خبير الإدارة المحلية: القانون الحالي لا يلبي احتياجات المواطن ويعيد إنتاج المركزية    جامعة قناة السويس تحصر أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه تنفيذًا لتوجيهات الأعلى للجامعات    القومي للطفولة: التوسع في الأسر البديلة أولوية لضمان بيئة آمنة للأطفال    تراجع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري ختام تعاملات اليوم 6 أبريل 2026    محمود محيي الدين يؤكد أهمية ربط الابتكار الأخضر بالتمويل وجاهزية المشروعات    وزير الاستثمار يجري مباحثات مع وزير التجارة المغربي لزيادة حركة التجارة بين البلدين    الفيوم تستعد لإطلاق اللوحة المعلوماتية ل قطاعاتها الخدمية    ترامب: إيران أبيدت وعاجزة عن المقاومة.. وأريد إنهاء الحرب سريعا    وزير الخارجية يبحث مع وزيري خارجية ألمانيا وكندا التطورات الإقليمية وجهود خفض التصعيد    الداخلية الكويتية: 21 بلاغًا بسقوط شظايا خلال 12 ساعة وتحذير من الشائعات    3 نجوم خارج ريال مدريد في نهاية الموسم الحالي    التعادل السلبي يحسم الشوط الأول بين كهرباء الإسماعيلية وبتروجت    محمد عفيفي يتوج بفضية «المتوازي» ببطولة كأس العالم للجمباز الفني    أحمد حسام يشارك في التدريبات الجماعية للزمالك الأسبوع المقبل    إصابة بلال عطية فى مباراة أهلي 2007 والطلائع والإسعاف تنقله للمستشفى    وزير الرياضة يبحث التعاون المشترك مع كبري الشركات الصينية للمعدات الرياضية    مصرع شاب وإصابة آخر صدمتهما سيارة في كرداسة    كارثة غذائية بالتجمع.. كشف كواليس مداهمة "محل السموم" الشهير    القبض على طرفي مشاجرة التراشق بالحجارة في البحيرة    مصرع 3 شباب صعقا بالكهرباء داخل مزرعة في بلاط بالوادي الجديد    بعد إعلان تأسيسها .. وسم (فرقة ماسبيرو المسرحية) يحتل المركز الأول علي إكس    حزب الله يستهدف تجمّعات لآليات وجنود الجيش الإسرائيليّ في عدد من البلدات جنوبي لبنان    غزة: 7 شهداء بمجزرة إسرائيلية شرق مخيم المغازي    بالصور.. رفع 120 طن مخلفات وقمامه وتراكمات فى حملة نظافة مكثفة بأحياء الأقصر    رئيس جامعة بنها يشهد ربط محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بالكهرباء العمومية    الداخلية تضبط قائد سيارة نقل يسير عكس الاتجاه بسوهاج    إهدار للمال العام.. شكوى لوزير الرياضة ضد إدارة الأهلي بالمستندات    درة: وحيد حامد أول من قدمني في دور بنت البلد.. و«ميادة الديناري» من العلامات في مشواري الفني    القوات المسلحة تدفع عددا من اللجان لإنهاء المواقف التجنيدية للمواطنين بالمناطق الحدودية (فيديو)    بدا كأنه كلام شخص مسلم.. كيف علق ترامب على رسالة إنقاذ طيار أمريكا فى إيران؟    الطقس غدا مائل للحرارة نهارا وشبورة وأمطار ببعض المناطق والعظمى بالقاهرة 24    تحرير 35 مخالفة مرورية فى حملات مكبرة بالشرقية    حجز محاكمة محمود عزت و80 قيادي أخواني ب "التخابر مع تركيا" للحكم غدا    مناقشة تداعيات الحرب الأبرز، تفاصيل اجتماع السيسي مع رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي (فيديو)    إحالة مدير مدرسة ومدير التعليم الثانوى بإدارة بنها للتحقيق    من ستوكهولم إلى أوسلو مهرجان مالمو للسينما يطلق جولة سينمائية سعودية    محافظة الجيزة تنظم رحلة ترفيهية لأبناء مؤسسات خيرية إلى المتحف المصري الكبير احتفالا بيوم اليتيم    الإفتاء: الشرع نهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بأحسن الوجوه    حذر منها النبي.. 6 عادات تدمر حياتك وعلاقتك بربك    صحة كفر الشيخ: تقديم 2575 خدمة طبية مجانية بقافلة طبية بقرية الفتوح بفوه    مهرجان المسرح لشباب الجنوب يقدم عروضا تفاعلية للأطفال بقنا    الخميس.. فؤاد ومنيب بين الكلاسيكية والمعاصرة بالأوبرا    وزير الطيران يبحث مع مايكروسوفت آليات تعزيز التعاون فى مجالات تكنولوجيا المعلومات    جامعة القاهرة تنظم حملة توعوية لصحة الفم والأسنان داخل الحرم الجامعي    محافظ أسيوط يستقبل وزير الأوقاف خلال زيارته للمشاركة في افتتاح مؤتمر "الفكر الإسلامي وبناء المجتمع المعاصر"    «الصحة» تعلن تنفيذ 534 ألف جلسة غسيل كلوي خلال فبراير 2026    لإعادة بناء عظام الوجه.. جراحة استغرقت 7 ساعات بمستشفى كفر سعد في دمياط    «دراسة حديثة»: انخفاض وزن الولادة يزيد خطر السكتة الدماغية لاحقًا    بدون هزيمة للمارد الأحمر.. تاريخ مواجهات الأهلي وسيراميكا كليوباترا    أمريكا وإيران تتسلمان خطة سلام وترامب يتوعد "بالجحيم"    باسم سمرة ينصح تامر حسني: بلاش تعمل كل حاجة لوحدك    رابط نتيجة الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لوظائف طبيب بيطري    رئيس جامعة القاهرة يصدر قرارات بتعيين 24قيادة جامعية جديدة تتضمن 3وكلاء كليات و12رئيسًا لأقسام    جيش الاحتلال الإسرائيلي: إنذار عاجل بالإخلاء لسكان 7 أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت    روسيا تعلن إسقاط 148 مسيرة أوكرانية في 3 ساعات    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    نقابة المهن السينمائية تنعي الإعلامية منى هلال.. بهذا البيان    السر الكامن في الصالحين والأولياء وآل البيت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقاربة الدولة الوطنية
الحل المصرى للاستقرار فى دول الخماسى المأزوم

