هل هو زمن المعاناة مع اليمين المتطرف؟! السؤال هو المتداول حول العالم، وسط كثير من «الحوادث» اللافتة آخرها القبض على منتمين لجماعة «مواطنى الرايخ» في ألمانيا، وهم جماعة شديدة التطرف ولها مثيلاتها حول العالم شرقًا وغربًا. في إيطاليا، وبعد فوز «جورجيا ميلونى» في الانتخابات الأخيرة كان قد عاد الجدل حول جماعات اليمين المتطرف في أوروبا. تنتمى ميلونى لحزب «إخوة إيطاليا» أحد بقايا الحركة الفاشية التى أسّسها ديميترى موسيلينى فى مرحلة حساسة من تاريخ أوروبا. وقبل أشهُر فتح اغتيال شينزو آبى رئيس الوزراء اليابانى السابق ملف أكثر الجماعات اليمينية المتطرفة فى اليابان وهى جماعة «مون».. و«مون» موضوعة خلال السنوات الخمسة عشرة الأخيرة على قوائم الجماعات المتطرفة فى العالم، إضافة إلى «النازيون الجدد»، وجماعة الحقيقة المطلقة والكلوكوس كلان فى الولاياتالمتحدةالأمريكية. وقبل شهور اغتيل رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبى فى حادث إطلاق نار متعمد أثناء مشاركته تجمعًا انتخابيًا فى نارا، وأصيب آبى برصاصتين فى رقبته وأضرار فى قلبه أثناء الهجوم المتعمد من أحد المنتمين لطائفة هون إحدى أشهر الطوائف المحسوبة على اليمين المتطرف فى اليابان، وتوفى آبى بعد ساعات قليلة من نقله للمستشفى عن عمر ناهز 67 عامًا، وقد كان رئيس الوزراء الأطول خدمة فى تاريخ اليابان وعلى الرغم من استقالته فى 2020 فإنه استمر كرجل سياسى مؤثر ومحبوب.
وأظهرت لقطات الهجوم على آبى, المسلح تيتسويايا ماجامى الذى اعترف بعد اعتقال الشرطة له أنه أطلق النار بشكل متعمد تجاه آبى انتقامًا لعائلته التى أفلست بسبب تبرع والدته بمبالغ كبيرة لطائفة دينية كان يعتقد أن شينزو آبى يدعمها أو جزءًا منها. الحادثة كانت الأشهر الفترة القليلة الماضية التى أعادت تسليط الأضواء على جماعات اليمين واليمين المتطرف فى العالم وفى أوروبا. الطوائف والجماعات الغربية المتشددة أشهرها طائفة مون فى اليابان إضافة إلى طوائف وجماعات أخرى مثل «النازيون الجدد» والحقيقة المطلقة وجماعة الكو كلوكس كلان فى الغرب. بدأت طائفة مون الظهور منتصف خمسينيات القرن الماضى على يد الكورى سون ميونخ مون الذى ادعى وقتها أنه رأى السيد المسيح فى المنام يطلب منه استكمال مسيرته فأعلن نفسه مسيحًا جديدًا وأسّس حركة دينية عالمية عُرفت باسم مون أو المونيون التى نسبت لها أول كنيسة فيما بعد باسم كنيسة التوحيد، وعرف هو وزوجته باسم «الأبوين الحقيقيين». تأسست أفكار «مون» على توحيد جميع الطوائف المسيحية لإعادة الأرض مرة أخرى إلى جنة عدن أى قبل سقوط آدم فى الخطيئة. وأسست وقتها الاتحاد باسم اتحاد الأسرة من أجل السلام العالمى والتوحيد. آمن الزوجان أن السلام يمكن تحقيقه من خلال التزاوج بين الأعداء لإنجاب أطفال طاهرين أصدقاء لبعضهم البعض وبذلك يسود الحب والسلام. وعلى هذا عقدت كنيسة التوحيد حفلات زفاف جماعية أكثر من مرة تضم من 2000 إلى ثلاثة آلاف شخص لا يَعرف بعضهم الآخر ويتم تزويجهم لتحقيق السلام.
