الأرض الطيبة .. والقيادة الرشيدة    محافظ الفيوم: تلقي 423 طلباً ضمن مسابقة تعيين القيادات المحلية الجديدة    أبرز المعلومات عن تدريس منهج الثقافة المالية لطلاب الصف الثاني الثانوي    3 صور ترصد تفقد السيسي للأعمال الإنشائية لمشروع محطة مترو الأهرامات    وزير البترول يبحث مع نظيره التركي فرص التعاون في مجالات التعدين والطاقة    توريد 12 ألف طن قمح محلي لشون وصوامع البحيرة    جيش الاحتلال يوجه إنذارا بالإجلاء لسكان 16 بلدة في جنوب لبنان    وزير الخارجية يؤكد على ضرورة التمسك بالنهج التفاوضي بين أمريكا وإيران    سيدات زد يواجهن الزمالك في الدوري    تشكيل مباراة بايرن ميونخ وباريس سان جيرمان المتوقع في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا    نشاط رياح بسرعة 35 كم/س.. الأرصاد تكشف أبرز الظواهر الجوية وارتفاع جديد في درجات الحرارة اليوم    استعراض في حفل زفاف.. ضبط طالبين عرضا حياة المواطنين للخطر بالغربية    «قضية هزت القليوبية».. بدء محاكمة المتهمين بالتعدي على طفل باسوس ووالده    تأجيل دعوى تعويض الحكم محمود البنا ضد ميدو ل7 يونيو    6 مستشفيات تحصل على الاعتماد الكامل من «GAHAR»    577 ألف منتفع من التأمين الشامل بمحافظة السويس    الصحة: مستشفى دمنهور التعليمي ينفرد بخدمة إنقاذ حياة مرضى القسطرة الكلوية المستعصية    متحدث الأوقاف: 630 ندوة بالمحافظات الحدودية لتصحيح مفاهيم الزواج ومواجهة المغالاة في التكاليف    وزير التعليم العالي يبحث مع السفير البريطاني سبل تعزيز التعاون المشترك    وزيرة الثقافة تشيد بحفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    بوتين: سنفعل ما بوسعنا لمساعدة طهران.. وعراقجي: الأحداث الأخيرة أظهرت عمق الشراكة    الهلال الأحمر الفلسطيني: إجلاء 47 مسافرا بينهم مرضى عبر معبر رفح البري    بالصور..تفاصيل حادث تصادم قطارين في اندونيسيا    قرار جديد في واقعة مصرع شاب هربا من زوج عشيقته بالقاهرة الجديدة    التحفظ على تروسيكل محمل بأسمدة زراعية مدعمة بالفيوم    10 طعنات وسرقة متعلقاتهما، تفاصيل مناظرة جثتي ربة منزل ووالدتها في المرج    مجلس «الإسماعيلية الجديدة الأهلية»: جاهزية الكليات وتيسيرات للطلاب وخريطة دراسية متكاملة لعام 2027    مأزق التنوير العربي.. قراءة في جدليات أحمد عصيد وإبراهيم عيسى    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    ضبط عاطل بتهمة ابتزاز المواطنين في الإسكندرية    غدا.. منتخب الناشئين يواجه اليابان وديًا    الشرقية تحصد برونزيتين في بطولة الجمهورية للتايكوندو    قمة طبية دولية بجامعة عين شمس تستضيف البروفيسور الألماني أنسجار بيرليس    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    وزير الصناعة يبحث مع سفير اليابان بالقاهرة الاستثمارات المقامة في مصر والراغبة في التوسع    وليد عبداللطيف: مدرب الأهلي بلا شخصية.. والزمالك الأقرب للفوز بالقمة    وزير التعليم العالي يترأس اجتماع مجلس إدارة هيئة دعم وتطوير الجامعات    3 جرام حشيش وزجاجة خمر، أحراز قضية نجل ميدو    التعليم: تدريس الثقافة المالية ل2 ثانوى و500 جنيه للطالب للتداول بالبورصة    ماجواير: كنا نخسر دائما مع أموريم.. وكاريك غير الخطة لكي نفوز    عيد ميلاد نور الشريف فى كاريكاتير اليوم السابع    وزير التخطيط يبحث مع شركة "أيادي للاستثمار" سُبل دعم قطاع ريادة الأعمال    قصر ثقافة أسيوط يحتفل بعيد تحرير سيناء    «آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الثلاثاء 28 أبريل في الأسواق    لاعب الزمالك السابق: