ناجي الشهابي: نظام الرؤية الحالي جريمة إنسانية.. والاستضافة هي الحل    القيادة المركزية الأمريكية: 21 سفينة امتثلت لتوجيهاتنا منذ بدء الحصار على إيران    مجلس السلام ب"غزة": تداعيات خطيرة لنقص الغذاء والدواء في القطاع..والنظام الصحي إنهار    يونيسف ترحّب بوقف إطلاق النار في لبنان وتدعو لحماية الأطفال والإسراع فى جهود التعافي    أكسيوس: نتنياهو "مذهول" من تصريحات ترامب بأن إسرائيل "محظور عليها" شن هجمات على لبنان    وول ستريت جورنال :قرار جديد لإيران ينسف إعلان ترامب بشأن هرمز    أمطار وعاصفة رملية تضرب مرسى مطروح (صور)    شاهد، رفع كسوة الكعبة المشرفة استعدادا لموسم الحج    مصادر ل أسوشيتد برس: الصين مستعدة لتسلم اليورانيوم عالي التخصيب من إيران    تصريح خاص| مودرن سبورت يرد على هجوم حسام حسن ويكشف حقيقة مستحقاته    البنك الدولي يطلق استراتيجية لمساعدة الدول الصغيرة على مواجهة التحديات    مدير أمن القليوبية يتفقد موقع حريق 3 مصانع بالقناطر الخيرية    نيابة كفر الشيخ تصرح بدفن جثة طالب طب لقى مصرعه في حريق    رئيسة أكاديمية الفنون: تحديث المناهج على رأس أولويات خطة التطوير مع الحفاظ على الهوية    وزير الحرب الأمريكي يخلط بين الكتاب المقدس وفيلم «بالب فيكشن»    زاهي حواس: آثارنا الموجودة في المتاحف بالخارج ليست كلها مسروقة    محافظ الغربية: استمرار متابعة تنفيذ مواعيد الغلق خلال عطلة نهاية الأسبوع    إصابة 7 أشخاص إثر حادث إنقلاب "ميكروباص" بالبحيرة    بوابة أخبار اليوم تنفرد بنشر صورة المولود الذي تسبب في توقف قطار الصعيد    الأمم المتحدة: تفعيل 3 مسارات دولية لمراقبة وقف إطلاق النار في لبنان    مصدر أمني ينفي ادعاءات سائح بتعرضه للتحرش من 3 أفراد شرطة بجنوب سيناء    عمرو أديب بعد واقعة مستشفى الحسين: أماكن كثيرة لا يجب الدخول إليها بالنقاب    مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران ووسطاء باكستانيون يواصلون جهودهم لتثبيت وقف إطلاق النار الهش    ترامب: سنحصل على الغبار النووي من إيران    مهدي سليمان: الحفاظ على الشباك منحنا التأهل لنهائي الكونفدرالية    مرافئ البصيرة في ظل فلسفة الحياة    «الأزهر العالمي للفتوى» يُنهي دورة جديدة لتأهيل المقبلين على الزواج    ختام حملة موسعة للدفاع عن حق المزارعين في مياه ري نظيفة ببني سويف والفيوم    محافظ الدقهلية: حدائق المنصورة تستقبل المواطنين وأسرهم على مدار اليوم طوال الأسبوع    جامعة النيل تستعرض أهمية مكاتب نقل التكنولوجيا في إدارة أصول الملكية الفكرية    المطرب عمر كمال: عندي 5 عربيات وأحدثهم سيارة إنجليزية اشتريتها ب9 ملايين «مش كتير»    أستاذ قانون: تغريب الطفل عن والده قد يؤدي إلى انحرافات سلوكية نتيجة غياب القدوة    «متبقيات المبيدات» يستقبل وفدا من شركات الصناعات الغذائية    فتح باب التقدم