«بعد حريق هائل استمر أكثر من شهر بالشركة ردا على عملية إيلات.. اضطررت للسفر ليلا لأطمئنها أننى بخير». . «ظللت أبحث عنها بالإسماعيليةوالشرقية بعد حريق قطارها، وكان لدى أمل أنها لا تزال على قيد الحياة».. «أبلغونا بوفاته فى الأسر.. وصرفت لى الشركة مستحقاته المالية، ولم أعرفه عندما عاد.. بسبب الصدمة التى ظلت ثلاثة أشهر.. حتى رأيت بحر السويس».. ثلاث قصص حقيقية .. تفاصيلها تفوق أفلام أكتوبر التى قام ببطولة أغلبها الفنان محمود ياسين، بدور والرصاصة لاتزال فى جيبى، وغيرهما. حب وزواج وأبناء فى سنوات الحرب.. ويوميات مساكن التهجير.. وفرحة العودة إلى بحر السويس.. وتفاصيل إنسانية كثيرة عن أناس لا يعرفهم أحد.. لكنهم حقيقيون.. يتذكر المهندس حميد موسى، 74 عاماً، يوم زواجه فى يناير 1971 بعد فترة خطبة دامت خمس سنوات، وقصة حب تعود بدايتها إلى الطفولة، ويتحاكى بها الجيران. «تمت خطبتنا ومازلت طالبا بالمعهد العالى للهندسة، الذى أصبح فيما بعد كلية الهندسة، كان ذلك فى عام 1966 رغم معارضة الأهل، لأنى كنت كأغلب أبناء جيلى، أحمل روحى على كتفى فى الجيش».. يكمل حميد: البنات كانت معارضة خطبة البنات من الملتحقين بالجيش، أن البنات ربما يكون لديهن فرص أخرى للزواج من رجال من المنتظمين فى وظائف مستقرة. لكن الحب الذى جمعنى ببنت الجيران كان أقوى، وتمت الخطبة، وبعد خمس سنوات تم الزواج، قبل الحرب بعامين. هذه قصة ابنى وسيم يعود المهندس حميد لأول فرحة حقيقية فى حياته فى 1972 «مولد ابنه» الذى أسماه «وسيم» على اسم زميله «محمد وسيم» الذى أسر خلال موقعة الثغرة أثناء الحرب، «كان يتم رفض الأسماء المركبة لذا أسميته فى شهادة الميلاد محمد، بينما بالبيت كان يطلق عليه وسيم». أما ابنى الأوسط «عابر» فقد وُلد بعد الحرب بشهر واحد فقط، ولو كانت بنتاً كنت أسميتها «عبور» لأن شهور حمله كنت أحلم فيها أنا وزملائى وكل مصر بالعبور للضفة الأخرى من قناة السويس.. فى تلك السنوات كان المهندس حميد عريفا بالجيش- مؤهلات عليا- بوحدة فنية وليست قتالية، وكان مسئولا عن سارية أسلحة وذخيرة اسمها «س.65. رادار» أى سارية رقم 65 بوحدة الرادارات، وهى عين الجيش ومسئولة عن الإبلاغ بإقلاع طائرات العدو. تخرجت فى الجامعة فى عام 1967 وظهرت النتيجة فى يوليو، لألتحق بالجيش فى سبتمبر لتأدية الخدمة العسكرية، فى الوقت الذى تخرجت فيه خطيبتى «رمزية» من «المعلمين العليا» وتم تعيينها فوراً فى التربية والتعليم رمزية. تقول رمزية: «هاجرت مع أسرتى إلى الشرقية، كنت ما زلت بمعهد المعلمين، ونقل مقره من السويس إلى الزقازيق، وخلال وجودنا بالقطار المتجه إلى الزقازيق، قصف القطار بالكامل، خلال توقفنا فى مدينة الإسماعيلية، وحرقت حقائبى بالكامل، وفستان زفافى الذى شغلته بيدى أمام عينى، ولكننى نجوت أنا ووالدتى». تكمل رمزية: على ما يبدو كان يوجد عروسة حديثة بالقطار، حيث كانت هناك شبكة مفقودة فى علبتها وسألونى إذا ما كانت تخصنى فقلت لهم لا، فأشيائى كلها احترقت». ويتدخل زوجها المهندس حميد إلى الحديث مرة أخرى، وقال: وقتها ظللت كالمجنون أبحث عنها فى الإسماعيلية، وكنت أمسك بصورتها وأبكى، وظننت أنها توفيت، إلى أن علمنا بأن الخسائر محدودة ولا توجد خسائر بالأرواح، رغم احتراق القطار بالكامل وسافرت إلى الشرقية أبحث عنها، وكان عندى أمل كبير أنها مازالت على قيد الحياة إلى أن تقابلنا مرة أخرى. يوميات السنوات السبع لم يعد المهندس حميد إلى بيته بعد انتهاء الحرب فى 1973 كأغلب الجنود، فكان عليه مهمة أخرى، استغرقت عاما إضافيا، «أنهيت خدمتى بالجيش 1974 أى بقيت سبع سنوات، لاحتياج القيادات إلى المؤهلات العليا وكان قائد الكتيبة مهندساً أيضاً، وظللت لمدة عام لحصر الخسائر التى حدثت وقت الحرب ومراجعة الإجراءات الإدارية. يتذكر حميد: «وقت الثغرة فى الدفرسوار، كنا فى طريق فايد بالإسماعيلية ودخل