صراع الدوري مشتعل حتى النهاية.. والحسم في الجولة الأخيرة    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    وول ستريت جورنال: واشنطن ستقدم ردًا ومقترحات مضادة للعرض الإيراني قريبًا    3 نتائج مذهلة، الكشف عن تمرين بسيط لهذه العضلة يساعد في ضبط سكر الدم لساعات    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    غرفة المنشآت الفندقية: لا يجوز منع المرأة من الإقامة بمفردها.. والحكم بحبس مدير فندق رادع لكل الفنادق    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالله كمال يكتب : الأحداث التونسية ..الدروس.. والتوابع


لماذا سقط نظام بن علي؟
تتفاعل الأحداث في تونس بصورة متصاعدة، وبما فاق توقعات الكثيرين.. وبالتأكيد لها بقية.. لقد تباعدت التحليلات المتابعة عن المتغيرات التونسية الجارفة.. وانتقلت إلي مستوي توقع أن تؤدي أحداث تونس إلي (عدوي) تحرك الشعوب ضد دولها في المنطقة العربية.. والقول بأن (الأنظمة) سوف تسقط كما لو أنها قطع من الدومينو المتتالية.. وقد استدعيت إلي المقارنة نماذج تاريخية من أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات.. وأحداث بداية التسعينيات.
المؤكد أن للمجريات التونسية توابعها.. علي الأقل في المغرب العربي.. مع الوضع في الاعتبار أن لكل دولة ملابساتها ومفرداتها.. غير أنه لا يمكن القول إنه بالضرورة لابد أن يتكرر نفس السيناريو في دول أخري.. خاصة إذا كان المغرب العربي قد شهد - قبل وقت ليس ببعيد - تحولا دراماتيكيا في موريتانيا.. توقع له الكثيرون أن يكون نموذجاً متكرراً.. وهو ما لم يحدث بل إن التجربة الديمقراطية الموريتانية الناشئة لم تكتمل ودخلت الدولة هناك في غياهب معروفة.
قبل ما يزيد علي عامين، سجلت ملاحظاتي بخصوص رحلة إلي تونس، حيث كنت أقضي إجازة (خاصة) مع أسرتي في العاصمة، في هذا الوقت علمت أجهزة إعلام تونسية بوجودي وقررت مشكورة أن تستضيفني في برامج تليفزيونية، وخطر لمذيع أن يصورني متجولاً في شارع بورقيبة الشهير.. وما أن تحركنا والكاميرا تلاحقنا في الطريق حتي كان أن صادفت ما لا يقل عن خمسة توقيفات أمنية.. كل منها يسأل عما نفعل والتصريح الذي سمح لنا بذلك.. علماً بأن الشارع لا يزيد طوله علي بضع مئات من الأمتار.. في كل مرة كان رجل الأمن يفحص الأوراق مع المذيع ويبلغ بها جهة ما.. وينتظر رداً.. ثم يقرر السماح لنا إلي أن يوقفنا آخر.
شيء مثل هذا يعطي فكرة عن طبيعة المناخ البوليسي الذي كانت تعيش فيه تونس، حيث لم يكن متاحا لأي من أبنائها الدخول علي جملة من مواقع الإنترنت.. كما لم يكن مسموحا للصحف بأن تنتقد أي شيء.. بل إنني كنت في تونس قبل سنوات أخري، حيث حاولت أن أتصفح عدداً من مواقع الإنترنت وجدتها كلها ممنوعة، لأنها تتضمن انتقادات لحقوق الإنسان في تونس.. فلما حاولت ذلك عن طريق الموبايل، تبين أن تونس لم توقع علي اتفاقية (الجي بي إس) التي تعطي المستخدم فرصة الاطلاع علي الإنترنت عبر الموبايل.. تلك الخدمة التي تباع في مصر بجنيه واحد في اليوم.
الرئيس بن علي الذي لم يغادر تونس منذ زمن بعيد، إلا في مرات نادرة، وصل إلي الحكم في لحظة من هذا النوع الذي يعيشه البلد الآن، كان هذا عام 1987، وقد وعد بتغيير كبير.. حقق منه نمواً تعليميا رهيباً.. جعل من تونس كما وصفتها شخصياً من قبل (لبنان الغرب).. وأحدث نموا كبيراً في الطبقة الوسطي.. ولعل الكثيرين لاحظوا النظافة التي بدت عليها الشوارع.. والأشجار المزدهرة.. المقصوصة.. في صور التليفزيون التي نقلت مشاهد المتظاهرين الحريصين علي مظهرهم بطريقة تختلف عن أشكال الفقر المنتشرة في دول عربية أخري.
