الإمام الأكبر: الأزهر حريص على تعزيز التعاون مع دول القارة الإفريقية    البابا تواضروس يهدي أيقونة "العائلة المقدسة" لقنصل مصر بجنوب فرنسا    تعرف على أسعار قطع غيار الموتوسيكلات الصيني في الأسواق    عي عبد العال: الإدارات القانونية بالقطاع العام "عايزة النسف"    وزير الري يفتتح معرض "أسبوع القاهرة الثاني للمياه"    «النقل» تكشف موعد تشغيل محطتي مترو النزهة وهشام بركات    التموين: الكشف عن الجهات المؤسسة ونسب المشاركة في البورصة السلعية خلال أيام    الزراعة: تراخيص مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة مجانًا لأبناء الشهداء وسيناء    أول وفد سياحي نسائي بالسعودية يصل "نيوم"    ورقة الحريري الأخيرة.. حزمة إصلاحات تنتظر نيل رضا المتظاهرين    وزير بريطاني : بريطانيا ستغادر الاتحاد الأوروبي بحلول 31 أكتوبر الجاري    "عبدالعال": مصر تسخر إمكانياتها لتحقيق استقرار ليبيا    أحرقوا مترو الأنفاق .. شاهد موجة غضب تجتاح مظاهرات تشيلي    تقرير.. سلسلة أرقام كارثية تحاصر مانشستر يونايتد قبل صدام ليفربول    كلويفرت يقود تشكيل روما أمام سامبدوريا بالدوري الإيطالي    وزير الرياضة يقرر استكمال أعمال تطوير إستاد نبروه الجديد    20 لاعبا في قائمة المصري استعدادا لنادي مصر    والد محمود البنا يكشف تفاصيل أولى جلسات محاكمة محمد راجح    سقوط ضابط الشرطة المزيف سارق مجوهرات سيدة فى عابدين    اتهام موظفة بالتسبب في وفاة مواطن بعد ضربه ب"الحذاء" بالشرقية    أحمد رشوان مدرباً لورشة التمثيل في مهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير    تعرف على رسالة أحمد السقا لشهيد الشهامة "محمود البنا"    الإعلان عن خبيئة العساسيف يتصدر الصفحات الأولى للصحف ووكالات الأنباء العالمية (صور)    محافظة سوهاج تستقبل 9 أفواج سياحية خلال أسبوعين    الصبر مفتاح الفرج.. من ابتلاه الله عليه بهذه الأدعية    تفاصيل العرض السعودي الثالث لشراء مانشستر يونايتد    مقتل 9 أشخاص في أحداث عنف جديدة على حدود كشمير    كوريا الجنوبية تعلن اكتشاف مرض الإنفلونزا فى فضلات الطيور البرية    رئيس إندونيسيا يؤدي اليمين لفترة ولاية ثانية| صور    تحذير جديد من الأرصاد بدءًا من الغد    حبس مساعد صيدلي وزوجته 3 سنوات لنصبهم على المواطنين بالهرم    تجديد حبس مسجل خطر لتعديه جنسيا على والدته المسنة بمصر القديمة    طفلة كفر الشيخ المحتجزة داخل مدرسة: "خايفة يحبسوني تاني"    11 رئيس جامعة مصرية يشهدون فاعليات أسبوع الجامعات الإفريقية الأول بأسوان | صور    قائد القوات البحرية: لدينا 4 وحدات تأمين في البحر الأحمر وباب المندب    النائب محمود بدر: "مش عارف شكل وزير العدل"    نقيب الصحفيين: عودة أرض أكتوبر كمشروع سكني للنقابة    الابراج حظك اليوم برج الحوت الإثنين 21-10-2019    في ذكرى وفاته| محمد فوزي مناضلًا مع الشعب الجزائريّ    بالصور.. فريق "مسرح مصر" في طريقه إلى السعودية للمشاركة في "موسم الرياض"    صدق أو لا تصدق.. مسئول مصري سابق وراء استبعاد جهاد جريشة من مونديال الأندية    تأجيل دعوى عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي ل 1 نوفمبر    صحة المنيا تنظم قافلة طبية بقرية "دمشاو هاشم"    شائعة الالتهاب السحائى بين طلاب المدارس.. تتسبب في لوم البرلمان للصحة    رئيس المحكمة الدستورية العليا : نمتلك مكانة عالمية على مستوى القضاء الدستورى    وائل جسار وزوجته يشعلان المظاهرات في لبنان    ضبط 3 ظهروا في فيديو متداول يتعاطون المخدرات أمام مدرسة بالزيتون    والي: مبادرة حياة جديدة لتشغيل الصم وضعاف السمع للعمل بالمطاعم    "صحة البرلمان" تشكل لجنة لزيارة المستشفيات الحكومية بجنوب سيناء    للمدخنين| ركوب الدراجات ورياضة المشي يحميان من سرطان الرئة    مصر تنضم لبرنامج البنك الدولي لزيادة الاستثمارات في البنية التحتية    شاهد أول رد للمتظاهرين على تصريحات حسن نصر الله    والدي متوفى فكيف أعرف أنه بخير؟.. أمين الفتوى: عليك بهذه الأفعال    وفقا للحسابات الفلكية.. موعد إجازة المولد النبوي الشريف (2019 - 1441) في مصر    خبراء في جراحة العمود الفقري والحنجرة وزراعة الكبد بالمستشفيات العسكرية    مرتضى يوجه رسالة نارية ل"الخطيب": الزمالكاوية خايفين منك    الإسلام السياسى واختزال القرآن الكريم    تعرف على مواعيد مباريات اليوم الأحد 20-10-2019 والقنوات الناقلة.. صلاح وقمة نارية منتظرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حول العلاقة بين المرأة والحكاية الشعبية
نشر في نقطة ضوء يوم 19 - 11 - 2010

ليس من المستغرب أن يذهب بعض علماء الكلام، واللغويين، والمؤرخين أيضاً، إلى القول إن حوّاء (الأنثى) هي أول من اخترع الكلام، أو إنها الحكّاءة (أو الحكواتية) الأولى، إذ أن الدور الذي مارسته المرأة -وما تزال- منذ بدء الخلق، في الاعتناء ببيتها وأسرتها، تطلّب، في سبيل تحقيقه، وسيلةَ اتصال مع محيطها الاجتماعي أكثر سهولة ويسراً من الإشارات والرموز، بخلاف الرجل الذي ظل منشغلاً بتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته، عبر الصيد، وتوفير الطعام والماء، وغيرهما، مما تجود به الطبيعة، وبالتالي لم يكن أثناء تأديته لهذه الوظائف محتاجاً، كما المرأة، إلى "الكلمة" أو "العبارة"، للتواصل مع مفردات الطبيعة من حوله.
ولعل هذا هو التفسير الأنسب والأكثر تبريراً وإقناعاً لشغف المرأة بالكلام -حتى أن بعضهم يَسِمُها ب-"الثرثرة" بالإطلاق، دون مراعاةٍ للفروق بين واحدة وأخرى- وممارسة "الحكي" أكثر من الرجل، حتى وقتنا الحالي، لما يتطلبه دورها الحيوي في الحياة من حوارات مستمرة داخل الأسرة مع زوجها وأطفالها، أو خارجها، مع الآخرين في محيطها.
وفي مرحلة لاحقة، خرج الكلام من نطاق التعبير عن الحاجات الأساسية للإنسان، ليصبح الوسيلة الأكثر نجاعةً في الاتصال والتعبير عن الفكر الإنساني، وما يعتور الذات البشرية من مشاعر وأحاسيس، والاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، ونقل ما في المخيلة من رؤى وتصورات ذات بعد أسطوري وغرائبي، والتأشير على سعي الإنسان الدائم لاكتشاف الكون من حوله، والتعرّف إلى كُنْهِ القوة العظمى التي تحركه. وبذلك، تشكلت النواة الأولى للحكاية، فيما الناس يتناقلون الأخبار والأحاديث عن بعضهم بعضاً، وعن الأقوام الذين سبقوهم.
وأول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة الوطيدة، والأصيلة، بين المرأة والحكاية، شخصية شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، حيث كانت شهرزاد تقوم بسرد الحكايات، الواحدة تلو الأخرى، في كل ليلة، على شهريار الملك، كوسيلة تحمي بها نفسها من سيفه، وهو الذي كان يقتل الحسناوات من بنات شعبه، بعد زواجه منهن، وفي ليلة الزفاف.
