هناك الكثير مما يمكن قوله بشأن ضرورة دعم ومساندة الصحافة القومية، خاصة فى ظل الهجمة التى تتعرض لها مصر الآن ويلعب فيها الإعلام بأشكاله المختلفة دورًا جوهريًا، وفى الأشهر القليلة الماضية صار لدينا نحن المعنيين بالصحف القومية هواجس كثيرة حول بقاء أو عدم بقاء هذه الصحف، وحتى فى حالة البقاء والاستمرارية كمؤسسات فإن الأمر يتطلب منا أن نجيب عن تساؤل مهم للغاية يتعلق بطبيعة هذه الاستمرارية.. هل تكون استمرارية قائمة على أسس صلبة أم مجرد بقاء شكلى وكفى كما هو الحال الآن للعديد من هذه المؤسسات؟ وحين يتعلق الأمر بنوعية الاستمرار فمن الطبيعى أن نتساءل عن الجهة أو الجهات التى يجب أن تقوم بالدور الرئيسى لتأمين بقاء نوعى صلب للمؤسسات الصحفية القومية، بمعنى أن تستمر فى أداء دورها وهى فى أفضل حالة اقتصادية ومهنية ممكنة، وليس بخافٍ على أحد أن الغالبية العظمى من المؤسسات الصحفية تعانى الأمرين فى تدبير مواردها المالية اللازمة من أجل مجرد تشغيل دولاب العمل فى المؤسسة وهناك بعض المؤسسات الكبرى يمكنها الاقتراض بضمان بعض الأصول المتوافرة لديها على الأقل لفترة من الزمن إلى أن تتحسن الأحوال، لكن هناك أيضا من لا يستطيع أن يدبر أى قروض لأسباب هيكلية خاصة بالمؤسسة والتى تعود إلى سنوات طويلة مضت، ومن ثم ليس أمامه إلا أن يدبر أموره من خلال الاعتماد على مساندة سخية من الجهة المعنية بالصحافة القومية دستوريًا وقانونيًا، وهى المجلس الأعلى للصحافة بيد أن هذه المساندة ليست مضمونة دائما، إذ ترتبط بالموازنة العامة للدولة، والتى بدورها ترتبط بالأولويات التى يسعى إلى تحقيقها واضعو هذه الموازنة، فإن كانت تتضمن التزامًا نحو الإعلام القومى بأشكاله المختلفة لكى يمارس دوره التنويرى والحفاظ على هوية المجتمع والذود عنه تجاه القوى المضادة فى الداخل والخارج، فسوف يتوافر قدر معقول من المساندة المالية فى صلب الموازنة العامة للدولة، وإن لم يتوافر هذا الالتزام الواجب وطنيًا لدى واضعى الموازنة العامة للدولة، يكون من الطبيعى أن تقل درجات المساندة إلى حد الغياب شبه التام، وحينها يصبح لدينا نحن المعنيين بشئون المؤسسات القومية الكثير من الظنون والتساؤلات حول ما الذى تريده الدولة وما الذى تخطط له للصحافة القومية، والتساؤل يجر آخر فنجد أنفسنا أمام تساؤل بديهى ولكنه حتمى، فهل يمكن للدولة المصرية أن تواجه حروب الجيل الرابع كما هو حادث الآن بدون ذراع إعلامى قوى ومؤثر يتمثل فى الصحافة القومية المؤمنة بدور مؤسسات الدولة فى الذود عن بقاء الدولة ذاتها؟ دعونا نأمل أن لا تصل الأمور إلى حد دفع المؤسسات القومية إلى حد الانهيار، فإلى جانب ضياع الدور التنويرى سنجد أنفسنا أمام معضلة كبرى تتمثل فى تشريد وتجويع ما يزيد على 25 ألف عامل يعملون فى هذه المؤسسات، ومن هذا الذى يمكنه أن يقرر - عن قناعة ما أو عن جهل مطبق - أن يترك هذه المؤسسات تواجه مصيرًا مجهولًا، وبحيث يتحمله شكلًا القائمون عليها، فى حين أن المسئولية الحقيقية تكون على عاتق صانع هذا القرار البائس.. ولما كانت لدينا قناعة كبرى بأن مسئولى هذا البلد وصانعى القرار فيها هم وطنيون ويدركون قيمة ودور وأهمية وضرورة وجود صحافة قومية متماسكة ومهنية وعلى أعلى مستوى من الأداء، فإننا نصبر لنرى ما الذى سيكون عليه الفعل بعد أن رأينا قمة القول المطمئن فى عبارات واضحة لا تحتمل اللبس أو التشكيك قالها الرئيس السيسى أمام جمع كبير من رؤساء التحرير لصحف مصر بأنواعها المختلفة، ومؤكدًا أن سقوط الصحف القومية جريمة لن يسمح بها. والحقيقة أن هذا القول يدفعنا إلى بعض الاطمئنان، غير أن المشكلة