هذه الطبقة المتوسطة التي صنعها بن علي، ومن قبله بدأ ذلك بورقيبة، هي التي قلبت بن علي نفسه، ولعل هذا يعود في الأساس إلي أنه كان نموذجا مكرراً من حاكم طراز صدام حسين.. ديكتاتور آخر.. يتميز بصمته.. وقبضة حديدية علي مجتمعه دون أن تكون له طموحات توسعية كما هو الحال في نموذج العراق الذي كان.. والأخطر أن الفساد تحت مظلته طغي علي كل شيء.. وعاد بالأساس إلي أسرة أصهاره.. بحيث كان الجميع يعرف ذلك.
ويردد الكثيرون أن سهي عرفات غادرت تونس فجأة قبل سنوات إلي مالطا، لأنها شكت إلي الرئيس القذافي من أنها لا تعرف إلي أين ذهبت ثروة ابنتها زهوة.. في ظل شراكات غير معروفة الأبعاد مع أسرة الطرابلسي التي تنتمي لها زوجة الرئيس بن علي.. كما يرددون أن الأمر كانت له علاقة بارتباط الرئيس بن علي بالطفلة زهوة.. وحدوث خشية نسائية من أن يؤدي هذا إلي تقارب بينه وبين السيدة سهي عرفات.
أياً ما كان الأمر، فإن الموقف في تونس قد تطور عمليا إلي مراحل لم يتوقعها حتي المعارضون.. وسبق الشارع كل شيء.. ويعود هذا إلي أسباب مختلفة.. بخلاف حالة الخنق الكابت لكل تفاعلات المجتمع، والفساد الذي كان قد بلغ حداً رهيباً.. ومن بين الأسباب ما يلي:
- هشاشة موارد الاقتصاد التونسي المعتمد بالأساس علي السياحة والاستثمار.. مع ضغوط قاسية للأزمة الاقتصادية الدولية.. قلصت من عوائد الموردين الاثنين.
- عدم إدراك قدر الوعي الذي بلغته الطبقة المتوسطة التونسية نتيجة لبرامج التعليم التي حققت نتائج عظيمة.. وتوقع أن تلك الطبقة المتعلمة والعريضة يمكن أن تقبل إلي الأبد كتمان أصواتها.
- التعامل شديد الحماقة من قبل الرئيس بن علي مع المتغيرات الآتية من الشارع واتهامه للمظاهرات بأنها (لصوصية).. وغياب المعلومات عنه بطريقة أدت إلي عدم تقديره للموقف.. ما أدي إلي تراجعه يوماً تلو آخر أمام ارتفاع مطالب المتظاهرين.. والأخطر هو أن قوات الأمن تعاملت ببطش طاغ مع المتظاهرين، فقتلت العشرات بلا رحمة.. ويمكن توقع السيناريو البديل لو كان الرئيس بن علي قد تعامل بطريقة مختلفة من اللحظة الأولي مع متغيرات الشارع.
- التفاوت الحقيقي بين مستويات التنمية في مختلف أرجاء تونس.. حيث اندلعت المظاهرات في مناطق الجنوب الأكثر تضرراً من هذا التفاوت.. فضلاً عن انفراد فئة بعينها منتمية إلي عائلة واحدة أو أكثر بأكبر ريع في المجتمع.. ليس تفاوتا بين طبقة وأخري لكن تفاوتاً بين عائلة وبقية المجتمع.
- انفضاض النخبة الحاكمة من حول الرئيس، نتيجة لهذه الأخطاء، وربما لأن تلك النخبة تضررت من قدر الفساد الذي استمرأته أسرة زوجة الرئيس.. وبما في ذلك تضحيته برجاله في وقت متأخر أعطي انطباعا لمن حوله بارتباكه وضعفه.. وأنه يمكن أن يضحي بأي أحد من أجل نفسه.
- التأجيج الإعلامي الخارجي للرغبات الداخلية.. في ظل حالة من المعاداة اصطنعها نظام بن علي مع مختلف وسائل الإعلام العربية والدولية.. فوجد كثير من المحطات أن الوقت قد حان لكي تحصل علي ثأرها منه.
