يعتبر حى بولاق واحدًا من أقدم وأعرق أحياء القاهرة التى كانت محط الاهتمام على مر العصور بدءًا من وصول الحملة الفرنسية إلى مصر أو فى عهد محمد على أو بعدها، ويقع الحى على الضفة الشرقية لنهر النيل وتتعدد شوارع وحوارى الحى وتتميز بالحكايات الشعبية العديدة. فى بولاق يتردد حتى الآن اسم الحاج إبراهيم كروم، فتوة بولاق والسبتية الذى تعلم على يده كثير من فتوات مصر وكانت حياته مثيرة سواء فى عالم الفتونة أو السياسة.
ولد إبراهيم كروم عام 1909 فى منطقة الوراق ثم انتقل مع أبيه الذى كان يرعى الغنم فى حى بولاق، وهناك نشأ وعاش وتعلم، وحين بلغ سن السادسة عشرة كان يعمل فى رصف الطرق بمعسكرات الإنجليز بيومية زهيدة حتى عام 1926، وفى هذا الوقت طارت شهرته كحريف يلعب بالعصا والشومة! كان إبراهيم كروم يهوى الرقص البلدى وكانت أثمن لحظاته وأكثرها تجليًا حين يرى زفة فيدخل ليرقص بشومته ويندمج على أنغام الموسيقى وإن مانع الناس فى ذلك خرّب لهم الزفة وتشاجر بشومته حتى يتركوه لحاله يرقص كالمنفصل عن العالم. فرض كروم سطوته على بولاق بالصدفة البحتة، فحين كان فى أحد الأفراح القادمة من روض الفرج ومتجهًا لبولاق ندهته نداهة الرقص بالعصا فاندمج فى وصلة رقص ورفض أن يخرج منها أبدًا فوصلت الزفة حتى كوبرى أبوالعلا وقابلها حسن طرطور فتوة بولاق والسبتية وقتها وأمر بإيقاف الزفة، فعانده كروم واستكمل رقصة حتى وصل إلى بولاق، هناك فوجئ بأكثر من عشرين رجلًا من رجال حسن طرطور يهاجمونه، فأخذ عصاه وأبرحهم ضربًا جميعًا حتى انتصر عليهم فهتف الناس باسمه واستقبلوه كفتوة المنطقة الجديد ومن وقتها أصبح إبراهيم كروم فتوة بولاق الذى يخشاه الجميع.
الجلاليب الصوف ظل إبراهيم كروم يناصر المظلومين وينفق الإتاوات على الفقراء والضعفاء ويحل مشكلات أهل منطقته، وافتتح دكانة صغيرة فى هذا الوقت حتى بدأت الحرب العالمية الثانية، ويحكى ابنه مصطفى كروم «وقت الحرب العالمية الثانية أبويا عمل الفلوس اللى كانت معاه، كان فيه أزمة فى السكر وكانوا بيصرفوله سكر فى دكانته فالحال مشى معاه وبدأ يشترى بيت واتنين وبنى عمارة وأكتر من مخزن وكان باين عليه النزاهة، كان عنده 108 جلاليب صوف أصلى كان يشتريها دايمًا من واحد قريب من الأوبرا». من هنا ذاع صيت إبراهيم كروم أكثر فأكثر كان يهابه الإنجليز ويتجنب رجال البوليس الاصطدام به، فبدأت حياته مع القصص السياسية المثيرة، فأشهر التهم التى تلاحقه وهي انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين مثيرة للكوميديا من جانب الجماعة، فقد ادعوا أن إبراهيم كروم كان مدفوعًا من قبل عدد من الأشخاص لقتل حسن البنا أثناء خطبته فى بولاق، فأخذ كروم رجاله ووقف أمام البنا فلم يستطع أن يقتله بسبب خطابه القوى الذى أثر فيه فبكى وندم وصعد للمنصة وتاب بعدها!. هذه القصة التى تحكيها الجماعة لا تزال حتى الآن على موقعهم «ويكيبيديا الإخوان المسلمين» فى محاولات لنسب إبراهيم كروم لهم كفتوة الأتقياء الصالحين فى محاولة لنشر صورة تعظيمية خرافية للبنا. والقصة فى الحقيقة أبسط من ذلك ويحكيها أحد أعضاء الجماعة أنفسهم لكنهم رفضوا الاعتراف بها، فقد كان كروم فتوة بولاق يتم جمع التبرعات لإقامة صوان كبير كى يلقى حسن البنا خطبته فلم يتم جمع أى تبرعات فتدخل كروم بدافع الشهامة والجدعنة وجمع الإتاوات لإقامة الصوان الكبير، لذلك أثنى عليه البنا ومدحه وطلبه بجانبه ع المنصة لمجهوده وشهامته، وهذه الحادثة لم تفارق كروم حتى ارتبط اسمه بالجماعة لفترة حتى تم اعتقاله ضمن عدد كبير من الإخوان بعد اكتشاف مخطط محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر وتم الإفراج عنه بعدها بعفو صحى، وفى إطار الإفراج عن كل من ثبت تعاملهم مع الجماعة بحسن نية.
