يبدو أن هناك من يحاول أن يطفئ صناعة الكبريت فى مصر ويقضى عليها.. وبالرغم من أنها صناعة ثانوية فإن أكثر من خمسة آلاف أسرة تعيش عليها.. مؤامرة وأد هذه الصناعة بدأت عندما تركت الحكومة - ممثلة فى قطاع الأعمال العام - شركة النيل للكبريت مثل «البيت الوقف» وفى المقابل ألغت رسوم الإغراق على واردات الكبريت من الخارج وخاصة من باكستان لدرجة جعلت إحدى الشركات الوطنية تخسر كل رأسمالها فى عام 2009. الغريب أن الجهات الرقابية تنتهج سياسة ازدواج المعايير فى معاملتها مع الشركات ففى الوقت الذى يتم فيه إغلاق مصانع مصرية إذا كانت منتجاتها غير مطابقة للمواصفات يسمح لكبريت مستورد غير مطابق للمواصفات بالدخول للسوق المحلية تحت دعوى ما يسمى ب «قوائم الفحص الظاهرى» والتى تسمح للمستورد بتقديم عينة واحدة فقط للكشف فى مقابل الإفراج عن الشحنة بأكملها. فى السطور القادمة نكشف خيوط المؤامرة التى تتعرض لها هذه الصناعة الوطنية. فى البداية فإن الأرقام الصادرة عن مصلحة الجمارك حول حجم الكبريت المستورد عام 2010 تكشف عن جريمة خطيرة ترتكب تحت سمع وبصر موظفى المصلحة وتؤكد على فكرة ما يعرف ب «الفواتير المضروبة».. فنجد أنه مثلاً فى مركز القاهرة الجمركى المطور كشفت البيانات أنه تم استيراد كيلوجرام صافى من الكبريت «ثقاب أمان درج» ذات المنشأ الباكستانى ب 49 ألفا و600 جنيه فى حين أنه تم استيراد كيلوجرام عبر الإدارة العامة لجمارك العين السخنة ب 259 ألفا و920 جنيهاً. وعبر دائرة ميناء الإسكندرية تم استيراد - حسب بيانات مصلحة الجمارك - 10 آلاف كيلوجرام من الكبريت بسعر 22 ألفا و900 جنيه فقط. الأخطر أنه تم أكثر من مرة تحليل عينات كبريت مستورد بمعرفة شركات كبيرة مثل أولاد رجب والصفوة للتجارة الدولية وأشرف ماتش - فى الهيئة المصرية للمواصفات والجودة ومصلحة الكيمياء - التابعتين لوزارة التجارة والصناعة.. أثبتت أنها غير مطابقة للمواصفات القياسية المصرية للكبريت رقم 12/ 2005 ومع ذلك مازالت هذه الشركات تستورد الكبريت من باكستان والهند. الغريب أن المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة الأسبق كان قد ألغى فى عام 2009 رسوم الإغراق التى كان يتم فرضها على الكبريت المستورد من باكستان بحجة فتح الأسواق وتخفيض الأسعار بالرغم من أن السوق المحلى لا يحتاج إلى كل هذه الكميات المستوردة. الهموم السابقة وغيرها ينقلها أصحاب الصناعة الحقيقيون.. فيقول المهندس حسام بدوى مدير مبيعات بإحدى شركات الكبريت المصرية: إن هناك ازدواجية فى قرارات الجهات الرقابية والتى إذا وجدت مخالفة مصرية على منتج محلى تأمر فوراً بوقف إنتاج المصنع المصرى حتى يتم الالتزام بالمواصفات وتصحيح المخالفات بالإضافة إلى توقيع غرامات مالية تأديبية. ويضيف أنهم لا يعترضون على الالتزام بالقانون ولكن يرفضون عدم تطبيق هذه الضوابط على المنتج الأجنبى والذى تكتفى الجهات الرقابية بمصادرة العينة المخالفة