للدورة ال4 من المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء بالإسكندرية    مشاهد صادمة داخل مطعم ببني سويف تكشف مخالفات جسيمة خلال حملة تموينية    مجدى عبد الغنى: رئاسة الاتحاد المصرى لكرة القدم العمل الأنسب لى    حزب الوعي ينظم بطولة Fitness Challenge في بورسعيد لدعم الطاقات الشبابية    أحمد إسماعيل يحصد جائزة أفضل لاعب فى مباراة الزمالك والأهلى بكأس كرة السلة    7 نقاط فاصلة للتتويج بالدوري.. إنتر يفوز على كالياري بثلاثية    عمرو أديب: اسم تركي آل الشيخ أصبح عالميًّا في لعبة الملاكمة    تامر حبيب يعلن مفاجأة عن مسلسل يسرا الجديد وسر اعتذار منى زكي    الملك أحمد فؤاد الثاني في جولة بمحافظة الإسكندرية (صور)    ضمن قوافله ال 5.. الهلال الأحمر يُطلق قافلة طبية لتقديم الرعاية الصحية لأهالي قرية نجيلة بالبحيرة    فحص عيون 667 الف طالبًا بالمنيا    وزيرة الثقافة تهنئ الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026    جامعة العاصمة تعزز بيئة العمل بأنشطة ترفيهية متكاملة    نقابة المحامين تختتم الملتقى التدريبي لإدارة الأزمات    وكيل صحة الدقهلية يشهد فعاليات مؤتمر طب الأطفال بالدقهلية    هل تنظيف المنزل ليلًا يجلب الفقر؟، أمين الفتوى يجيب (فيديو)    قانون الحضانة بين الاستقرار والتعديل .. جدل مستمر حول مصلحة الطفل بعد الطلاق    الصحة: المستشفيات التعليمية تطلق المؤتمر السنوي الثامن لجراحة عظام الأطفال    هل النوم جالسًا ينقض الوضوء؟.. أمين الفتوى يجيب    قافلة "الرحمة والتفاؤل" تجوب مساجد الشرقية    خطيب الجامع الأزهر: لا لتلفيق الصور المفبركة ومقاطع الفيديو الإباحية    جامعة المنوفية يفتتح المؤتمر الدولي لمعهد الكبد القومي    شاهد الآن قمة الحسم الإفريقية.. الزمالك يصطدم بشباب بلوزداد في مواجهة نارية لحجز بطاقة النهائي (بث مباشر HD)    رسائل طمأنة.. عالم بالأوقاف يوضح طريق العودة إلى الله دون يأس أو قنوط    لا تيأسوا من رحمة الله    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عالم عيال عيال!
نشر في روزاليوسف الأسبوعية يوم 05 - 01 - 2013

بعد تنحِّى مُبارك وأحداث الثورة المصرية التى قطعت الرقابة العسكرية مشاهدها بالتقادم - بمُباركة البلاهة الشعبية والخنوع الثورى أغراض التنظيمات السياسية - وفور إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن اتجاهها لخوض انتخابات البرلمان على ثلث عدد المقاعد فقط وعزوفها تماماً عن منصب رئيس الجمهورية! أهدانى صديق تونسى تسجيلاً حياً للفيلم المصرى الكوميدى «عالم عيال عيال»، للسيناريست يوسف عوف والمخرج محمد عبدالعزيز، مُرسلاً معه رسالة عن الوضع الثورى بعد هروب زين العابدين بن على وإصرار مبارك على البقاء فى مصر حياً أو ميتاً، مُشيراً إلى انقضاض الفصيل الجاهز على حكم البلديْن، وكله بالشرعية!
