لا يسمح إلا إلى صوتها يخترق أذنه ويسكن فى وجدانه سواها هاتفنى الأسبوع الماضى قائلا (لا تنسى عيد ميلادها)..وبالفعل فقد كنت قد نسيت هذا الحدث المهم وسط غمار ما يحدث حولنا من كوارث ذكرى شهداء محمد محمود وقطار البدرشين والمقدم محمد مبروك الذى أطلق عليه النار فى مدينة نصر.. مافات من سطور ما هو إلا القليل أو الأخير. أيام تتشح بالسواد يخيم عليها الحزن.. إلا أنها هى هكذا دائما تستطيع بصوتها الملائكى الحساس أن تنشلنا من أى مستنقع نقع فيه من أى مشاعر كئيبة قد تغلف حياتنا، من أى ضائعة نفسية نمر بها..
∎ إنها الساحرة الطيبة فيروز
أما هو فإنه رجل مصرى.. يعمل كطبيب قلب يمتلك ثروة اسمها تراث فيروز.. يعلم كل شىء عنها.. يبحث دائما عن أغانيها المنسية يحفظ جميع الأغنيات والقصائد عن ظهر قلب.. لا توجد معلومة إلا ويعرفها عن تلك الساحرة يتحدث عنها وكأنه أقرب إنسان لها.. إنه طبيب القلب د. شارل بشرى مجلى
هو صديق قديم يجمعنا حب فيروز وبعض الآراء التى ترفض التابوهات الثابتة.. نرفض الظلم.. نحزن على من راحوا.. نكره الإخوان.. ونعشق الجمال وننبذ القبح.
قررت أن أحتفل بعيد ميلاد فيروز بطريقة خاصة مختلفة.
قررت أن أبحث عن الثورة فى أغانيها وأختار من بين مسرحياتها ما يتوافق وهذا المعنى ، وخاصة أن د. شارل الآن فى طريقه لإصدار كتاب ضخم يضم جميع أعمال الساحرة الطيبة.. كان مرجعى الأساسى هو د. شارل وحفظى لمعظم أغانى فيروز الجميلة.
∎ معلومات مهمة
ولدت فيروز فى 21 نوفمبر عام 35 أى أنها قد بلغت الثامنة والسبعين. أسجل هنا جملة اعتراضية أنها وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات لا تزال تغنى وتشدو.. وتقيم الحفلات.. رغم رحيل عاصى ومنصور فقد ساعدها فى ذلك وجود زياد رحبانى ابنها، الملحن والمغنى والمؤلف والموسيقى المعروف.. ولدت فى بيروت فى منزل صغير، ضيق.. متواضع ، كان والدها (وديع حداد) يمتلك مطبعة فى جورنال اسمه (لوجور).
اسمها الحقيقى نهاد حداد.. انضمت للكونسرفتوار وفرق الإذاعة اللبنانية وهى تبلغ الرابعة عشرة.. اكتشفها (حليم الرومى) والد المطربة ماجدة الرومى.. وهو الذى أطلق عليها اسم فيروز بعد أن كانت المفاضلة ما بين فيروز وشهرزاد إلا أنه استقر على ما هو عليه.
قدم حليم الرومى لها ألحانا وأوبريتات هو والملحن محمد فليفل ثم قدماها لعاصى الرحبانى عام 15 وطلب الرومى من عاصى أن يضع لها ألحانا راقصة.. إلا أن عاصى رفض وقال ان صوتها يصلح لكل لون إلا اللون الراقص.
من المعروف أيضا أن فيروز لم تستسغ عاصى بل كانت ترى أن (دمه تقيل) فهكذا صرحت لإحدى صديقاتها فى بداية معرفتها به.. إلا إن الحال قد تغير وكان النصيب أن تتزوج فيروز من عاصى ويتكون مشروع الرحبانية عاصى ومنصور وصوت فيروز.
ومن الجدير بالذكر أن جميع أعمالهم لم يكتبوا أو ينشروا لمن كانت الكلمات ولمن كان اللحن.. كانوا يطلقون على أعمالهم الرحبانية فقط إلا أن هناك واقعتين تميلان أن عاصى كانت ميوله أكثر لحنية ومنصور يميل إلى كتابة الكلمات، الواقعة الأولى أن منصور ذهب إلى عاصى ذات يوم وقدم له قصيدة (إذا كان ذنبى أن حبك سيدى فكل ليالى العاشقين ذنوب أتوب إلى ربى وأنى لمرة يسامحنى ربى إليك أتوب).
قال منصور لعاصى إنها من الشعر القديم إلا أن عاصى اكتشف بعد ذلك وبطريقة الصدفة أن منصور هو كاتب تلك الكلمات.. الواقعة الثانية أن منصور أصدر أكثر من ديوان شعرى، وبذلك اتضحت الرؤية بعض الشىء ذلك لأنهما كانا مكملين لبعضهما البعض وكانت لعاصى ميول شعرية ولمنصور ميول لحنية لذلك فضلا عدم الفصل.