فقط دون توجيه أى لوم للمستورد أو اتخاذ أى إجراء قانونى ضده لوقف استيراد هذه السلعة المخالفة. ويشير بدوى إلى أنه تم تحليل العديد من العينات المستوردة فى (مصلحة الكيمياء وهيئة المواصفات والجودة) أثبتت عدم صلاحية منتج الكبريت المستورد خاصة عنصر الأمان بخلاف أبسط مواصفات الجودة موضحاً أنه برغم استيرادها بسعر منخفض فإن المستهلك البسيط والعادى غير مستفيد لأنه يشترى الردىء بثمن الجيد والفائدة تعود على القطط السمان من المستوردين الذين يحققون هامش ربح كبيرا جداً على حساب الصناعة المصرية والعمالة الوطنية وكذلك أمان المستهلك البسيط الذى يشترى المستورد بسعر المصرى بلا فرق. ويضيف عبد الفتاح عثمان المدير المالى لإحدى شركات إنتاج الكبريت أن القانون يحدد ألا تتجاوز نسبة الإغراق عن 2% من المعروض وهذا يخالف كثيراً ما نحن فيه حالياً حيث وصلت نسبة المستورد لأكثر من 60% وكل ذلك يؤثر على انخفاض حجم الإنتاج المحلى وزيادة المخزون وبالتالى التأثير المباشر فى انخفاض دخل العامل المصرى. ويشير إلى أن الإغراق بدأ فى عام 2000 مع التزايد فى استيراد الكبريت ولهذا تقدمنا بشكوى لجهاز مكافحة الدعم والإغراق فتم فرض رسوم بنسبة 36% تتناقص لمدة 3 سنوات على الاستيراد القادم من الخارج وهى رسوم وقائية وفى عام 2003 تم التحقيق وصدر القرار 667 لسنة 2003 بفرض رسوم 26% و29% لمدة خمس سنوات على واردات الكبريت من باكستان وكان من المفترض استمراره حتى عام 2008 ولما تزايد الاستيراد من الهند عام 2006 تم فرض رسوم على وارداتها بقيمة 1.75 دولار ثم 2.13 دولار على كل كرتونة تم استيرادها. أما باكستان فقد تقدمت بشكوى ضد القرار فتم إلغاء الرسوم على باكستان وأصبح هناك سعر حكمى فتم إلغاء رسوم الإغراق فى فبراير 2009 وتم إلغاء السعر الحكمى بحجة واهية وهى أن الاستيراد لم يتجاوز 2% فى حين أن الأوراق الرسمية الصادرة من الجمارك المصرية تؤكد أن الكميات الداخلة من استيراد الكبريت تتجاوز 60% من حجم السوق. ويوضح أن كل ذلك أدى إلى انهيار صناعة الكبريت الوطنية فى واحدة من أهم شركاته والتى خسرت رأس مالها بالكامل وهى شركة النيل الوطنية للكبريت والتى كان يعمل بها 1604 عمال. أما عماد الدين مصطفى - العضو المنتدب لإحدى شركات الكبريت المصرية - فيقول: إن صناعة الكبريت فى مصر انحصرت فى شركة النيل للكبريت ومجموعة من الشركات الخاصة المملوكة لبعض البنوك ولكن بعد انهيار شركة النيل للكبريت وهى شركة قطاع أعمال تابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية لم يتبق إلا مجموعة الشركات الخاصة التى بدأت هى الأخرى تتراجع مكاسبها حتى وصلت إلى تكبد إحداها 100% من رأس مالها. وأشار إلى أن سبب ما حدث للنيل للكبريت والشركات الأخرى هو ما نتعرض له من عمليات الإغراق بالكبريت الوارد من باكستان بصفة خاصة ومجموعة أخرى من الدول بشكل عام ولذلك نتمنى فرض رسوم جمركية أو اتخاذ أى إجراءات