وخلال عاميْن من النزيف الثورى، أضحكتنى البليَّة كثيراً مع رشدى أباظة وسميرة أحمد والعديد العديد من شخوص الواقع المصرى المُحيِّر بكل طوائفه: عسكريون وجدوا أنفسهم فجأة فى السلطة، وشعب يحلم بالتغيير الصالح، وأحزاب كشفت الثورة ترهلها وضعف صلتها بالشارع، وسياسيون تائهون بين طموحاتهم الشخصية وصالح الجماهير، وإسلاميون حرَّموا الخروج على الحاكم ثم سال لعابهم على الحكم، وتيارات أخرى خرجت من السجون لتُشبع غضبها من الذل والأذى.. وإخوان مسلمون جاهزون بشرعية بسطاء الشعب وفقرائه، لا أدرى هل قاتلوا مع الثوار من أجل مصر التى نحلم بها ولها جمعاء، أم قاتلوا الثوار خفيةً من أجل إسقاط مبارك وأعوانه ليكملوا هم أهداف نظامه ووسائله بعد التعديل!
وكعادتى فى أوقات الراحة خلال الأزمات المصرية المُتلاحقة، جلست أتابع مقاطع من «عالم عيال عيال»، وما قَطَعَ اندماجى إلا نشرة أخبار رأس الساعة من راديو مصر - سامحهم الله - تُعلن نبأ رجوع الرجل الجالس بسلامته على مقعد النائب العام فى استقالته التى كان قد أراحنا بها قبل ثلاثة أيام! فأزحت الفيلم مؤقتاً وبدأت أتابع مقاطع الملهاة المأساوية الواقعية خلال الأيام التى أعقبتها. والحقيقة أننى ما وصفت الرجل ب«النائب العام» لأن هناك حكماً قضائياً - لا يجوز لنا التعقيب عليه هنا - اعتبره نائباً عاماً غير شرعى تم تعيينه بطريقة غير صحيحة فيها اغتصاب للسلطة بناء على إعلان دستورى باطل وهو ما يترتب عليه بُطلان تعيينه وجميع الدعاوى الجنائية التى يقوم بتحريكها، وهو الحكم الصادر بجلسة 11 ديسمبر 2012 من محكمة جنح الأزبكية فى قضية النيابة العمومية رقم 12299 لسنة .2012
فالرجل أصلاً هبط بالباراشوت على مقعد مدعى مصر العام فى أواخر نوفمبر الماضى - بعد عيد ميلادى مباشرة - على خلفية قرار جمهورى من الرئيس مرسى سمَّاه وأهله وعشيرته إعلاناً دستورياً بالمخالفة لما يدرسه طلبة أولى حقوق! مُهدراً العشرات والعشرات من الأقدميات القضائية والكفاءات الفنية التى قد تكون أكثر أداء وهيبة معاً، لكنها لن تكون بالطبع أكثر ولاء لنظام مرسى، هذا على اعتبار أن نظامى مبارك ومرسى ليسا واحديْن! ومنصب النائب العام كان بعيداً تماماً عن الرجل، وغدا أمامه سنوات حتى يفكر أصلاً أن يحلم به، وهذا ليس تقليلاً من شخصه واحترامه بل هو قاضٍ مصرى فاضل - مثل بقية قضاة مصر - فى منصب رئيس محكمة الاستئناف (بدرجة وزير)، ولكنها قراءة واقعية فى ترتيب أقدميته القضائية وسط مرفق يمور بمبادئ وتقاليد الأقدميات، التى قد لا تأتى حقاً بالأصلح لكنها قواعد وأعراف توارثها القضاة راضين مع الأسف أجيالاً وأجيالاً! باختصار هذا هو حجم وترتيب أقدميته، وليس ذنبه أن يتأخر ترتيبه وخبراته، لكن ذنبه أن يُجالس كرسياً يعرف بضمير القاضى أن غيره كثيرين أحق به منه، خصوصاً أننا جميعاً بعد الثورة نسعى جاهدين لانتزاع وساطات الاختيار ومحسوبياته!