وما يثبت هذه الرواية كان حب إبراهيم كروم الكبير لعبد الناصر، ففى عام 1955 وبعد نجاح الرئيس عبدالناصر فى إتمام صفقة الأسلحة التشيكية وأعلن معارضته لحلف بغداد ومقاومته للاستعمار ومساعدة الحركات الوطنية فى نضالها ودوره الكبير فى «مؤتمر باندونج» وتأسيس حركة «عدم الانحياز» أصر كروم أن يستقبله بعد عوته فى ميدان عابدين، فأعد ترتيباته وأراد أن يقابله راكبًا على أسد كبير فذهب وقتها لمحمد الحلو مدرب السيرك الشهير طلب منه أسدًا فرفض، فطلب فيلًا فرفض أيضًا وقال له: لا يمكن أبدًا يدوس الناس ويقتلهم وتعمل مصايب فى الشارع»، فذهب كروم وأخذ أحسن حصان لديه وامتطاه وذهب وسط ثلاثة آلاف من حى بولاق لاستقبال عبد الناصر. «فتوة مصر إبراهيم كروم يحيى فتوة العالم الرئيس جمال عبد الناصر» كانت هذه اللافتة الأشهر فى استقبال كروم للرئيس، وقد اقتحم الموكب وأصر أن يسلم عليه يدًا بيد، وبالفعل قابله عبد الناصر وسلم عليه والتقط صورة تذكارية معه.
وفى عام 1956 كان للمعلم إبراهيم كروم مساهمات وطنية كبيرة تنفى صلته بالجماعة الإرهابية، فقد هاجم مخازن سلاح تابعة لجماعة الإخوان وأخذ 156 رشاشًا سلمها للدولة، كذلك بدأ ينظم أهالى بولاق والسبتية استعدادًا لحدوث إنزال جنود كما حدث فى بورسعيد، كما ساهم بحملة لتسليح الجيش وقتها. ولم تُخف شهرة فتوة بولاق والسبتية عن الوسط الفنى، فقد زاره فريد شوقى حين كان يستعد لفيلمه فتوات بولاق وطلب منه التمثيل معه كأحد رجاله، وقتها سخر منه كروم ورفض عرضه قائلًا: أنا كل فتوات مصر صبيانى مينفعش أطلع معاك إنى واحد من رجالتك!. وبالفعل تفهمه الفنان فريد شوقى وشرب معه الشاى وودعه!.
ابتعد إبراهيم كروم عن الأجواء السياسية، وهدأت وتيرة حياته حتى توفى عام 1963 عن عمر ناهز 54 عامًا وسط حزن شديد من أهالى منطقته، ومن الشخصيات العامة الذين شيعوا جثمانه حتى مثواه الأخير ليكون المشهد الأخير فى أسطورة بولاق والسبتية! 47