من اللافت في هذا السياق.. أن النخبة العربية التي تحلل الأمر الآن بعد أن وصل إلي مرحلته تلك، معبرة عن تأييدها للجماهير التونسية، هي نفسها التي كانت تساند المنهج المتبع من بن علي، وتحيي مدنية الدولة وقدرته علي صنع نهضة تونسية، وهي نفسها التي كانت تؤيد الرئيس المخلوع للعراق صدام حسين.. ثم راحت تعدد أسباب ما وصل إليه العراق.. كما أن عديداً من العواصم الغربية كانت تساند حكم بن علي بطريقة أو أخري.. وهي بدورها التي انقلبت عليه الآن.. ويلحظ في هذا السياق أن الانتقادات التي وجهت إلي طريقة تعامل النظام والصادرة من أوروبا لم تحدث إلا بعد ثلاثة أسابيع من بدء التطورات التي اشتعلت بأن حرق شاب تونسي نفسه.. اسمه بوعزيزي.. كان يقف في الطريق العام ببعض الخضروات، وقرر شرطي بلدية أن يزيحه عن الطريق.. فاحتج بهذه الطريقة الانتحارية التي ألهبت الغضب العام.
- احتمالات التكرار:
هل نحن أمام حالة قابلة للتكرار، وهل رياح الغضب مختلفة الأسباب سوف تضرب بقية الدول العربية.. كما قالت صحيفة الجارديان بالأمس (من الرباط إلي الرياض).. وهل هذا الذي يجري له علاقة بما جري في (جدانسك- بولندا) قبل سنوات بعيدة.. وهل سوف تتوالي الوقائع في البلدان العربية كما توالت بعد رحيل تشاوسيسكو في رومانيا؟ أسئلة تبحث عن إجابات.. لاشك في ذلك.
نسجل في هذا السياق مجموعة من الملاحظات:
- لا يمكن مقارنة نموذج بن علي إلا بنموذج صدام حسين في العراق.. مع اختلافات جوهرية.. فقد سقط صدام بتدخل عسكري غربي.. ولكن بن علي سقط برغبة الشارع التونسي.. من الناحية المبدئية ماهي بن علي نظام صدام حسين في قدر رهيب من الحماقة.. وحتي هذه الحماقة التي كان عليها صدام حسين لم تحدث له ما جري ل«بن علي» إلا بعد أن تكاتف عليه (علي صدام) تحالف دولي هائل لأسباب أخري.
- إلي جانب تونس، شهدت الجزائر توترات حادة طيلة عقد كامل بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الجزائرية في بداية التسعينيات، ما ضرب الجزائر بموجات عاتية من الإرهاب.. لكن هذا لم يؤد إلي تغيير جوهري في أوضاع الجزائر ومصير دولتها.. وحتي هذه اللحظة، فإن جبهة الإنقاذ محظورة فيها.. كما أن ما جري في الجزائر، دفع بن علي إلي أن يقوض بصورة كاملة أي وجود لحزب النهضة الإسلامي في تونس.. ومن اللافت جداً أن الأوضاع الحالية في تونس لم تكشف عن أي تأثير للتيارات الدينية حتي هذه اللحظة.
- لم تكن أوضاع المغرب العربي برمتها قيد الاهتمام واسع النطاق من أي من مراصد ومتابعات عمليات التحول الديمقراطي الغربية.. وكانت الأعين الغربية كلها منصبة في اتجاه المشرق بدءاً من مصر حتي العراق مروراً بلبنان ودول الخليج.. ما يعني أن توقعات العواصم الغربية كلها لا وزن لها.. وأن هناك عوامل أخري تغيب عنها وعن توقعاتها.. علما بأن هذه العواصم التي استضافت أصواتاً تونسية معارضة لم تسمح لها بالعمل الحقيقي ضد نظام بن علي.. بل إن تونس كانت من بواكير الدول التي استجابت (شكلانيا) لمبادرات الولايات المتحدة المتعلقة بالتحولات الديمقراطية.. واستجاب الرئيس بن علي لمبادرة الشرق الأوسط الكبير.. وعدد كبير من برامج الولايات المتحدة وأوروبا، التي لها علاقة بهذا السياق كان مقرها تونس.. لكنها لم تفعل حقا علي أرض تونس.