فى كلمة مصر، خلال القمة السابعة بين الاتحاد الإفريقى والاتحاد الأوروبى، التى استضافتها مدينة لواندا، عاصمة أنجولا، الأسبوع الماضى، تحدث رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن أهمية «المِلكية الوطنية»، لصون وحماية مؤسسات الدول، بعدّها السبيل الرئيسى للحفاظ على سيادة ووحدة وتكامل أراضى كل دولة.
والواقع أن هذه الرؤية، تتسق مع المقاربة المصرية، لمعالجة أزمات دول الجوار المباشر وغير المباشر فى المنطقة، خصوصًا فى المنطقة العربية وشمال إفريقيا، والقائمة على مفهوم «الدولة الوطنية» ودعم مؤسساتها، وهى مقاربة تراها مصر السبيل الناجز والآمن، للحد من توترات المنطقة، وهى فى نفس الوقت نقيض ظواهر منتشرة فى عديد من البلدان تهدد وجودها، مثل «الميليشيا»، والكيانات الموازية المسلحة.
هذا هو المبدأ المصرى الراسخ، لتسوية أزمات المنطقة،الذى تطرحه على مدار أكثر من عقد بغاية أساسية، وهى استعادة مفهوم وأركان «الدولة الوطنية»، وتعزيز قدرات جيوشها الوطنية، وحكوماتها المركزية، للحد من نشاط تنظيمات وجماعات لا ترى سبيلًا للوجود، سوى بالقضاء على هذا المفهوم، وهدم أى ملامح لمؤسسات الدولة، والشواهد من حولنا عديدة، كما هو الحال فى السودان وليبيا وفى اليمن والصومال وغيرها.
واستدعاء مقاربة «الدولة الوطنية» ضرورة، فى ظل مآلات دوامة الصراعات والنزاعات فى دول المنطقة، خصوصا منذ ما يسمى ب«الربيع العربى»، الذى عاش معه العديد من الدول تجارب مأساوية نتيجة استغلال تنظيمات الإسلام السياسى، وحركات مسلحة، و«ميليشيا»، حالة الهشاشة الداخلية، فرأينا إرهابا بالسلاح وتفكيكًا لمؤسسات دول، وصولا لمخاطر التقسيم التى تهدد هذه الدول.
وإذا كانت هناك رؤى وتدخلات دولية وإقليمية، لعلاج جذور ما يحدث فى المنطقة من صراعات ونزاعات، غير أنها لم تؤت بثمارها ونتائجها لوأد فتن التوتر والحروب الداخلية، ليأتى السؤال الرئيسى هنا، وهو إلى أى مدى، لا تزال مقاربة «الدولة الوطنية»، حلًا قابلًا للتطبيق، للأزمات المحيطة بنا، فى دول الجوار المباشر وغير المباشر؟ وإلى أى مدى يمكن أن تكون خيارًا يُعول عليه بعد غياب ملامح المؤسسات الوطنية فى عديد من البلدان، كما هو الحال مثلا فى ليبيا والسودان واليمن؟