هى فى ترجمة القول إلى فعل، وهذه مسئولية المساعدين والمستشارين والوزراء وكل من بيده قدرة على تحرك أو إصدار قرار يؤدى إلى الحفاظ على المؤسسات الصحفية القومية ويسهم فى مواجهة مشكلاتها التى تراكمت عبر سنوات طويلة، وليس على القائمين عليها الآن أى وزر فيما جرى سابقًا، لاسيما وهم يطمحون فى معالجة تلك المشكلات بمنهج علمى وبروح وطنية ونية صادقة، غير أن هذا الطموح فى الإصلاح وحده لا يكفى، فالإصلاح يتطلب - كما هو معروف - أدوات وإمكانات وجدولًا زمنيًا مناسبًا وقدرة مالية معقولة، وتلك بدورها بيد الحكومة وحدها، خاصة أن المؤسسات الصحفية القومية مملوكة للدولة أى للشعب، ولا يجوز إسقاطها أو تركها فى مهب الريح كما هو الحال الآن، والحق أننا ما زلنا عند حسن الظن، وما زلنا عند طموحنا بأن الأمر مجرد سوء فهم لطبيعة المرحلة، أو ربما لم يصل إلى هؤلاء ما أعلنه الرئيس السيسى بأنه لن يسمح بسقوط المؤسسات الصحفية القومية. ونأمل من هؤلاء أن تصلهم الرسالة فى أقرب وقت، وأن يترجموها إلى فعل. وحتي لا يتصور أحد أننا فى المؤسسات الصحفية نريد أموالًا نلهو بها فربما من المهم أن نضع بعض الحقائق أمام الرأى العام، وهى الحقائق ذاتها التى وضعناها أمام كبار المسئولين فى الدولة لتدبر الوسائل المناسبة لمعالجتها علاجًا هيكليًا وجوهريًا.. فعلى سبيل المثال تعد مشكلة تراكم مديونية التأمينات الاجتماعية من المشكلات الكبرى التى تؤرق القائمين على العديد من المؤسسات الصحفية القومية، خاصة أنها تراكمت عبر أكثر من أربعة عقود ووصلت إلى مستويات كبرى تقارب مليارًا و300 مليون جنيه لأربع مؤسسات محدودة الموارد، وهو ما يفوق إجمالى أصول هذه المؤسسة الصحفية بأربع مرات فى حين أن أصل الدين لا يزيد على 350 مليون جنيه للمؤسسات الأربع مجتمعة. ولما كنا نؤمن بأن أموال التأمينات هى حق لأصحابها لا يجوز التنازل عنها مهما كانت الأسباب، فقد طرحنا سداد أصل الدين بعد فترة سماح ومدى زمنى طويل نسبيًا يماثل الفترة التى تشكل فيها أصل الدين ذاته وهو حل نراه عادلا ويناسب الإمكانات المحدودة التى يمكن تدبيرها بالفعل، غير أن التنازل عن فوائد الديون يتطلب تعديلا تشريعيًا، وهو الآن بيد كل من مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية، ونأمل أن يجد المستشارون القانونيون الصيغة المناسبة وبضوابط معقولة تناسب الأحوال المالية الفعلية للمؤسسات الصحفية القومية لكى يتم الوفاء بهذه المستحقات، وفى الوقت نفسه دون التراجع للخلف. وكم من مرة حاولنا أن نطرح هذه الصيغة العملية على المسئولين المعنيين غير أن الإجابة كانت بالسلب، ولذا ليس أمامنا إلا التوجه للسيد رئيس الجمهورية لاتخاذ القرار الذى نأمله، وبذلك يقدم خدمة جليلة للجهة المعنية بالتأمينات حيث ستحصل على أموالها، وفى الآن نفسه تكون المؤسسات الصحفية فى وضع تستطيع فيه السداد دون تراجع أو تردد. وليس بخاف على المطلعين على أحوال المؤسسات الصحفية القومية أن تراكمات السنوات الماضية أدت إلى إهمال تام لخطط التطوير الإدارى والبشرى، فضلا عن إهمال جسيم للأصول لاسيما معدات الإنتاج المتمثلة فى ماكينات الطباعة، وأسطول النقل والمبانى وكافة المنشآت، ومن وجهة نظرنا أن أى إسهام حقيقى للحفاظ على المؤسسات الصحفية القومية فإنه يتطلب خطة إنقاذ على مستويين يسيران فى الآن نفسه، الأول يختص بالحفاظ على معدل تشغيلى مناسب، وهو ما يتطلب توافر ميزانية مستقرة لمدة عام على الأقل.. ولما كانت الإمكانات التشغيلية للمؤسسات الصحفية محدودة الموارد لا توفر إلا ثلث الموارد المالية وحسب، فيصبح المطلوب وبدون تردد هو توفير ثلثى