- تبدو أوضاع تونس مؤثرة للغاية في المغرب العربي عموما، وبقدر ما، ذلك أن في الجزائر توازناً معيناً لا يمكن أن تلمس مثيله في تونس.. يعتمد علي استنادات اقتصادية مهولة مصدرها 155 مليار دولار من حصيلة تصدير الغاز والبترول.. وتشابكات مصلحية بين فئات مختلفة مدعومة بالجيش الحاضر بكثافة.. بينما في المغرب هناك دولة ملكية قادرة علي استيعاب المتغيرات المختلفة في إطار ديمقراطي حيوي مع تنمية متصاعدة.. في حين أن أوضاع موريتانيا القبلية مختلفة برمتها.
- عانت دول عربية مشرقية من مشكلات جوهرية أدت إلي فشل الدولة.. ولكنها لم تقُد إلي نفس السيناريو، رغم أن أوضاعها الأمنية متدهورة تماماً.. مع اختلاف مواصفات كل منها.. علي سبيل المثال لبنان، وكذلك اليمن، وليس بعيداً عن ذلك ما يجري في السودان، علما بأن هذه الدول تعاني من تدخلات خارجية رهيبة.. كل علي حسب حالته.
- الدروس:
السؤال الآن: هل هناك توابع لما يجري في تونس.. هل يمكن القياس علي حالة أوروبا الشرقية.. وهل يمكن أن تنضرم المظاهرات في مختلف الدول العربية بما يؤدي إلي تكرار سيناريو تونس؟ في الإجابة عن هذا السؤال يمكن القول بأن هذا النموذج غير قابل للتكرار لأسباب موضوعية.. غير أن هناك مجموعة من الدروس لا يجب أن تفوت في تقييم اللحظة:
- لا تتشابه أوضاع الدول العربية وبعضها البعض، مقارنة بما كان واقعا في دول أوروبا الشرقية.. فعلي الرغم من أن هناك لغة واحدة تجمع الدول العربية المختلفة.. وعلي الرغم من أنه لا توجد لغة واحدة كانت تنطقها أوروبا الشرقية.. إلا أن طبيعة أنظمة أوروبا الشرقية المتماهية وانضواءها تحت مظلة أمنية وسياسية واحدة وطريقة حكم كانت كلها تقريبا متشابهة.. ثم إن انهيار نظم دول أوروبا الشرقية عاد في الأساس إلي سقوط السند الأساسي وهو الاتحاد السوفيتي.. وإلي تكاتف تحالف الغرب ضد المعسكر الشرقي.. في ضوء أن هذا الذي جري وقتها في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كان جزءاً من عملية ترتيب دولية شاملة.
بمعني آخر، وإذا جازت مقارنة حكم بن علي بحكم ديكتاتور كوريا الشمالية.. فإنه حين يسقط حاكم بيونج يانج لا يمكن توقع أن يؤدي هذا إلي انقلابات وتوترات مماثلة في جنوب شرق آسيا.. لاختلاف الأوضاع بين دول الإقليم.
لقد توقعت معارضات عربية أن يتكرر سيناريو أوكرانيا مثلا في الدول العربية، واستعد الكثيرون لثورة برتقالية.. لكن هذا لم يحدث.. كما توقع آخرون ثورة بنفسجية كتلك التي جرت في جورجيا، لكن هذا لم يقع.. وقياسا عليه، فإن أقرب النماذج إلي ما جري في تونس قد لا يكون دولة من تلك التي تذكر في الأنباء والتحليلات.. وإنما هي دولة مشرقية بعينها.. فيها طبقة متوسطة متفتحة.. وتعاني من فساد رهيب.. وحكم أقلية دينية.. وتتميز بخنق الحريات.. وتتصف بعدم تنوع الموارد.. ولكنها لن تشهد هذا قريبا رغم التشابه.
- يظل الغربيون حلفاء شكلانيين.. تحركهم مصالحهم.. وهم سوف يسعون إلي تلك المصالح مع (الرائجة).. أيا ما كانت نظم الحكم.. ومعاييرهم تقف عند أعتاب هذه المصالح.. هذا هو درس التاريخ.. حتي لو بدوا في لحظة ما كأنهم يداعبون مشاعر الشعوب.. وقد كانت العواصم الغربية هي أكبر سند لحكم بن علي.. كما كانت سنداً لصدام حسين في حربه ضد إيران.. ولم تسقطه في عملية تحرير الكويت.. ولم تقف ضده إلا حين اختلفت مصالحها مع مصالحه.. والبيانات الصادرة الآن عن عواصم غربية مختلفة إنما تحاول لملمة ما وجه إليها من انتقادات من الداخل التونسي حين صمتت لأسابيع عما يقوم به بن علي.. بينما كانت منشغلة بتأليب الأوضاع في مصر علي خلفية أحداث الإرهاب في الإسكندرية.
