يطرح جورج طرابيشي في هرطقاته الجزء الأول أحد أهم إشكاليات التحول الديمقراطي ويسأل هل الديمقراطية ثمرة يانعة ناضجة برسم القطف أم هي مجرد بذرة صغيرة برسم الزرع والغرس؟ أصحاب الرؤي الخلاصية يظنونها ثمرة ناضجة برسم القطف وجاهزة أما أصحاب الرؤي العقلانية فيدركون أنها بذرة صغيرة برسم الزرع والغرس وبهذا المعني فهي تحتاج حتي تنمو وتكبر وتنضج إلي جهد وعمل ورعاية إلي شغل في النفس وفي تربية المجتمع وقد تحتاج إلي مجهود مضاعف وعناية خاصة إذا أنت حاولت زرعها وغرسها في تربة مجتمعية لم تتعود علي إنباتها من قبل. وللديمقراطية حتي تنبت وتزدهر مقومات أساسية حيث لا يمكن الحديث عن أي نظام ديمقراطي دونما توفر كل تلك المقومات حزمة واحدة التي يأتي علي رأسها توفر طبقة وسطي حاملة للمشروع الديمقراطي لبناء الدولة الوطنية وهو المشروع الذي تلكأنا فيه كثيراً وسبقتنا إليه أمم عديدة، فمشكلتنا الكبري هي أننا لم نستكمل بعد بناء الدولة وسنظل ندور ونشكو ونئن ونغرق في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل ونتحدث بتكرار لا يعرف الملل أو الضجر عن أعراض المرض دونما أن نتجه فوراً إلي تحديد المرض العضال ودونما أن ننشغل بدقة التشخيص وتظل تسمع يومياً حديثاً معاداً عن الفساد وعن سوء الأحوال وتدني الخدمات وعن ممارسات تغلفها الوساطة والمحسوبية وعند إهدار متكرر لمعيار الكفاءة وعن مظاهر عديدة لغياب الدولة وعن غياب المحاسبة والشفافية والتقصير وغياب القانون وغياب المشاركة وعن غضب الناس وعجز الحكومة وعن.. إلخ مادمنا لم نستكمل اختراع الدولة وصناعة الشعب فالدولة لا توجد سلفاً والشعب أيضا. ولندخل للموضوع: ما مقومات النظام الديمقراطي؟ 1- المواطنة: التي تعني في أبسط معانيها التساوي بين المواطنين في الفرص وعدم التمييز لأي سبب كان - الدين - العرق - الجنس - الفئة الاجتماعية المساواة. 2- سيادة الأمة: فالسلطة أي سلطة لابد أن تكون نتاج إرادة شعبية أي أن تكون الأمة هي مصدر السلطات. 3- الفصل بين السلطات: فلا يجوز أن تتغول السلطة التنفيذية علي السلطتين التشريعية والقضائية كما لا ينبغي أن تتركز السلطة التنفيذية في شخص واحد مهما كان. 4- قضاء مستقل: غير خاضع لوزير العدل باعتباره أحد أعضاء السلطة التنفيذية وبعيد عن الترغيب أو الترهيب حيث لا يزال التفتيش القضائي كله تابعاً لوزير العدل. 5- ترسيخ مبدأ حكم الأغلبية بواسطة التمثيل البرلماني. 6- تعددية حزبية تتمتع بتكافؤ الفرص بين جميع الأحزاب. 7- انتخابات حرة نزيهة وتشرف علي كل مراحلها السبع هيئة مستقلة. 8- حماية حقوق الأقلية والفرد وإزالة الفهم المغلوط عن أن الديمقراطية تعني فقط حكم الأغلبية فالديمقراطية لها قدمان تسير عليهما حكم الأغلبية وحماية حقوق الأقلية والفرد أي لابد أن يكون حكم الأغلبية مقروناً بالحفاظ علي حقوق الأقلية والفرد. 9- تداول سلمي للسلطة يتولد عنه تنافس وانهماك لمصلحة الأمة ويمنع احتكارها ومصادرتها لصالح فئة أو حزب. 10- كفالة وحماية حقوق الإنسان تفعيل المبادئ الأساسية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية السبع الرئيسية لحقوق الإنسان وتوفر محكمة مختصة لحقوق الإنسان. 11- تعاقد مجتمعي دستور يشيد عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً مباشراً يكون بمثابة المرجعية الوحيدة عند الاختلاف. 12- تمكين وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني وتوفير الإطار القانوني اللازم لذلك. 13- ضرورة الفصل بين الحيز العام والحيز الخاص للأفراد. 14- مدرسة ترسيخ قيم الديمقراطية من خلال مقرراتها ومن خلال معلمين مؤهلين لزرع تلك القيم في أبنائنا الطلاب وعلي رأسها قيم الحوار واحترام الآخر وحق الاختلاف وقبول الهزيمة والنزول علي رأي الأغلبية واحترام الأقلية والفرد تخرج كائنات مدنية قابلة للتعايش وليس كائنات طائفية جاهزة للصدام. 15- إعلام حر محايد إعلام دولة وليس إعلام حكومة يمول من دافع الضرائب ويشرف عليه هيئة مستقلة منتخبة ويقتصر علي قناة فضائية واحدة توفيراً للنفقات. 16- العلمانية باعتبارها أداة توحيد ومساواة تضمن حياد الدولة في الشأن الديني فلا تنحاز الدولة لأتباع أي دين من ديانات أفرادها وتمنع الدولة من ممارسة أي سلطة دينية والمؤسسات الدينية من ممارسة أي سلطة سياسية فالدين لله والوطن للجميع كما تضمن الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي، العلمانية تضمن احترام حرية الضمير والاعتقاد: العلمانية ليست إلحادية تكافح الدين وإنما هي لمنع الفتن الدينية والحروب الدينية، العلمانية لا تفصل الدين عن الحياة ولكن تربأ به وتبعده عن الصراع السياسي فقط، العلمانية لا تمنع الدولة عن مساعدة ديانات جميع مواطنيها علي قدم المساواة، العلمانية لم تمنع الدين في أوروبا ولم تهدم الكنائس أو المساجد لكنها منعت التوسل به لتحقيق أهداف سياسية. 17- المواطن العارف لحقوقه وواجباته المشارك في صنع حياته وبناء وطنه، المنتبه للدوري السياسي بين الأحزاب الفاعل وليس المفعول به اليقظ المتابع للشأن الوطني المراقب والمحاسب، الصانع للقانون والمحترم له مع الاعتراف بحق عدم المشاركة للآخرين، احترام رغباتهم وحريتهم. 18- الشفافية والحق في المعرفة وهو ما يقتضي توفير أقصي درجات الشفافية والإفصاح في جميع ممارسات السلطة وإتاحة الفرصة الكاملة للمواطنين لمناقشتها. 19- المساءلة والمحاسبة وفقا لقاعدة أن كل سلطة تقابلها مسئولية. ويجب إدراك أن الترقيم هنا لا يعكس الأهم فالمهم ولكنها حزمة واحدة وأهمية واحدة لكل تلك المقومات. وأخيرا: إذا كانت الديمقراطية عملية إجرائية فإنها لا تخلو من قيم والديمقراطية كالطائرة إذا تعطل أي من مقوماتها لا تستطيع الطيران ناهيك عن السير والتحليق.. نرجو الإدراك.