أركان الدولة الوطنية

تستدعى الإجابة عن هذا الطرح، الوقوف أولًا أمام مفهوم «الدولة الوطنية»، والغرض منه، بعدّها تعبيرًا جديدًا جرى تداوله فى العلوم السياسية، بعد الثورة الفرنسية، والحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء عصر الإمبراطوريات العظمى، التى كانت تستحوذ على مساحات جغرافية كبيرة، كمصطلح يشار به إلى «الدولة القومية»، التى يجب أن يتوافر بها مجموعة من الأركان الأساسية، وهى الإقليم ذات السيادة، والسلطة الراسخة بمؤسسات وطنية موحدة، والشعب الذى يجمعه هوية وطنية جامعة.
من هذا المنطلق، يأتى على النقيض، النزاعات الداخلية، والصراعات الإقليمية وامتداد التنظيمات العابرة للحدود، إلى جانب الانقسامات السياسية والاجتماعية، فى إضعاف سلطة الدولة الوطنية وتقويض وحدتها الإقليمية، ويصاحب ذلك مؤشرات لهشاشة الاستقرار الداخلى، منها التدخلات الخارجية، والانقسام السياسى، وتنامى نفوذ ما يسمى بالفاعلين من غير الدول، والمقصود بهم، الجماعات المسلحة والميليشيا.
وهذه سمات ليست بعيدة عن واقع كثير من دول المنطقة، التى تواجه ضغوطًا متزايدة، وهشاشة سياسية وأمنية داخلية، كما هو الواقع الذى تعيشه ليبيا، والسودان، والصومال واليمن، منذ ما يسمى بأحداث «الربيع العربى» قبل نحو خمسة عشر عامًا، لذلك تأتى أهمية مقاربة الدولة الوطنية، فى مجابهة «الإشكاليات المعقدة» بتلك الدول، من منطلق قدرتها على توفير إطار مؤسسى وسياسى يضمن الاستقرار والتماسك الاجتماعى، والأهم ضمان رسوخ مؤسسات الدولة الوطنية وضمان وحدتها وقوتها.
هذه هى المعانى، التى استند إليها رئيس الوزراء، فى كلمته بأنجولا، عند حديثه عن الجهود المصرية، لتحقيق الأمن والاستقرار، على صعيد قطاع غزة بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وأيضا فى سبيل إيجاد حل للأزمة فى السودان، أو التمسك برؤية الحل السياسى الليبى دون تدخلات خارجية، أو دعم استقرار وسيادة الصومال، وصولًا لمكافحة الإرهاب فى منطقة الساحل، واستعادة الاستقرار فى شرق الكونغو الديمقراطية.
والواقع أن الرابط فى الرؤية المصرية بين كل هذه الجبهات، هى وحدة المبدأ فى الحل، الذى ينطلق من أركان «الدولة الوطنية»، حتى إن كانت بعض من هذه الدول، تواجه تحديا وجوديا بسبب انهيار قوائم ومؤسسات الدولة، بالشكل الذى لا يُمكنها من مجابهة الضغوط الداخلية والخارجية التى تستهدفها، وهو ما يمكن تفسيره من واقع محددات التعاطى المصرى مع قضايا تلك الدول.