الإسرائيليون بالدبابات، وضربوا الوحدة بالكامل، مما اضطرنا لنقل المعدات، وذهبنا لعتاقة وكان الضرب متواصلا، ونحن نختبئ تحت الأرض». كان ذلك فى الفترة من 19 أكتوبر إلى 24 أكتوبر، انسحبنا من السويس، ودخلنا منطقة الروبيكى على بعد 40 كيلو من السويس، وأكملت طريقى إلى القاهرة، وكانت زوجتى مع والدتها بالجيزة، ووصلت للبيت ولم تعرفنى حماتى ولا زوجتى بسبب آثار الحرب، 18 يوما، بالتأكيد تغيرت ملامحى، ذكرت لهم اسمى ليتأكدوا. وتتدخل رمزية زوجته: وصل إلى المنزل ولم أعرفه، ولم تكن لديه قدرة حتى على الاستحمام، لمعاناته خلال أيام الثغرة، والضرب المتواصل. يتمنى حميد أن يصل إليه أصدقاؤه وقت الثغرة ممن تم أسرهم، وقال: أتمنى أن أصل إليهم بعد أن يقرأوا المجلة. الحب فى مساكن التهجير تتذكر عايدة عبدالفتاح، الموظفة بالمعاش 64 عاماً زوجها رحمه الله، الذى ظل بالجيش خمس سنوات، تمت خطبتهما عام 1970 وتزوجا عام 73 بداية قصة اشتعلت بمساكن التهجير بالأميرية فى القاهرة، «كنا جيراناً، وكان هو فى إجازة، فقابلنى وأنا خارجة من بيتى، وأعطانى ورقة فى يدى، كتب فيها أنه يريد مقابلتى». تبتسم عايدة وتكمل: أعطيت الورقة لأمى، فطلبت منه الابتعاد عنى، كانت تخاف على أنا وأخواتى البنات، بعد وفاة والدنا الذى تعود جذور عائلته إلى الصعيد.. فطلب فراج محمد فراج، الزواج منى ليثبت جديته، وتم عقد القران بالفعل، وخلال ثلاث سنوات كنت أعرف أخباره من جهاز القوات المسلحة فى مدينة نصر، كان عسكريا بالصاعقة وعلمت أنه أسر لمدة 6 شهور وقتها، وبعدها فى 1972 أبلغونا أنه توفى، وأبلغوا الشركة التى كان يعمل بها، وصرفوا لى المستحقات بالفعل، وأصبت بحالة نفسية غريبة، أستيقظ بالليل أصرخ وأشعر أن الفراش ينزل بى للأرض. اصطحبتنى أمى للأطباء فقالوا إننى سليمة، وكتبوا لى أدوية أعصاب، ولم نترك سبيلا للخروج من الحالة النفسية إلا وسلكناه، ذهبنا لزيارة مساجد أولياء الله الصالحين، وأنا فى حالة لامبالاة ولا أشعر بمذاق الطعام، و لا أعلم ما أتناوله ولا اسمه.. ثم كانت المفاجأة أن علمنا أن زوجى لم يتوف، ورأيته بالفعل أمام عينى، فلم أعرفه ولم أكن أدرك ما يدور حولى، وبقيت فى حالة صدمة ثلاثة شهور. وطلب منا الطبيب أن أذهب لمدينة بها بحر، ورجعنا إلى مدينتنا السويس، بعد أن انتهت الحرب، وتزوجنا فى أغسطس من نفس العام، وساعدنى زوجى على الشفاء. عشنا فترة صعبة جداً، يوميات الحرب، التى لم يعان منها الجنود فقط، بل أسرهم أيضا، حكى لى زوجى أنهم فى بعض الأيام لم يجدوا طعاما، فاضطروا لأكل ديناميت بدلا من الملح، وقتها قالوا: من أكل هذا الديناميت لن يستطيع الإنجاب، وتأخر الحمل بالفعل، لكن الله رزقنا بثلاثة أولاد، وائل ووسام وهبة. زواج فى الطوارئ على موسى، مدير حسابات بالمعاش بشركة النصر للبترول بالسويس، يتذكر وقت أن كان بالمقاومة الشعبية، مراسلا صحفيا، وفى عام 1968 حدث حريق بشركتى رداً على تدمير المدمرة إيلات، وقتها ظل الحريق أكثر من شهر لدرجة وقوع حالات وفاة من رجال المطافئ. كان غطاء «تانكات البترول» يطير بالهواء ويسقط على رءوس العابرين، والأشجار تتقطع من الشظايا، وكنا نختبئ بخندق حجمه 8 بوصة وعليه رمال، داخل الشركة، وكان معى ردايو صغير ترانزستور لمعرفة الأخبار. يكمل على: كنت قد عقدت قرانى قبل النكسة بعامين، وخطيبتى تعمل مدرسة بالتربية والتعليم، ومن المهجرين بمنطقة الحوامدية بالجيزة، وهى فى الأصل كانت تعيش بالمنصورة، ثم انتقلت عائلتها إلى غمرة بالقاهرة، ثم إلى مدينة الحوامدية بالجيزة، لأنها أكثر هدوءاً. وقت الحريق الهائل، سافرت للقاهرة لأطمئنها أننى بخير، بعد علمها بالحادث، ثم تزوجنا فى سبتمبر 1969 رغم ظروف الحرب، وكانت ظروفنا المالية جيدة، وكانت الحياة أسهل، فلم يكن قراراً صعباً وتزوجنا بالفعل، وأخذت إجازة تسمى إجازة طوارئ، لإتمام الزواج، ورزقنا الله بثلاثة أبناء بعدها.