وبما أن الأحداث والأفكار كانت تنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكي (شفاهةً) قبل أن يعرف الإنسان التدوين والكتابة، فلا بدّ أن الدور الأكبر في الحفاظ على "الحكاية" بوصفها التعبير الحقيقي للذاكرة الشعبية، كان للمرأة، عبر سردها الحكايات مراراً وتكراراً لأبنائها، وأحفادها، حيث كانت الحكايات الوسيلة المثلى لتسلية الصغار قبل النوم، في ظل غياب وسائل الترفيه المختلفة التي لم يعرفها الإنسان سوى في فترة قريبة، كالراديو والتلفزيون، بما يجعل المرأة تستحق، وعن جدارة، النظر إليها باعتبارها سادنة "الحكاية"، وحارسها من الضياع عبر الزمن.
ومن المؤكد أن حكايا الأمهات اللواتي كنّ -وما يزلن- يروينها لأطفالهن، تثري خيالهم، وتنمّي قدراتهم العقلية، وربما كانت الحكايا خطوة لا بد منها للوصول إلى الاختراعات العظيمة، فلو لم يحلم الإنسان بأنه يطير كالطيور مثلاً، ويغذّي هذا الحلم بمحاولات متكررة لصنع أجنحة يحلق بها عالياً في السماء، لما توصّل إلى اختراع الطائرة، ولو لم يحاول التسلق إلى القمر لما اكتشف المركبات الفضائية، وعرف أسرار الكون وخفاياه.
لكن الأمر لم يكن يخلو من إضافة هنا، أو حذف هناك على متن الحكاية، بما يتفق وأهداف ومرامي الشخص الذي يقوم بفعل الحكي، ولذلك ظلت المخيّلة الشعبية مشتعلة، تحوّل ما هو حدث عادي إلى أسطورة يصعب تصديقها، لعدم واقعيتها، لكن يجري الإيمان بها والتعاطي معها على أنها جزء من المعتقَد الذي تتخلّله كثير من الغيبيات. وبمرور الزمن تولدت حكايا جديدة من الحكايا القديمة، واصطبغت حكايا سابقة بألوان ليست لها، وتعددت التفاصيل في الحكاية الواحدة، وظلت المرأة / الحكّاءة توقد جذوة الحكاية، بما تضيفه من مخيلتها الجامحة، إلى متن الحكاية أو أصلها.
وظهرت حكايا، جرى تداولها على نطاق شعبي واسع، تتضمن أحداثاً كانت يد المرأة المحرك الأساسي لها، أو السبب الرئيسي في وقوعها، بدءاً من إشعال فتيل الحروب، وانتهاءً بصنع الأحداث العظيمة، فلولا عبلة ما كان عنترة العبسي من أعظم فرسان التاريخ، ولولا "البسوس" لما نشبت حرب لم تخمد أوارها على مدار عقود من السنين، ولولا شهرزاد لما تغيّرت طريقة تفكير شهريار وتغيّر أسلوب حكمه لشعبه.. والقائمة لا تنتهي.
وتتضمن الحكاية الشعبية أحداثاً وكائنات حقيقية، مثلما تتضمن أحداثاً وكائنات من صنع الخيال الإنساني، لا علاقة لها بالواقع أو المنطق، وحسبُنا أن نذكر هنا نماذج من أبطال الحكايات الشعبية التي ما تزال متداوَلَة بين الناس حتى زمننا هذا، مثل حديدوان، ونُص نصيص، والشاطر حسن، والغولة، وعقلة الإصبع... إلخ. وتتأثر نسبة الخيالي أو العجائبي داخل الحكاية، إلى الواقعي أو الحقيقي، بطبيعة العصر (أو المرحلة) الذي تُروى فيه الحكاية، والأفكار أو "الرسالة" التي يُراد إيصالها للناس من خلالها.
وقد كانت الحكاية تُروى في العصور السابقة، شفاهةً، وبالفصحى، التي كانت اللغة الدارجة في حياة العرب اليومية، إلا أن فصاحة الحكاية، لم تؤثر في "شعبيتها"، لكنها في العصور الأخيرة، ازدادت "شعبيةً" فوق "شعبيتها" الأولى، عبر انتقالها من الفصحى التي أصبحت ثقيلة على لسان الإنسان العربي المعاصر، إلى اللهجات المحكية الدارجة والتي شاعت بعد اختلاط العرب بأبناء الشعوب والأمم الأخرى، مما جعلها أكثر قرباً من الناس، وأكثر تعبيراً عنهم، ومنحها مكانةً خاصةً من بين الفنون الشعبية الأخرى.