السلام فى غزة

بالنظر للرؤية المصرية لإحلال السلام فى قطاع غزة، ودعم القضية الفلسطينية، فهى تستند إلى مسار للتحرك العاجل، والقائم على تثبيت وقف إطلاق النار فى القطاع الذى جرى التوصل إليه فى شهر أكتوبر الماضى، للمضى قدمًا فى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى تؤسس لمسار سلام مختلف بالقطاع مع البدء فى خطة إعادة الإعمار.
بموازاة ذلك، تنظر مصر إلى أنه لا سبيل لاستقرار دائم ومستدام فى المنطقة إلا بحل دائم للقضية الفلسطينية، قائم على منح الشعب الفلسطينى حقه فى تقرير مصيره، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بما يعنى أن إنهاء الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، لن يتحقق إلا بتحقيق مفهوم الدولة الفلسطينية.
والحقيقة التى لا يمكن تجاهلها، أن إشكالية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لن تقوم إلا بتوحيد الصف الفلسطينى، تحت مظلة السلطة الفلسطينية، بما فى ذلك اندماج حركات المقاومة المسلحة، وعلى رأسها حركة حماس، تحت مظلة السلطة، بما يشمل ذلك من تسليمها للسلاح، وربما هذا مثلا أحد اشتراطات قوى دولية، للقبول بمبدأ حل الدولتين.
والسؤال هنا، إلى أى مدى ستعترف حركات المقاومة المسلحة فى غزة والضفة الغربية، بمشروع الدولة الفلسطينية الواحدة، القائم على الاندماج تحت مظلة سلطة واحدة، بما فى ذلك تخلى حماس عن سيطرتها على قطاع غزة طوال السنوات الأخيرة، واستعادة دور السلطة فى توحيد غزة والضفة تحت سلطة واحدة وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية، وهذه هى ثوابت الموقف المصرى الداعم للقضية الفلسطينية، التى تراها سبيلًا للاستقرار فى الأراضى الفلسطينية، حال قبول كافة الفصائل به.