ممكنة للحد من عمليات الإغراق حتى نتمكن من حماية الصناعة الوطنية حيث إن ما يقرب من 5 آلاف عامل يعولون خمسة آلاف أسرة مهددون بالتشرد لأن تلك العمالة تعتمد فى دخلها على صناعة الكبريت التى أصبحت تحتضر الآن لعدم وجود حماية. ويضيف: أن الاستيراد تجاوز 50 أو 60% من المعروض فى السوق المحلية على الرغم من أن الشركات الأهلية تملك طاقات إنتاجية متاحة تمكنها تغطية احتياجات السوق المحلية بجانب فتح أسواق خارجية للتصدير وبالفعل نقوم الآن بعمليات التصدير للدول العربية والأفريقية والأوروبية بما يعادل 5% من حجم الإنتاج المحلى.. ولكن منذ عام 2000 بدأ الاعتماد بصورة أكبر على الاستيراد من باكستان. ويوضح أن استيراد الكبريت من الممكن أن يأتى من أية دولة من دول العالم ولكنه لا يعتمد على مواصفات الجودة فيها إلا أنه يلتزم بمواصفات الجودة للدولة المورد إليها المنتج فتكون المنافسة شريفة فمثلاً إذا كان الاستيراد من أوروبا فيكون مطابقاً للمواصفات القياسية المصرية، لذلك يكون سعره متوافقاً مع السعر المصرى.. أما بالنسبة للمنتج الباكستانى فهو غير مطابق للمواصفات القياسية المصرية فهو بالتالى قليل التكلفة ومن ثم يستورد وبسعر متدن لذلك تكون ضربة للصناعة المصرية فى مقتل خاصة أن السعر من أهم عوامل البيع داخل السوق المحلية خاصة أن الفارق يغرى كثيرا من المستوردين وكبار التجار لتحقيق هامش ربح أكبر. ويندهش عماد الدين من التناقض العجيب بين فرض مواصفات خاصة لصناعة الكبريت على المصنعين المصريين فى حين أنه لا يلتزم بها المنتج الأجنبى بالرغم من استخدامها خامات رخيصة وأقل كثيراً من الجودة المصرية فإن دولهم تقدم لهم دعم التصدير الذى لا يتمتع بمثله المنتج المصرى فى الداخل.. ويضيف أنهم ومجموعة من أصحاب المصانع الوطنية تقدموا بشكوى إلى جهاز مكافحة الإغراق وينظرها الجهاز حالياً - بشأن إغراق السوق بكبريت باكستانى يضرب الصناعة الوطنية - مؤكداً أنهم عقدوا جلسة مع بعض المستوردين لبحث هذه الأزمة فرد عليهم بعض المستوردين أن جميع الخامات التى تدخل فى هذه الصناعة مستوردة فلماذا لا نستورد الكبريت أيضاً. وينبه المهندس السيد يونس عضو غرفة الصناعات الكيماوية إلى خطورة بعض الواردات من الكبريت والتى يتم فحصها ظاهرياً طبقاً لقرار وزير التجارة والصناعة السابق بتطبيق قواعد الفحص الظاهرى حيث تمثل خطورة على أمن وسلامة المواطن.. مضيفاً أن بعض المصنعين تقدموا بالعديد من الشكاوى إلى غرفة الصناعات الكيماوية والتى رفعتها إلى وزارة التجارة والصناعة وغيرها من الجهات المسئولة. ويوضح أن الكبريت المصرى يخضع للرقابة الدورية من قبل جميع الجهات الرقابية المصرية ويتم تحرير محاضر تحول إلى النيابة فى حالة عدم المطابقة للمواصفات والاشتراطات الفنية مضيفاً أن الأسواق شهدت كميات كبيرة من الكبريت الدرج من خامات رديئة رخيصة الثمن وغير مطابقة للمواصفات مما أثر بالسلب على حجم الإنتاج المحلى