شينزو آبى
بعدما استطاع مون جذب أنظار الناس وذاعت شهرته أوروبا والعالم واكتساب مئات الآلاف من الأعضاء تحولت كنيسته إلى إمبراطورية ضخمة تكسب ملايين الدولارات، إلا أن الطائفة طالها كثير من الاتهامات بالعنف والتطرف ومنعت من دخول بعض الدول مثل إنجلترا، لكن الأب مون استطاع أن ينخرط فى الولاياتالمتحدةالأمريكية بتأييد ساحق من اليمين المتشدد حتى توفى عام 2012 بعدما أعلن رسميًا أنه المسيح المنتظر. خلف الأب المؤسِّس أصغر أبنائه العشرة شون مون الذى ادعى أن والده توّجَه فى حياته أكثر من مرة وأنه الوريث الشرعى للطائفة، وعلى غير خُطى والده أدخل شون العنف والسلاح للطائفة بمساعدة شقيقه الذى يملك مصنعًا للأسلحة، واستند شون لتفاسير خاطئة لإنجيل يوحنا حين أمسك المسيح سوطا حديديًا ليدافع عن بيته، اتخذها شون ذريعة أن يدعى على المسيح أنه كان يميل للسلاح وأن السوط يشبه حاليًا سلاح الآر بى چى. فى كل حفلات ومناسبات «كنيسة التوحيد» المزعومة حاليًا نرى شون مون بردائه الأخضر وتاجه المصنوع من فوارغ الرصاص ويبدأ اجتماع الصلاة وأعضاء الكنيسة واقفين وأمام كل عضو منهم سلاح الأر بى جى، بينما هناك منطقة مكتوب عليها أنها خالية من السلاح وهذه مخصصة للأطفال يمارسون فيها العنف بصورة مختلفة عن طريق اللعب بالدمى وخنقها!
ويرى شون أن القوة والسلاح هما الطريق الأنسب للحفاظ على الولاياتالمتحدةالأمريكية وعلى عالم الرب وميراثه، حيث تنطلق دعوته فى الولاياتالمتحدة للعالم، لذلك يسعى جاهدًا من خلال خطاباته الدينية والسياسية والتدريب على فنون القتال ومن أشهر خطبه كانت حين قال فى أمريكا: «يدعوننا بالمونيين، ويعتقدون أن المونيين مجانين لكننا لسنا مجانين إننا فقط نكره الشيوعية، ونريد حماية عائلاتنا، وحماية زيجاتنا، وحماية أطفالنا ونتمنى أن يمتلك كل شخص فى هذا العالم عصاة حديدية». واستمر عنف جماعة مون، فيما استمرت تفاصيل عنف أكبر وأخطر تمارسه جماعة الحقيقة المطلقة لمؤسسها أساهاراشوكو المولود باليابان عام 1955 اشوكو كان تقريبًا من ذوى الاحتياجات الخاصة وضعف البصر، تخرج فى مدرسته عام 1977 حاول الالتحاق بالجامعة لكنه فشل فبدأ من نفسه فى الاشتغال بالطب الصينى ليتحول بعد ذلك لاعتناق منهج خليط من الأفكار المتشددة. عام 1981 اتهم أساهارا بممارسة الطب دون رخص وحكم عليه بغرامة مالية كبيرة. بعدها بدأ أساهارا بدراسة العديد من المبادئ الدينية، بدأ من الأبراج الصينية، مرورا بالطاوية، قبل أن يؤسس ساحة يوجا فى طوكيو لتتحول فيما بعد لساحة تدريبات لأعنف طائفة دينية عُرفت فى اليابان. وبعد رحلة لجبال الهيمالايا عام 1987 رجع أساهارا وغير اسمه وأطلق على جماعته اسم «أوم شينريكيو» وهو اسم مقتبس من الديانة الهندية وتعنى الحقيقة المطلقة. أعلن أساهارا أنه يجسد الإله الهندوسى شيفا، وتعهد بقيادة أتباعه للخلاص من الشرور فى معركة ساحقة وتملك إمبراطورية اليابان.. وقتل كل ما هو لا ينتمى للجماعة. فيما بعد نجح أساهارا فى تأسيس فرع لأوم شنريكيو فى موسكو ويقال إنه تلقى دعمًا من نائب رئيس الوزراء الروسى فى حينها أوليجلوبوف، وعرض الراديو الروسى الفدرالى برنامجًا يوميًا لأساهارا بين التاسعة إلى العاشرة مساءً فى الفترة بين عامى 1992 و1994، بعدها وصلت الجماعة طور الإرهاب.