بدأت الحبكة الدرامية الهزلية لنظام مرسى إخوان فى إبعاد المستشار عبدالمجيد محمود عن منصب النائب العام إيعازاً للسادة المحترمين أعضاء الجمعية التأسيسية - التى حمدتُ العليم أن هدانى للاعتذار عن ترشيحى لعضويتها - بنصٍ فى المشروع الدستورى يُقيِّد مدة منصب النائب العام بأربع سنوات ولمرة واحدة طوال خدمته الوظيفية! وبالطبع نجحوا فى تمرير النص بسهولة تامة، أصلاً الأوراق تبعهم والدفاتر كذلك! على الرغم من فجاجة النص دستورياً - وهو أمر لا يُدركه جيداً إلا رجال القانون - لأن تكامل البناء الدستورى للمشروع ككل كان يقتضى تحديد مدة بقية المناصب المعيَّنة بالدولة التى أوردها كافة، كشيخ الأزهر والمحافظين وغيرهم، لكنه لم يحدث! وسار الركب والأيام على ذات الدرب حتى أُشيعت تحريات أمنية عن استعداد النائب العام لفتح الملفات القديمة لبعض قادة التيارات السياسية الإسلامية الحالية بعدما استشعر نية الغدر به، باعتباره صندوقاً أسود لجرائم مصر الجنائية ومجرميها لسنوات سابقة فى كنف نظام مبارك وأعوانه. وكاد الأمر يمر انتظاراً للإقرار الشعبى على المشروع فى الاستفتاء - لأنهم يضمنون بوسائلهم أغلبية الذاهبين من الشعب أيضاً فى «نغم» و «نعمين» - لولا أن تضمنت الأسماء بعض قادة جماعة الإخوان المسلمين! فكان قرار الرئيس بتعيين محمود سفيراً لمصر بدولة الفاتيكان لأنه لا يستطيع دستورياً عزله أو إقالته، وفشل الإخوان فى إثنائه بعد رفضه العطية والخروج الآمن، فما كان إلا أن تفتَّق ذهن عباقرة القانون حول الرئيس عن هذا المنشور الجمهورى المسمَّى بالإعلان الدستورى كوسيلة أكثر فجاجة من تمرير نص المشروع الدستورى، لأن الإعلان الدستورى الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الثلاثين من مارس 2011م والذى تقدَّم الرئيس مرسى إلى انتخابات الرئاسة وأقسم القسم الدستورى بعد نجاحه فى ظل قواعده، نص صراحة أن القضاة غير قابلين للعزل، وكانت الأحكام المنطبقة على القضاة هى ذاتها ما تنطبق على أعضاء النيابة العامة، رغم أن عملهم يبعد تماماً عن منصة القضاء وهو ما فطنت له دول عديدة، لكن مع الأسف هذا حال مصر وفقهائها وواضعى دستورها والموافقين على بياض خلفهم!
إن رأيى الذى سبق وأودعته فى أداء المستشار عبدالمجيد محمود كنائب عام قبل الثورة وبعدها، كان أكثر قسوة من رأى الرئيس مرسى نفسه، خاصة أن مبارك وحاشيته قد انتقوه بخبث شديد ضمن الاعتياد الصارخ للنظام على تجاوز بعض الأقدميَّات القضائية الصالحة فى منصبى رئيس المحكمة الدستورية العليا والنائب العمومى، وهو ما يُفسِّر حجم الفساد المسكوت عنه الذى كشفته الثورة فى جل المرافق، لكننى دافعت فى الأساس عن مبدأ دستورى بعدم جواز عزل النائب العام، فى بلد يستبيح نظامها الآنى بعض الأحكام والأعراف الدستورية والقانونية إلا فى الخطب الرئاسية والكلمات البروتوكولية ..