الحرب فى السودان

لا يختلف مبدأ الحل المصرى فى أزمة السودان، الذى يعيش مأساة الحرب القائمة منذ أكثر من عامين ونصف العام، بين الجيش الوطنى، وميليشيا «الدعم السريع»،التى فاقمت من أوضاعه الإنسانية فى مناطق عدة، جعلت هذا البلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية فى العالم حاليًا، بالنظر لأعداد المتضررين منها، ما بين نحو 15 مليون نازح داخليا وخارجيًا، وأكثر من 25 مليون سودانى يعيشون فى خطر المجاعة، وفقا للتقديرات الأممية.
فى السودان الذى لم يكد يتعافى من انفصال منطقة الجنوب قبل نحو 14 عامًا، تبدو جليًا إشكالية غياب مفهوم الدولة الوطنية هناك، وذلك نتيجة لغياب الاندماج الوطنى الداخلى، بين القوميات والأعراق المختلفة المكونة للمجتمع السودانى، وغياب الهوية الجامعة لتلك القوميات منذ استقلاله، مما عمّق الانقسامات الداخلية، وساهم فى ظهور حركات مسلحة بمناطق عدة، وظهور ما يسمى ب «صراع المركز والهامش»، وصراع «السلطة والثروة»، بين أقاليم مختلفة، حتى أصبحت هناك صعوبة شديدة فى إدارة التنوع الكبير داخل البلاد.
وبالتالى الواقع المأساوى الذى يعيشه السودان، ليس فقط نتيجة الحرب الدامية القائمة حتى الآن، وإنما هو نتاج سنوات من الهشاشة فى بنيان الدولة السودانية، وغياب الحلول الشاملة والجامعة التى تحقق الاندماج الداخلى، وتحبط أى سيناريو للتقسيم مرة أخرى، لذلك فإن نقطة الانطلاق الحقيقة للعلاج الجذرى فى الأزمة السودانية، بعد وقف إطلاق النار الداخلى، يجب أن تبدأ بدعم مؤسساته الوطنية الموحدة، بداية من الجيش الوطنى، بما يشمل ذلك، تسليم كافة الحركات المسلحة سلاحها واستكمال خطة الدمج والتسريح، وفقًا لبنود اتفاق «جوبا» للسلام، الذى جرى توقيعه فى أكتوبر 2020.
ومن المهم أن تتحرر الدولة السودانية، من ضغوط الحركات المسلحة والميليشيا، وأيضا بقايا التيار الإسلامى البائد، إلى جانب انقسامات وتشرذمات السياسيين والقوى السياسية، لدعم سلطة الحكومة المركزية ومؤسساتها الوطنية، حتى تستطيع ممارسة أعمال السيادة الكاملة على كافة الأراضى السودانية، فى مواجهة «الكيان الموازى»، الذى قامت ميليشيا «الدعم السريع» بتأسيسه فى منطقة دارفور، ويهدد بتقسيم جغرافى وسياسى داخلى.
وهذا هو المعنى الأساسى الذى ترتكز إليه الرؤية المصرية فى التعاطى مع الأزمة السودانية، والقائم على دعم مؤسسات الدولة السودانية الوطنية، وفى مقدمتها «حكومة الأمل» المركزية، والجيش الوطنى السودانى، بهدف الحفاظ على وحدته وسيادته الكاملة، وسلامته الإقليمية، ورفض أى تدخلات خارجية تؤثر على استقراره.

الانقسام الليبي

لا يبدو مشهد الهشاشة والانقسام مختلفًا فى الداخل الليبى، ذلك أن كيان الدولة الوطنية فى ليبيا، يواجه انقسامًا سياسيًا حادًا، على وقع انقسام فى مؤسسات الدولة الوطنية، نتيجة وجود حكومتين داخليتين، ما بين حكومة فى الشرق، فى «بنغازى»، برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من الجيش الوطنى الليبى برئاسة المشير خليفة حفتر، وما بين حكومة فى الغرب، فى «طرابلس»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
تلخص هذه الحالة، مشهد الأزمة الليبية على مدى نحو 15 عامًا، والمراحل التى مرت بها منذ سقوط نظام معمر القذافى فى 2011، وإخفاق الحلول السياسية، وانتشار السلاح، والميليشيا المسلحة، والتدخل الخارجى وتزايد النفوذ الدولى والإقليمى داخليًا، وهى مظاهر تعكس التحدى الوجودى لمفهوم الدولة الوطنية فى ليبيا.
من هذا المنطلق، يرتكز الحل المصرى فى الأزمة الليبية، إلى مبدأ استعادة وحدة المؤسسات الوطنية للدولة الليبية، ودعمها للاضطلاع بدورها وممارسة أعمال السيادة الكاملة على الأراضى الليبية، وذلك من خلال، تنفيذ القرارات الأممية الخاصة بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، ودعم الحل السياسى«الليبي - الليبى» دون إملاءات أو تدخلات خارجية، وصولًا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بالتزامن.