الموازنة التشغيلية والتى تشكل المرتبات وما فى حكمها أكثر من 70% منها، والهدف من ذلك هو تحقيق الاستقرار والاستمرار فى البقاء وتوفير متطلبات العاملين وحقوقهم التى ثبتت على مدار العقود الماضية و لا إمكانية لتجاهلها أو التغاضى عنها. وكما سبق القول فإن التشغيل وحده وفق صيغة الحد الأدنى لا يكفى، ومن ثم تصبح هناك ضرورة قصوى لتوفير متطلبات استثمار حقيقية تؤدى بعد فترة إلى توفير مصادر دخل حقيقية للمؤسسة وبحيث تغنيها شيئًا فشيئًا عن طلب المساندة من جهات الدولة المختلفة، وهنا نعلن على الملأ أننا فى أربع مؤسسات محدودة الموارد قدمنا دراسات جدوى لقرض حسن من الدولة المصرية ممثلة فى وزارة المالية لا يزيد على 120 مليون جنيه، بحيث يستخدم وفق ضوابط استثمارية رفيعة المستوى فى رفع الكفاءة التشغيلية وفى توفير أصول طباعية حديثة ورقمية، والدخول فى مجالات استثمارية غير تقليدية كخدمات التدريب وتقديم دراسات الجدوى والإعلانات وغير ذلك من مجالات الإنتاج عالية الطلب فى السوق، الأمر الذى سيؤدى إلى زيادة موارد المؤسسة وزيادة قدراتها التنافسية، ومن ثم استعادة توازنها المالى والاقتصادى والمهنى. وإننا على قناعة تامة بأن تأخر رد الجهات المعنية بخطة الإنقاذ الهيكلى على الوجه سالف الذكر، من شأنه أن يزيد المشكلات تفاقما، وبحيث يعطينا إشارات بأن الجهات المعنية ليست جادة فى إصلاح المؤسسات الصحفية القومية، وأن لديها خطة أخرى ربما لبيعها أو تدميرها ولو بعد حين. وليعلم الكافة أن القائمين على المؤسسات الصحفية القومية وبالتعاون الوثيق مع المجلس الأعلى للصحافة يواجهون ضغوطًا غاية فى الصعوبة، ويجتهدون فى حل المشكلات وفى توفير حقوق العمال، وتوفير مستلزمات الانتاج، ويسعون قدر الطاقة وما فوق هذه الطاقة فى استعادة بريق الصحافة القومية وتأثيرها ونفوذها فى داخل مصر وخارجها، لكن يظل الأمر مرهونا بدور مؤسسات الدولة وموقفها من الصحافة القومية.. وقد سبق أن أشرنا فى مناسبات سابقة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى وفى حواره مع رؤساء تحرير الصحف المصرية كافة قبل شهر ونصف تقريبا قد وعد القائمين على المؤسسات الصحفية القومية بأن يكون هناك لقاء خاص بغرض تدارس السبل المناسبة لحل مشكلاتها، وقد دفعنى الحظ والصديق العزيز غالى محمد رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال العريقة ورئيس تحرير مجلة المصور بعد انتهاء اللقاء الأول مع رؤساء تحرير الصحف داخل القصر الرئاسى للتحدث المباشر مع الرئيس السيسى لبضع دقائق عن معاناة المؤسسات محدودة الموارد وعن طموحاتنا فى الإصلاح وعن تعنت وزير بعينه فى وزارة المهندس محلب، وقد طلب الرئيس منا جميعا أن نكتب له مذكرة مفصلة بالوضع القائم فى مؤسساتنا وأن نطلب أقصى ما نريد وأن نطرح رؤيتنا لحل المشكلات التى تواجهنا، وأنه سوف يعرضها على جهات مختصة وبعدها سيجتمع معنا للتوصل إلى صيغة مناسبة للحلول المطلوبة. وقد قمنا بوضع الدراسات المطلوبة، وقام المجلس الأعلى للصحافة بوضع خلاصة كلية تحدد المشكلات كما تطرح رؤية المجلس للحلول الهيكلية، وتم إرسال الدارسات التفصيلية والدراسة المجمعة إلى مكتب الرئيس، وأملنا أن تكون هذه الدراسات قد خضعت للفحص ووضعت أفكارًا لحلول إلى جانب قرارات تنفيذية لا يستطيع أى وزير أو أى مسئول أن يناور أو يتملص من تنفيذها، وأملنا أيضًا أن تجد مؤسسة الرئاسة فسحة زمنية قريبا للقاء مع القائمين على أمور المؤسسات الصحفية القومية وتحقيق وعد الرئيس معنا.. وإلى أن تأتى المكالمة المنتظرة ندعو لأنفسنا ولمؤسساتنا بالصبر الذى نعرفه جميعًا بأنه مفتاح الفرج.