استمعت إلى فيروز كثيرا الفترة السابقة لأبحث عن الأغانى الوطنية الثورية.. إلا أننى اكتشفت أنه من الصعب التصنيف فقد كانا يدمجان الوطن مع الظلم مع الجبروت كله فى ضفيرة تخرج منها مشاعر ثورة إلا أنها أغانٍ عصية لا تستطيع أن تضعها ضمن مجموعة معينة.
لم نجد أغانى مباشرة سوى فلسطين والقدس وزهرة المدائن وأغنية راجعون.. نجد كذلك جسر العودة أولا عرضت بطريقة متنوعة وكانت القضية الفلسطينية فى أوج اشتعالها.
أما المشروع الحضارى للرحبانية فمحوره الإنسان ، كان يتحدثون عن كل ما يفعله الإنسان تحدثوا عن الحق ورفضوا الظلم ، ظلم الطاغية فى مسرحية (ناطورة المفاتيح) والتى كان اسم فيروز فيها (زاد الخير)وهو اسم معبر عن أنها تمثل الخير في مهاجمة الظلم والشر التى ظلت فى البلد رغم هجوم سكانها لها من جراء الحكم الظالم قررت أن تبقى ترعى البيوت ومفاتيح البنايات.
نجد الرحبانية رفضوا الحاكم الجاهل الكسول فى مسرحية (صح النوم)رفضوا ظلم السلطة وبطشها وبيروقراطيتها على مسرحية الشخص تحدثوا عن العدل وأعلوا من قيمة الرحمة التى هى فوق العدل.
تطرقوا للسياسة والاحتلال ورفض هذا الظلم والمقاومة حتى الاستشهاد وبذل الدم فى مسرحية جبال الصوان التى تتكلم عن محتل اغتصب الوطن ، فيصروا على نذر الدم الذى يتيح لأبناء الوطن أن يحرروا وطنهم ، تحدثوا عن الوطن فى أغنية وطنى يا جبل الغيم الأزرق.. تحدثوا فيها أن الوطن ليس فقط الجغرافية والحدود ، ولكنه كذلك بيوت من نحبهم.
تطرقوا سياسيا فى مسرحيتهم الأخيرة بترا للظلم الواقع من الدول العظمى على الدول الصغيرة التى تحاول أن تنال حريتها ورمزوا بذلك لحرب القوة العظمى وهى الدولة الرومانية ضد مملكة بترا - لا تزال موجودة حتى الآن فى الأردن وهى حادثة تاريخية معروفة غنت فيروز أغانى غاية فى القوة ترفض الظلم وسحق الإرادة والتى تقوم بها الدول العظمى وذلك فى أغانٍ كثيرة من مسرحية بترا مثل أغنية (صغيرى وما بتعرف وبتعرفى بلعب الكبار) والتى تحدثت فيها عن حيلة خسيسة لجأت إليها روما حين استشعرت بوادر انتصار مملكة بترا على جيوشها ولجأت إلى خطف الطفلة الصغيرة بترا ابنة الملكة شاكيلا أو فيروز وتحاول أن تقايضهم بحياتها مقابل انسحاب جيش بترا.. إلا أن الملكة غنت قائلة (أنتم الحرب العدد ، القوة ، نهر العسكر نبع الخيل..
نحن الحق ودمع الناس وأمل الناس والحرية
وغنائى لأجيال وضحكات الأطفال).
ثم بلغت قمة التحدى فى الأغنية الختامية عندما أعلن عن انتصار ملكة بترا وقتل ابنتها الصغيرة بترا فقالت:
بيقولوا صغير بلدى والغضب مصور بلدى
∎ الكلام غضب.. والمحبة غضب والغضب الأحلى بلدى
صامت فى حينها يا صخرة الحق وقصر الندى يا بلدى
يا طفل متوج وعلى المعركة عذبى يا بلدى
يا صغير وبالحق كبير وما بتعدى يا بلدى
∎ لتبادل الصرخة مع الكورس فى توزيع أوبرالى رائع لتكون كلمة الختام يابلدى.
وهكذا تتوالى أغانى ومسرحيات فيروز لتكون كلمة الختام يا بلدى.
حاولت قدر المستطاع أن أراهن على أن من يستمع لفيروز تتغير حياته.. وتتبدل قناعاته.. يطير فى السماء.. ويحلق فى عوالم مليئة بالحب والخير والكرم والبهجة والحزن..
وأخيرا أرسل إليك فى عيد مولدك بتحية ,أقول لك ربى يعطيك أياما منيحة.. مثلما منحتينا كل هذا التراث الكبير الذى كثيرا ما ينتشلنا من واقعنا المرير.