انتهت معاهدة (ستارت-1) رسميا في 5 ديسمبر 2009، بعد أن لعبت دورا مهما في ضمان السلام العالمي وتحقيق الاستقرار والأمن الاستراتيجي عقب نهاية الحرب الباردة 1989 . أما معاهدة (ستارت- 2) التي سيتم التوقيع عليها غدا 8 أبريل 2010، فهي تصحح بعض جوانب المعاهدة السابقة، حيث تم تكييفها مع الواقع المعاصر، وترفع مستوي الثقة المتبادلة ليس بين الولاياتالمتحدة وروسيا فقط، وإنما بشكل عام بين الدول النووية والدول غير النووية (الأطراف) في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وحسب الرئيس أوباما في مؤتمره الصحفي في واشنطن: «فإن الأسلحة النووية تذكر بالأيام السوداء للحرب الباردة، أحد أكبر الأخطار في عصرنا.. وما نقوم به اليوم هو خطوة إلي الأمام كي نتخطي مخلفات القرن العشرين، من أجل مستقبل أكثر أمنا للأجيال القادمة». مذكرا بأنه قد أعلن في خطابه في براغ في أبريل 2009، عن نية واشنطن في العمل علي تحقيق السلام والأمن في عالم خال من الأسلحة النووية. معاهدة (ستارت- 2) ستسمح بتقليص الترسانات النووية للولايات المتحدة وروسيا بمقدار الثلث، ويستمر سريان مفعولها 10 سنوات في حال عدم استبدالها باتفاقية جديدة، خاصة بتقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية أو الحد منها. وهي تثبت أن أكبر دولتين نوويتين في العالم، تسعيان إلي تقليص ترساناتهما الاستراتيجية الهجومية بموجب روح ونص معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، فالهدف النهائي هو بناء عالم خال من السلاح النووي. استراتيجية أوباما وضعت مقاربة جديدة، أقل أحادية من تلك التي اتبعها الرئيس بوش الابن، وأكثر شمولية من المقاربة التي اعتمدها الرئيس بل كلينتون. تبدأ هذه المقاربة بالاعتراف بأن التهديدات النووية مترابطة. فعلي سبيل المثال، فإن فشل فرض تطبيق قواعد معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، يزيد احتمال قيام دول إضافية بتطوير وإنتاج أسلحة نووية. وهذا بدوره يزيد من المصادر التي يمكن للإرهابيين أن يحصلوا منها علي الأسلحة النووية. والعكس صحيح أيضًا: قد تساعد التخفيضات الكبيرة في الترسانات النووية في العالم في خلق التعاون الدولي المطلوب لضمان سلامة وإزالة المواد النووية، مما يقلل من احتمال قيام الإرهابيين بسرقة قنبلة نووية أو بصنعها. ثانيا: يؤكد الرئيس أوباما علي الدور المركزي للسياسة النووية الأمريكية في تخفيض حدة التهديدات في العالم، إذ يقول: «نظرًا لكوننا القوة النووية الوحيدة التي استعملت سلاحا نوويا، فإنه تقع علي الولاياتالمتحدة مسئولية أخلاقية للعمل».. والأهم من ذلك، هو أننا «لا يمكننا تحقيق النجاح في هذا المسعي بمفردنا ولكننا نستطيع أن نقوده». ثالثا: رؤية عالم خالٍ من الأسلحة النووية أصبحت اليوم الشغل الشاغل في الولاياتالمتحدة، إذ تبناها اتحاد كبير ضم العديد من قادة الفكر في الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) حول الأمن القومي الأمريكي. الذين بدأوا في نشر رؤاهم علي صفحات وول ستريت جورنال منذ يناير 2007، كما قاد كل من جورج شولتز وهنري كينسجر من الحزب الجمهوري (كانا وزيري خارجية سابقين)، ووليام بيري (وزير دفاع سابق) وسام نان (عضو سابق في مجلس الشيوخ) من الحزب الديمقراطي، حملة لإلغاء الأسلحة النووية العالمية، واتخاذ خطوات عملية، كتلك المتمثلة في خطة أوباما، للتحرك باتجاه ذلك الهدف. رابعا: صادق ثلثا مستشاري الأمن القومي ووزراء الخارجية والدفاع الأحياء منهم: جيمس بيكر، كولين باول، ملفين ليرد، فرانك كارلوشي، وارن كريستوفر، ومادلين أولبرايت، علي هذه الخطة. وتقوم حاليا عشرات من المنظمات ومراكز الأبحاث بالترويج لهذه الرؤية وتلك الخطوات، وبذلك تمثل خطة الرئيس أوباما إجماعا عريضا في الآراء والتوجهات لخبراء الأمن ومسئولين رئيسيين أمريكيين سابقين، وإن لم يلغ ذلك معارضة الصقور لهذه الخطة. حسب جوزيف سيرنسيوني الذي يترأس صندوق «بلاوشيرز»، وهي مؤسسة عامة لتقديم الهبات وتركز اهتمامها علي سياسة الأسلحة النووية وحل النزاعات، فإن العالم يواجه اليوم أربعة أشكال من التهديدات النووية: الأول هو احتمال حصول مجموعة إرهابية علي سلاح نووي وتفجيره في مدينة كبري. والثاني هو خطر الاستعمال العرضي، أو غير المرخص به، أو المقصود لإحدي القذائف النووية البالغ عددها 23 ألفا التي تحتفظ بها تسع دول في العالم اليوم.. والثالث هو بروز دول جديدة مسلحة نوويا: كوريا الشمالية اليوم، وربما إيران في الغد، ودول أخري سوف تتبعهما. أما الخطر الأخير فهو احتمال انهيار الشبكة المترابطة من المعاهدات ووسائل المراقبة التي حجمت، إن لم تكن قد منعت كليا، انتشار الأسلحة النووية. لقد أدي اتباع سياسات ذكية خلال التسعينيات من القرن العشرين وأهمها معاهدة (ستارت-1) إلي تخفيض حدة هذه التهديدات، خاصة أن الولاياتالمتحدة وروسيا، هما الدولتان اللتان تملكان 96 بالمائة من الأسلحة النووية في العالم، واليوم تستكمل معاهدة (ستارت-2) في بداية القرن الحادي والعشرين نواقص المعاهدة الأولي، لكنها ليست كافية.