وزيادة المخزون لدى الشركات المنتجة. ويطالب يونس بضرورة إعادة النظر فى طريقة الفحص على أن يتم أخذ عينات عشوائية وتحليلها من قبل هيئة الرقابة على الصادرات والواردات للتأكد من مطابقتها للمواصفات المصرية الملزمة وتطبيق الإجراءات الخاصة بالرقابة على الكبريت المستورد المماثلة للرقابة على إنتاج الكبريت المحلى. ويشير إلى أنه إلى جانب عدم مطابقة بعض المستورد من الكبريت للمواصفات فهناك مشكلة أخرى تتعلق بالإغراق فمع إلغاء رسم الحماية على المنتج المصرى سيتم إغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة بما يضر الصناعة المحلية ويهدد شركات الكبريت بالتوقف نظراً لتعرضها للخسائر مطالباً بحماية الصناعة الوطنية خاصة أننا نمتلك شركات كبرى تنتج بشكل جيد وتوفر الآلاف من فرص العمل. وحول الأضرار والمخاطر الناتجة من استخدام ثقاب الأمان غير مطابق للمواصفات من المستورد يوضح تامر عبدالفتاح - مدير معامل فى شركة لإنتاج الكبريت - أن هناك نوعين من المخاطر بيئية وصحية، أما المخاطر البيئية فتتمثل فى حوادث الحرائق نتيجة استخدام أعواد ثقاب غير معالجة كيميائياً لمنع حدوث التوهج بعد إطفاء الأعواد وهذا أخطر الحوادث حيث من الممكن أن يتم الحريق بالمنازل لتواجد ثقاب الأمان بالمطابخ باستمرار. وقال: إن المواصفات القياسية المصرية شددت على ضرورة استخدام الأعواد المعالجة وهذا العيب قد ظهر فى الكبريت المستورد الذى أغرق الأسواق المصرية مؤخراً. ويضيف: أن الكبريت غير المطابق للمواصفات يساعد فى تلوث التربة والمياه بالمعادن الثقيلة وزيادة معدلات الإصابة بالأمراض الخطيرة، بالإضافة إلى تلوث الغلاف الجوى بنواتج الاحتراق من أكاسيد الكبريت والكربون. أما عن المخاطر الصحية فتتمثل فى نواتج احتراق أعواد الثقاب حيث حددت المواصفة القياسية الأوروبية 1997: 1783: EN وكذلك المواصفة القياسية المصرية 12/2005 نسب آمنة لتواجد المعادن الثقيلة حتى مكونات رأس العود وكذلك انبعاث أكاسيد الكبريت وذلك للمخاطر الصحية الشديدة التى تسببها حيث إنها من أهم العوامل المسببة للأمراض السرطانية. كما أن ارتفاع نسبة أكاسيد الكبريت فى الغلاف الجوى يساعد على زيادة معدلات التلوث الهوائى وزيادة ظاهرة الاحتباس الحرارى. كل ما سبق حملناه إلى مسئولى جهاز مكافحة الإغراق حيث أكد موفق الفيومى - مستشار بالجهاز - أن الجهاز تلقى طلباً من الصناعة المحلية لمراجعة إجراءات مكافحة الإغراق النهائية المفروضة على الواردات من صنف ثقاب الكبريت من درج ذات المنشأ الباكستانى وجار النظر فيها - وذلك من معظم الشركات المصرية. ويشير إلى أن الجهاز يعمل وفق آليات وبيانات محددة وتتم مراجعة جميع البيانات ويدرس جميع الأوراق والبيانات التى تقدم له ويهتم بدراسة كافة الشكاوى لتحقيق صالح الصناعة الوطنية وحمايتها من أى أضرار قد تلحق بها نتيجة أى ممارسات للإغراق وغيرها وفرض رسوم حمائيةكذلك بما يخدم الصناعة المحلية.