د.أيمن سلامة أصبحت ثقافة الالتفاف علي القواعد الدستورية والقانونية تمثل خطورة كبيرة علي استقرار النظام العام والمجتمع ، فضلا عن إضراراها بالأمن القانوني ، وثقة الجماعة في سلطاتها و مؤسساتها العامة . إن النصوص الدستورية في سائر الأنظمة الديمقراطية في العالم تحظي دوما – و دون استثناء – بالسمو و العلو تجاه ليس ما دونها من تشريعات و قوانين و لوائح ، و لكن أيضا تجاه سائر الأشخاص الأعتبارية العامة و الخاصة ، و الأشخاص الطبيعية أي الأفراد ، و من ثم لا يتصور أن تتنصل السلطات المختلفة في البلاد من حجية و قطعية و ابرام النصوص الدستورية ، سواء السلطة التشريعية التي تصدر التشريعات و القوانين ، أوالسلطة القضائية التي تقضي بهذه بالتشريعات و القوانين ، أو السلطة التنفيذية التي يناط بها انفاذ التشريعات و القوانين و اللوائح . فاذا كانت المادة 230 من الدستور قد نصت علي أجال زمنية محددة لاجراء الأنتخابات الرئاسية أو البرلمانية ، فيستحيل علي المشرع ايا ما كان ، أو من كان ذلك المشرع أن يفسر الدستور بما ليس فيه ، بزعم أن الأجال المحددة في الوثيقة الدستورية هي مجرد أجال تنظيمية غير ملزمة أو حاسمة ، فمن غير المتصور او المقبول وفقا للاجتهادات الشاذة الغريبة الأخيرة و التي صدرت مؤخرا في مصر القول بجواز الخروج علي النص الدستوري في النص التشريعي أو اللائحي . ان النص الدستوري كما النص التشريعي يتغيي تحقيق الصالح المشترك ، و بالتالي فان تصور النظام الأجتماعي الموائم لمقتضيات ذلك الصالح المشترك للجماعة هو الذي يولد الالزام سواء للنص الدستوري او التشريعي ، فالالزام ينحدر عن القاعدة التي أعدها المشرع الدستوري في المادة المشار اليها ، و ذلك بعد ادراكه و اعماله لعوامل عديدة مجتمعية في البلاد سواء كانت سياسية أو اقتصادية او أمنية أو اجتماعية و غيرها . واذا كان القول بأن الدستور يرسم فقط الخطوط العريضة ، و يضع الاحكام العامة ، و لا يدخل في التفاصيل أو جزئيات المسائل العامة ، و يترك الدستور كل هذه المسائل التفصيلية للتشريع ، فذلك قول سديد علي وجه الأطلاق ، و لكن حين يحدد الدستور أجالا محددة أو اشكالا معينة لكيفية اجراء الأنتخابات الرئاسية او البرلمانية ، فان ذلك لا يعني الا " جفت الأقلام و طويت الصحف " ، فليس بعد الدستور دستور ان تحديد الأجال الزمنية لاجراء الانتخابات البرلمانية و الرئاسية في مصر تعد بمثابة ضوابط و قيود لا يجوز تأويلها أو تفسيرها علي غير الحقيقة الدستورية ذاتها المجردة بنص المادة 230 ، و التي لا تثير ثمة لبس أو حتي جهد أو اجتهاد من قبل الكافة .فهذه الأجال – و كما ذكرنا سالف – لم تحدد هباءا أو اعتباطا ، بل لتحقيق مصلحة مشروعة قدرها المشرع الدستوري ، و استقتي عليها الشعب و صارت الوثيقة الحاكمة الأولي في البلاد ، و التي لا تستطيع الدولة بمفرداتها المختلفة ان تحيف بها أو تفتئت عليها . جلي أن النص الدستوري يعد خطابا عاما مطلقا لا نسبيا يوجه للكافة ، و يترتب علي ذلك الخطاب حدوث واقعة معينة ابتغاء ضبط النظام في المجتمع و تحقيق الانسجام بين روابطه ، و ليس بخاف علي أحد أن المشرع الدستوري حين قام بتحديد هذه الفترات الزمنية لاجراء الانتخابات المختلفة ، توخي أيضا – فضلا عن الاعتبارات الداخلية المشار اليها سابقا – خارطة الطريق التي ارتضاها الشعب المصري و قبلها أيضا المجتمع الدولي ، فاثر المشرع الدستوري الالتزام بالخارطة التاريخية المهمة ، حتي يكون تنفيذ الخارطة بموجب الدستور ، سندا قابلا للنفاذ ، يؤكد مصداقية السلطات المختلفة في البلاد امام المجتمع الدولي . ان القواعد الدستورية المحددة لاعادة الهيكلية المؤسسية في البلاد تعد من القواعد الأمرة التي لا يجوز للسلطات و المؤسسات الدنيا ، أن تخالفها ، فاذا كانت المادة 230 من الوثيقة الدستورية الحالية هي التي تعيد احياء أي خلق الهيئة التشريعية اي مجلس النواب ، فكيف يتسني للمشرع العادي أن يخالف هذه القاعدة الدستورية الأمرة . ان القارئ العادي لنص المادة 230 من الدستور الحالي ، يستطيع ان يستنبط و دون اجتهاد الملامح العامة لاية قاعدة قانونية ، حيث تجلي الحسم و الأطلاق في المادة المذكورة ، و تجنبت أية افتراض أو تصور ، و خلت من أي استثناء في التطبيق ، و تفادت العلل و التسبيب ، و لم تناهض بشكل من الأشكال طبيعة الأشياء و التطورات في البلاد ، و استعملت تعابير محددة سهلة شفافة غير مبهمة أو غامضة ، و كتبت عباراتها أيضا بلغة تتسم بالحزم و الحسم لا ياتيها شك و لا يتسرب اليها ريب . إن نص المادة 230 من الدستور المحددة لآجال الانتخابات في البلاد ، لم يتضمن دلالة واحدة علي فكرة مبهمة لم تتضح معالمها ، أو مجملة غابت ، أو خفيت تفاصيلها ، بل انها مفسرة و مفصلة ، جامعة و مانعة لاي تأويل من جانب المشرع القانوني او اللائحي . و ختاما ، فاذا كانت المادة 230 قد صدرت بمراعاة كل الخصائص الموجبة السابقة ، فلماذا يثور الجدل ، و الاختلاف في الرأي ، رغما ان الأفراد متوسطي الادراك الذين تتوخاهم القاعدة الدستورية في المخاطبة ، لا يجتهدون او يجهدون أنفسهم لسبر أغوار معني و مفصد المادة ذاتها .