بدأت العمليات الإرهابية لأوم فى التسعينيات أشهرها تنفيذ هجوم بغاز السارين السام بمترو الأنفاق فى طوكيو عام 1995 أسفر عن مقتل أكثر من 12 يابانيًا وإصابة الآلاف وبعدما اعتقلت الشرطة أعضاء الجماعة اكتشفت كميات من الغاز تكفى لقتل 5 ملايين شخص كان أساهارا يخطط لاستخدامها كى يقتل اليابانيين ويعلن نفسه إمبراطورًا على البلاد. قبلها كانت الجماعة قد اغتالت المحامى ساكا موتو وعائلته بسبب رفعه دعوى قضائية ضد أوم. اعتقلت السلطات اليابانية بعد هجوم المترو أعضاء الجماعة ونفذت فيهم جميعًا حكم الإعدام عام 2018 وأولهم أساهارا لتطوى صفحة الجماعة من تاريخ اليابان وتأمل ألا يظهر أتباع جدد لأوم فى أى وقت. قبل شهور أعادت الأزمة الروسية الأوكرانية للأذهان الحديث عن جماعات أخرى متشددة مثل «النازيون الجدد»، فقد أشار بوتين فى خطاباته مرات عديدة ل«النازيون الجدد» فى أوكرانيا الذين يهددون الأمن الروسى بشكل مباشر ومن التحليلات المختلفة نرى أن بوتين يشير بشكل محدد إلى مقاتلي أزوف وهى كتيبة بدأت فى أوكرانيا عام 2014 وانتشرت فى الأنحاء الأخرى ومؤسسها يدعى أندريه ينتمى لليمين المتطرف ويؤمن بالأفكار النازية يؤيد تفوق العرق الأبيض. وبشكل عام يشير مصطلح «النازية الجديدة» إلى الحركات العسكرية والاجتماعية والسياسية فى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية التى تسعى إلى إحياء وإرجاع الأيديولوجيا النازية. وخلال الخمسة عشر عاما الأخيرة بدأ النازيون الجدد فى أوروبا إعادة تنظيم أنفسهم وتعالت دعواتهم الأيديولوجية التى تروج للكراهية وأفكار سيادة البيض والدعوة للهجوم على الأقليات العرقية والإثنية.
النازية الجديدة ظاهرة عالمية يوجد ممثلون لهم فى العديد من البلدان الغربية كذلك شبكات دولية تابعة لهم. تستقى النازية الجديدة العقيدة النازية بما فى ذلك معاداة السامية والعصبية القومية والعنصرية ورهاب الأجانب والتمييز ضد المعاقين ومعاداة الشيوعية والدعوة لإقامة «الرايخ الرابع». ويعتبر هذا المنهج الفكرى فى أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم والذى يحمله جماعات ما يسمون بحليقى الرؤوس مضادًا لكل من هو ليس أبيض البشرة فى بلدانهم كالسود والآسيويين والساميين والشرق أوسطيين وأديان كاليهودية والإسلام بحجة تهديد هؤلاء لطبيعة المجتمعات الأوروبية قد يؤدى لانقراض مجتمع البيض. وهناك مجموعات «نازيون جدد» تحظرها ألمانيا بشكل رسمى منها: لواء «العاصفة 44» أو سرية الذئاب ويرتدى كل أعضائها الملابس العسكرية النازية ويشير الرقم 4 إلى الحرف الرابع فى الألمانية D لذلك 44 تشير إلى DD وهى اختصار للتعبير الألمانى الدارج «وحدة ديرليفانبر»، وهى وحدة خاصة فى الجيش النازى كانت تمارس التعذيب ضد الأطفال وتقتل الناس خلال الحرب العالمية الثانية. أما مجموعة نسر الشمال التى حظرتها ألمانيا أيضًا فقد نفذت الشرطة مداهمات فى عديد من الولايات الألمانية للقبض على أعضائها الذين خططوا لتنفيذ اعتداءات وحاولوا الحصول على أسلحة وذخيرة ومتفجرات للقيام بعمليات مسلحة وإرهابية ضد المواطنين.
أما جماعة «مواطنو الرايخ» فهى تعترض على اتحاد الجمهورية الألمانية وتنفى سلطة الحكومة الألمانية، وتعتقد المجموعة أن الإمبراطورية الألمانية، بما فى ذلك المناطق التى كانت تتبعها قبل الحرب العالمية الثانية لا تزال قائمة،