أهم درس هنا هو أن الاستجابة للمتطلبات الغربية في الداخل ليست هي التي تحقق التعضيد والشرعية.. الشرعية التي تستند إليها أنظمة الحكم والدول تقوم علي أسس مختلفة تنبع من الداخل.. وأقوي تحصينات الدول هو أن تكون ملبية بأقرب السبل لشبكة المصالح المجتمعية في بلدانها.. ومتوائمة مع المتغيرات الداخلية وقادرة علي التفاعل معها في التوقيت المناسب.. وألا تكتم أنفاس الناس بينما هم يعانون من الكثير.. وهذه أمور لم يستجب إلي متطلباتها بن علي.. وقد يكون من المدهش أن نقول - بدون ذكر الاسم - إن أعتي الدول العربية طغياناً لديها القدرة علي تلبية احتياجات وتوازنات مجتمعية تجعل حكمها مستقرا رغم اختلافه مع مقاييس الغرب برمتها.. وبما في ذلك تحقيقها لقدر من المصالح الغربية.
- إن أكبر النار من مستصغر الشرر.. غير أنه مع كامل الاحترام لذكري بو عزيزي الشاب الذي حرق نفسه وأدت واقعته إلي اندلاع أحداث تونس وتصاعدها.. فإن هذا ليس هو الذي أدي إلي تفاعل الأمور بهذه الطريقة في (الخضراء).. بل كانت هناك أسباب متراكمة.. أدي التعامل الأحمق معها إلي تفعيلها بطريقة لم تتوقعها أي شخصية في تونس.. وقد جرت في إيران أحداث متنوعة في أعقاب انتخابات الرئاسة الأخيرة.. وتصاعدت ثورة الشوارع، لكن أحمدي نجاد لم يزل في موقعه رغم كل الضغوط الداخلية والخارجية، بل إنه يمارس أوسع عمليات البطش الآن.. والسبب يعود إلي صيغة اجتماعية ودينية متماسكة ولها مردودها الداخلي.. وتحقق توازنا اجتماعيا.. علي عكس مثلاً ما كان عليه الحال في نهاية عصر شاه إيران نفسها.
- هذا الذي جري في تونس له علاقة وثيقة بالأزمة الاقتصادية الدولية، وباعتمادية تونس علي سوق أوروبا وحدها، إذ فضلا عن ندرة مواردها، فإنها كانت تضع كل بيضها في سلة أوروبا التي عانت من تبعات الأزمة الاقتصادية.. وقد توقع الكثيرون أن تؤدي تلك الأزمة العالمية إلي مشكلات في دول مختلفة.. ولكن أحداً لم ينتبه إلي أن يضم في تلك التوقعات تونس نفسها.
وفي هذا السياق فإن قدرة الأنظمة الحاكمة، أياً ما كان مستوي ديمقراطيتها، علي تلبية المتطلبات الاجتماعية هو الذي يحدد مصيرها.. علي سبيل المثال فإن نظام حكم الرئيس البشير الذي أدي إلي تقسيم السودان.. لم يزل قادراً حتي هذه اللحظة علي حفظ توازنه.. مع المخاطر التي تهدد الدولة برمتها.. وبما في ذلك ما سوف يتبقي منها في الشمال بعد إقرار نتائج الاستفتاء في الجنوب.
- لاحت نذر الفوضي في تونس، خلال تلك الأحداث المتتابعة، وعلي الرغم من حدوث بعض التبعات والنتائج وأعمال السلب والنهب.. إلا أن قدرة شعب تونس والطبقة المتوسطة التي هي قوام المجتمع متحصنة بتعليمها الأصيل ووعيها السامق.. هي التي يمكنها حتي الآن أن تحمي تونس من الفوضي في ظل الفشل المؤقت الذي تعانيه الدولة وعدم قدرتها علي السيطرة علي الأمور.
واقرأ أيضاً: خطيئة أبي القاسم الشابي ص20
www.abkamal.net [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.