 1946، لم يصنع سينما جماهيرية بالمعنى الشائع، ولم يسعَ يومًا لإرضاء الذائقة السهلة، لكنه صنع أفلامًا عاشت، وتحوّلت بمرور الزمن إلى مراجع فكرية وفنية، تُشاهد وتُناقش، وتكتسب مع كل مشاهدة معنى جديدًا. وداع فى صمت.. ومحبة بلا استعراض خبر رحيله حرّك موجة حزن عميقة فى الوسط السينمائى والثقافى، ليس لأنها مفاجئة، بل لأنها تذكير مؤلم بأن أحد أبرز رموز السينما غادر المشهد. فى عزائه، الذى أُقيم بكنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، حضر محبوه وتلاميذه وزملاؤه، مخرجون وفنانون وكتّاب، جاءوا لا ليودعوا فقط، بل ليقولوا شكرًا لرجل علّمهم أن السينما ليست مهنة، بل مسئولية. لم تكن هناك خطابات رنانة، ولا استعراض للحزن، فقط وجوه تعرف جيدًا قيمة ما فقدته. داود عبدالسيد لم يكن صديقًا للكاميرات، لكنه كان قريبًا من القلوب، ومن أولئك الذين رأوا أنفسهم فى شخصياته القلقة، الحائرة، الباحثة عن خلاصها وسط عالم قاسٍ. سينما قليلة العدد.. نادرة القيمة لم يصنع داود عبدالسيد سوى تسعة أفلام روائية طويلة، رقم يبدو ضئيلًا فى حسابات الصناعة، لكنه يتحول إلى ثروة حقيقية فى ميزان الفن. أفلامه، التى جاءت على مهل، وبوعى شديد، تحولت إلى علامات فارقة فى تاريخ السينما المصرية والعربية. منذ «الصعاليك» (1985)، مرورًا ب«البحث عن سيد مرزوق» و«الكيت كات» و«سارق الفرح»، وصولًا إلى «أرض الخوف» و«مواطن ومخبر وحرامي» و«رسائل البحر»، كانت السينما لديه فعل تفكير، لا استهلاك. أفلامه لا تُشاهد مرة واحدة، بل تُعاش، وتُعاد، وتكشف أسرارها مع الزمن. يُعد فيلم «الكيت كات» واحدًا من أكثر أعماله جماهيرية وانتشارًا، لكنه فى جوهره لم يكن فيلمًا خفيفًا كما بدا. شخصية الشيخ حسنى، الكفيف الذى يرى أكثر من المبصرين، تحوّلت إلى رمز للإنسان الذى يحاول أن يعيش رغم كل القيود، فى عالم يفرض عليه حدودًا لا يفهمها. أما «أرض الخوف»، فكان ذروة اشتباكه الفلسفى مع فكرة السلطة والاختيار، عبر بطل يتورّط فى لعبة لا يعرف إن كان دخلها بإرادته أم دُفع إليها. اختيار ثلاثة من أعماله («الكيت كات»، «أرض الخوف»، «رسائل البحر») ضمن قائمة أهم 100 فيلم عربى لم يكن تكريمًا بقدر ما كان اعترافًا متأخرًا بقيمة سينما سبقت زمنها، ولم تهادنه. المهموم بالإنسان.. والمواطن العادى الصفة الأقرب لداود عبدالسيد، كما وصفه بها النقاد، هى أنه «مهموم». لا بالهمّ بمعناه الضيق، بل بالانشغال. كان مشغولًا بالناس، بالمواطن العادى، بالطبقة الوسطى التى تنزلق ببطء، وبالهامش الذى يبتلع البشر دون ضجيج. شخصياته مصنوعة من لحم ودم، تمشى فى شوارع نعرفها، وتسكن بيوتًا تشبه بيوتنا، وتطرح أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة. فى أفلامه، تجد أن الحرية حلم بعيد، والإنسان محاصر بين ما يريد وما يُفرض عليه. كان داود عبدالسيد منحازًا للمهمشين، لا باعتبارهم ضحايا، بل باعتبارهم أبطالًا يمتلكون وعيًا خاصًا، وقدرة على المقاومة، حتى لو كانت مقاومة صامتة. من الوثائقى إلى الروائى.. بحث طويل عن الحقيقة بدأ داود عبدالسيد مسيرته بالأفلام التسجيلية، مثل «وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم» و«عن الناس والأنبياء والفنانين»، حيث تشكّل وعيه النقدى مبكرًا، وظهر أسلوبه الساخر الهادئ، الذى يقول أكثر مما يُصرّح. حتى عندما تم تكليفه بتقديم أفلام روائية، وجد طريقه لتمرير الحقيقة، لا بالصدام، بل بالذكاء، وباستخدام اللغة السينمائية كمساحة للتأمل والشك. هذا الوعى المبكر ظل حاضرًا فى كل أعماله الروائية، وجعل أفلامه عصيّة على التصنيف السهل. رحل داود عبدالسيد، وبقيت سينماه تمشى بيننا، تسأل، وتشك، وتقلق، وتحب. رحل الجسد، وبقى الهمّ حيًا، وبقيت الأفلام مثل رسائل مؤجلة، لا تبهت مع الزمن. وداعًا أيها المهموم الجميل… لقد قلت كل ما أردت قوله، وتركت لنا ما يكفى لنظل نفكر طويلًا. 2