الشرعية فى اليمن والصومال

المشهد نفسه يتكرر فى اليمن، الذى يواجه انقسامًا داخليًا أيضًا منذ سيطرة جماعة «الحوثيين» على العاصمة صنعاء قبل نحو عشر سنوات، فى حين تتمركز القوات الحكومية والسلطة الشرعية فى البلاد، فى مدينة عدن، بعد صراع مسلح بين الطرفين، وهو ما يعكس الإشكالية نفسها، وهى غياب مفهوم الوحدة الوطنية لمؤسسات الدولة.
وفى المشهد اليمنى، ينطلق التعاطى المصرى أيضا، من دعم الشرعية ومؤسسات اليمن الوطنية، والممثلة فى «مجلس القيادة الرئاسى»، ومقره مدينة عدن جنوب غرب البلاد، إلى جانب دعم وحدة الدولة اليمنية ومؤسساتها واستقلالها وسلامة أراضيها، ودعم مسار الحل السياسى الشامل، دون تدخلات خارجية.
ولا يختلف الموقف أيضا، فى حالة الهشاشة التى يعيشها الصومال، على وقع صراع طويل مع تنظيمات الإرهاب المسلحة، وعلى رأسها حركة «الشباب» التابعة للقاعدة، إلى جانب تنامى النزعة الانفصالية، مثل إقليم «أرض الصومال»، خصوصا بعد الاتفاق الذى أبرمته إثيوبيا، بالمخالفة لقواعد القانون الدولى، مع إدارة هذا «الإقليم»، للحصول على منفذ بحرى لها على البحر الأحمر.
وأمام التحدى الوجودى لوحدة الأراضى الصومالية، ومؤسساته الشرعية، جاء الموقف المصرى أيضا، داعمًا لشرعية المؤسسات الوطنية فى الصومال، ومشددًا على ضرورة حمايتها ودعمها، بما فى ذلك تمكين المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش الصومالى، لممارسة مهامه فى دعم سيادة الحكومة الصومالية على كافة أراضيها، وترجم هذا الموقف اتفاقيات عديدة، منها بروتوكول تعاون عسكرى بين البلدين، وإعلان القاهرة مشاركتها فى بعثة قوات حفظ السلام الإفريقية بالصومال، وصولًا لاتفاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الذى جرى توقيعه بداية هذا العام.

النموذج المصري

ليس الهدف هنا، استعراض مآلات الواقع المأساوى لهذه الدول، أو لحالات أخرى شبيهة أيضا فى المنطقة العربية وإفريقيا، كالوضع فى سوريا أو فى دول الساحل الإفريقى، وإنما الغاية هنا هي الوقوف أمام نموذج الدولة القادر على البقاء، وفى مقاربة الحل التى تتيح الحفاظ على كيان «الدولة القومية»، بمفهومها الذى ظهرت به فى أدبيات العلوم السياسية.
فإذا كنا نتحدث عن سنوات العاصفة خلال العقد الأخير، التى هزت أركان وأصول الدولة الوطنية نتيجة حرب أهلية داخلية، أو انقسام الجيش إلى ميليشيات وحركات مسلحة، أو انقسامات سياسية بين الشرق والغرب، نجد فى المقابل النموذج المصرى، الذى صاغ قدرته على البقاء، رغم تحدى الفوضى الذى تعرضت له الدولة، على وقع خروج ثورتين فى عامين، وذلك بفضل وحدة مؤسسات الدولة الوطنية، فلم ينفصل الجيش عن الشعب، وبقيت مؤسسات الدولة صلبة قادرة على الوجود والاستمرار.
ورغم حجم وصعوبة التحدى الذى واجهته «الدولة الوطنية» فى مصر، نتيجة للمشروع الموازى للقوى الدينية، وجماعة الإخوان، والذى كان ينطوى على تهديد بيّن للدولة والهوية والمجتمع معًا؛ فإن مقاربة المواجهة القائمة على أركان مؤسسات الدولة الوطنية، وفى مقدمتها القوات المسلحة (الوطنية)، إلى جانب اصطفاف قوى المجتمع، أثبتت قدرة نادرة على الانتصار والبقاء، وأيضا مواجهة خطر التنظيمات الإرهابية وقوى الشر، وصولًا إلى الصمود أمام الاضطرابات الإقليمية التى أحاطت بالدولة العامين الماضيين.
الخلاصة، أنه بالنظر إلى التجارب المحيطة، وقوة «النموذج المصرى»، سنجد أن الدولة الوطنية القوية التى تملك مؤسسات وطنية قوية من حكم وجيش وأجهزة دولة وأجهزة أمنية، هى السبيل الحقيقى للحفاظ على كيان الدولة، وحماية حق الناس فى حياة طبيعية كريمة.
1575
1576
1577


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.