دافعت عن إقالة الصفة وليس الشخص .. عن التدخل السافر من رئيس الجمهورية كممثل للسلطة التنفيذية فى أعمال السلطة القضائية، والشك فى النوايا القانونية للرئيس ومن حوله من المستشارين القانونيين أن يجهلوا تلك المخالفة الدستورية، مع قبض رئيس الجمهورية حينئذ على السلطتين التنفيذية والتشريعية معاً، فهل تعطشت الرغبة لديه أو جماعته فى المساس بمجريات السلطة القضائية أو التدخل فيها أيضاً؟!

وتصاعد الاحتقان داخل مرفق القضاء والنيابة العامة بسبب قرار تعيين المستشار طلعت عبدالله فى منصب النائب العام، وانهمر تعليق العمل على الكثير من نيابات مصر التى لم تعد محروسة! رافضين التعاون مع الرجل لعدم شرعيته، وزاد الأمر سوءاً بلطجة تصريحات النظام الحاكم وبعض أعوانه من المجرَّمين السابقين بأحكام قضائية نهائية فى التطاول على القضاء والنيابة العامة، فاعتصم جمع من أعضاء النيابة العامة يوم الاثنين 17 ديسمبر بدار القضاء العالى، واجتمع نفر منهم مع الرجل بمكتبه لإقناعه بالتنحى عن منصبه غير الشرعى، إعلاء لهيبة القضاء والنيابة اللذيْن وضعهما فى مهاترات ومطارحات إعلامية نالت من هيبتهما، وإنهاء لتعليق العمل فى النيابات المختلفة تسييراً لصالح العباد، واحتراماً منه للأقدميات القضائية التى يفتقدها وجوده فى المنصب مقارنة بالعديد من الكفاءات التى تسبقه. وبعد ساعات من المناقشات والإيضاحات قام الرجل ورفع بخط يده طلباً - غير مؤرَّخ - إلى السيد المستشار رئيس مجلس القضاء الأعلى بقبول استقالته من منصب النائب العام والعودة إلى عمله بالقضاء، لكنه اشترط نظر الطلب بجلسة مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 23 ديسمبر، أى بعد تاريخ كتابتها بستة أيام! وأياً كان اختلافنا أو اتفاقنا مع فكرة تجمهر أعضاء النيابات العمومية وتعاملهم مع الرجل كذلك، فإن هذا لا يُساوى المجاهرة البلطجية من تصريحات النظام وجماعته، وما أحدثته من تحريض البعض على التجمهر يومها أمام دار القضاء العالى، وذكرتنى اللافتات المكتوبة يومها بذات اللافتات التى نزل بها المتظاهرون إلى شوارع مصر فى وقت واحد فور خطاب مبارك العاطفى أثناء الثورة، مما جعلنى أتساءل ذات السؤال الاستنكارى عن الوقت الذى أمكنهم فيه تجهيز تلك اللافتات وتمويلها.. ألم أقل لكم أن نظام مرسى إخوان هو النظام المباركى بعد التعديل!!