وكانت الحكاية قد أصبحت بعد عصر التدوين فناً مستقلاً بذاته، إلى جانب الفنون الأدبية السردية والشعرية الأخرى, وهي تقوم على السردية حيناً، وعلى الشعرية حيناً آخر، وربما تجمع بين الطرفين. وقد زاد الاهتمام بالحكاية في ظل ازدهار حركة الترجمة منذ العصر العباسي، وتسرّب الحكايات الفارسية والهندية إلى الأدب العربي، فكان أن ترجم ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف عن الفارسية، وكتب سهل بن هارون حكايات "ثعلبة وعفرة" أي "الثعلب والنمر"، وكان هذان الكتابان، على وجه الخصوص، من أوائل الكتب التي أُفردت للحكايات بشكل خاص، وفتحت الأبواب أمام هذا الفن الأدبي الذي أصبحت له سمات خاصة وصفات تميزه عن غيره من الفنون.
ورغم أن الحكايا المتضمنة في هذين الكتابين وغيرهما جاءت بلغة عربية فصيحة، إلا أنه بدأت تظهر كذلك الكتب التي دوّنت الحكايات الشعبية كما هي، أي كما تُروى في اللهجات المحكية، وقد وجدت هذه الكتب لها طريقاً ورواجاً بين الناس، يتناقلونها جيلاً بعد آخر، ويحوّرون ما فيها من حكايات، وفق ما يقتضيه الظرف أو الزمن الذي يعيشون فيه.
وتعكس الحكاية الشعبية، بما تحمله من مضامين وثيمات، المناخ الفكري ومدى التطور الحضاري للمجتمع الذي أُنتجت أو وُلدت فيه. وإذا كان الرجل قد سيّر الحكاية الشعبية منذ القدم، باتجاه تصوير مغامراته وبطولاته، في الغالب، فإن المرأة لم تجد بدّاً من تمجيد هذه المغامرات والبطولات، والثناء عليها، وتخليدها، عبر فعل "الحكي" الذي جعل هذه الحكايات حيّة إلى يومنا هذا، بما فيها من نماذج إنسانية تحمل قيماً إيجابية تُحتذى، تقف في وجه الشر، وترفض الظلم والطغيان، وتسعى إلى الحرية.
ورغم الدور المهم الذي من المؤكد أن المرأة لعبته في الحفاظ على الحكاية الشعبية، قبل التدوين، إلا أنه تم تجاهلها في فترة التدوين، التي أتت، فقط، على ذكر القصاصين والرواة الرجال الذين راجت مهنتهم تلك في العهد الأموي، بشكل خاص، والذين كانوا يستمدّون حكاياهم من القرآن الكريم والنصوص الدينية، أو من أخبار الفرس وأساطيرهم.
وربما يعود التركيز على ذكر رواة الحكاية الشعبية من الرجال، إلى اتّخاذ مجموعة من الرواة من فن الحكاية مهنةً يمتهنونها، خصوصاً وأن عدداً من القادة والخلفاء قربوا هؤلاء الرواة إليهم في مجالس السمر، فضلا عن أن هؤلاء الرواة كانوا يروون حكاياتهم على جمع غفير من الناس، وقد طالت شهرة بعضهم عدداً من البلدان العربية والأعجمية، بينما ظلت المرأة تمارس روي الحكاية على نطاق ضيق، لا يتجاوز أفراد أسرتها أو المقربين لها.
وقد اتسمت الحكايات الشعبية بعدد من السمات الفنية، منها الافتتاحية المتوارثة التي تستهل بها الحكاية "كان يا ما كان، في قديم الزمان" دون إشارة حقيقية تدلنا على زمن الحكاية، أو مكانها، وتختتم ب"طار الطير والله يمسيكوا بالخير" أو ما يماثلها من عبارات تدل على زمن انتهاء سرد الحكاية، وهو في الغالب وقت المساء، حيث يجتمع الناس ل"التعليلة" والسمر، ناشدين المتعة والراحة والترفيه عن النفس.
ومن مصادر الحكاية، إلى جانب خيال الراوي، أو المخيال الشعبي الذي لا حدّ له، الأساطيرُ القديمة، والقصصُ الواردة في الكتب السماوية، والأحداث الحقيقية، والخرافات المتوارَثة، وغيرها. ويتم تقديم الحكاية الشعبية، في الغالب، بلغة بسيطة واضحة المعالم، هي لغة الإخبار التي يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم العمرية، والإدراكية، فتجذب انتباههم وأسماعهم إليها، في أجواء حميمية، يلتف فيها المستمعون حول راوي الحكاية، ويسرحون بخيالاتهم إلى عوالم شاسعة، وآفاق رحبة لا حدود لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.