فالرجل الجالس بسلامته على مقعد نائب عموم مصر جعل استقالته معلَّقة على شرط! وكأن مجلس القضاء الأعلى يأتمر بأمره.. الأدهى والأمَرُّ فى موقف شيوخ قضاتنا رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى الذى استفزنى شخصياً، لأن التكييف القانونى لهذه الورقة غير المؤرخة التى كتبها الرجل هو طلب العودة إلى عمله رئيساً بمحكمة الاستئناف، والبت فيه وفقاً لقانون السلطة القضائية من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء وليس لرئيس الجمهورية أو حتى وزير العدل، فكنت أرى أن هذه الظروف التى تمر بها البلاد عموماً والقضاء خصوصاً تستدعى من المجلس الأعلى للقضاء المسئول عن شئون مرفق القضاء ورعايته أمام الله والشعب والقضاة وضمائر أعضائه أيضاً، سرعة الاجتماع والبت فى طلب الرجل حقناً لكل ما سلف، إذ تسبب تباطؤ المجلس وامتناعه عن البت فى طلب الرجل فى مُجاهرات بلطجية عديدة تصريحاً وتلميحاً بالتدخل الرئاسى فى الموضوع، وهو ما أصاب القضاء المصرى بشبهات مغرضة زادت من افتعال الأمور! فضلاً عن اتهام مجلس القضاء الأعلى نفسه بالخوف من النظام الحاكم ومهادنته! كما أن الرجل قد خرج يوم استقالته محمولاً على أعناق رجال النيابة العامة أمام التجمعات الشعبية الرافضة التى حشدها النظام أمام دار القضاء العالى - أليس أعضاء النيابة العامة من هذا الشعب المصرى البسيط الطيِّب المتناسى دائماً والمُتسامح فى حقه بمجرد تلبية مطالبه حتى ولو كانت وقتية أو على الورق! - ورفض الرجل يومها الخروج فى حراسة الأمن، بل إنه صرَّح تصريحات خاصة لبرنامج ''الحياة اليوم'' إنه فضَّل الاستقالة من منصبه للحفاظ على كرامة المنصب وليس بسبب اعتصام وكلاء النيابة أمام مكتبه، وأنه فى حال رفض القضاء الأعلى استقالته سيكون لكل حادث حديث، مما يؤكد عدم وجود ضغط أو إكراه من رجال النيابة العامة فى استقالته، كما يُعطى إشارة بانتظاره قرارا ما من مجلس القضاء الأعلى، وهو ما أراه واضحاً فى تباطؤ المجلس فى عقد اجتماعه لبحث الاستقالة.. ورحم الله أبى الجالس يوماً على منصة القضاء إذ قال: ''على القاضى إذا ارتعشت يداه حال اتخاذ قرار معين أن يلقى بالقلم الرصاص جانباً''!
واستقبل الرجل الجالس بسلامته على مقعد النائب العام فى مكتبه خلال اليومين التالييْن لاستقالته وفداً مما يُسمَّى حركة ''قضاة من أجل مصر، تلك الحركة مجهولة الهوية غير المُشهرة قانوناً، والبيِّن انخراطها فى وحل السياسة وارهاصات صلتها بحزب الحرية والعدالة، وهى تُصدِّر إيحاءً من مُسمَّاها لرجل الشارع البسيط أن أعضاءها - الذيْن لا يتجاوزون المائة - هم من يعملون كقضاة من أجل مصر وكأن بقية القضاة قضاة من أجل زامبيا! المهم.. الرجل قابل وفداً منهم لمعرفة أسباب تقديمه استقالته والاطمئنان عليه! وأخبرهم أنه تقدم باستقالته لعدم رغبة أعضاء النيابة العامة فى التعاون معه فى العمل، وأنه لم يتراجع عن الاستقالة لأنه يرغب فى العودة لمنصة القضاء! كما اجتمع مع أعضاء إدارة تفتيش النيابات مُؤكداً عدم قيامه بسحب استقالته لأنه تولى المنصب بطريقة غير شرعية وليس باختيار مجلس القضاء الأعلى. وفى المقابل أنهت الكثير من نيابات الجمهورية تعليق أعمالها، وتوافدت موافقات عديدة على الإشراف على الاستفتاء من أعضاء النيابة العامة. ألم أقل لكم: شعب طيب ونيابة بريئة!
وبعد ثلاثة أيام بالتمام والكمال فى هذا العصر والأوان، تراجع «رجل» - والرجال قليل فى زمان يستمتع أمثالى بمشاهدة ''عالم عيال عيال'' - عن استقالته مؤكداً أنها حدثت فى ظروف غامضة وغير عادية وتحت إكراه من أعضاء النيابة العامة! وأنه لا يقبل أن يُسجل تاريخ مصر نجاح مجموعة من أعضاء النيابة فى الضغط على النائب العام لتقديم استقالته بهذا الأسلوب الذى حدث أمام دار القضاء! وأنه لا يرضى أن يصير ما حدث سنة متبعة بعد ذلك! مُتطرقاً إلى أن الفقرة الثانية من المادة (70) من قانون السلطة القضائية تقرر أن مجلس القضاء الأعلى ليس صاحب السلطة أو الاختصاص فى القبول من عدمه، وأن الورق برمته تم إرساله إلى وزير العدل الذى سيقرر قبول الاستقالة من رفضها! ثم أسرع بمغادرة مكتبه وسط تعليمات بتشديد الأمن على دار القضاء العالى، ليباشر عمله فى اليوم التالى من مكتب آخر بمدينة القاهرة الجديدة!
سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ... ''الرجل قبل تراجعه بيوميْن قال بصوته الحى إنه فضَّل الاستقالة من منصبه للحفاظ على كرامة المنصب وليس بسبب اعتصام وكلاء النيابة أمام مكتبه، ولم يُشر تصريحاً أو تلميحاً إلى وجود أى إكراه من قِبل أعضاء النيابة العامة، وأكد فى حالٍ آخر عدم تراجعه عن الاستقالة لرغبته فى العودة إلى منصة القضاء! والآن يُعلن فجأة عدم رضائه عمَّا حدث وما خطَّت يداه، مقرراً أن مجلس القضاء الأعلى ليس صاحب سلطة أو اختصاص فى شأن استقالته! إذن لماذا رفعتها إلى المجلس يا«رجل»، ولماذا قبلت أن تخرج محمولاً على أعناق رجال صدَّقوا موقفك وثوقاً فى صدق وطبيعة القاضى داخلكَ، فَرِحين بك وبتاريخهم؟ هل كنتَ تتحايل على الجمع لتفريقه وإنهاء الموقف؟ وإذا كنتَ كذلك فهل هذه أخلاقيَّات القضاة الذين يثق الشعب فى عدالتهم؟ ثم لماذا لم تصمد يا«رجل» أمام ما سميته إكراهاً مادمت غير مقتنع؟ أنت تعلم ماهية الإكراه وفق المُستقر عليه فى أحكام محكمة النقض، فهلا جرؤت على اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مُكرهيكَ وأمام الشعب؟! أنت قلتَ أنكَ لا تقبل أن يُسجل تاريخ مصر نجاح مجموعة من أعضاء النيابة فى الضغط على النائب العام لتقديم استقالته بهذا الأسلوب، وأنا أقول لكَ الآن أن مجلس القضاء الأعلى بشيوخه ومجالس إدارات أندية القضاة والقضاء والنيابة العامة وبعض أصحاب التُك تُك من خارج الأهل والعشيرة وفئات عديدة من الشعب، كل هؤلاء وغيرهم يُناشدونكَ الآن التنحى عن منصبكَ، فهلا قبلتَ!!..

عن نفسى لا أناشدك البتة لاقتناعى الدستورى والقانونى بالوسيلة غير الشرعية التى توليت بها الادعاء العام، وما بُنى على باطل فهو باطل فى عقيدتى، ونلتقى على صفحات التاريخ القضائى يا«رجل».!
علمنى أبى أن القاضى فارس، وأن من سِمات الفروسية اتخاذ القرار والعين على صالح البلاد والعباد ثم تاريخ المرء وتاريخ نسله من بعده! وقد خرج أبى - يرحمه الرحمن - من الدنيا فى كنف منصة القضاء لا يملك إلا تاريخه القضائى وابناً أغوته تمرُّدات الفروسية! وكان أستاذاً لكثير من قضاة مصر الحاليين، فخر بهم ومازالوا يفخرون به، لكننى لا أزعم بالطبع أنه كان أستاذاً للرجل الجالس بسلامته على مقعد النائب العام الحالى أو السابق، لأننى أعرف تلاميذ أبى جيداً ومازلتُ أستأنس بهم أساتذة لى.!
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم ولكل من تغويه الشياطين أو الأنظمة الحاكمة أو المناصب الزائلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.