أبو ردينة: نثق بالقيادة المصرية فى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والعربية    سقوط 3 أشخاص لقيامهم بالحفر والتنقيب عن الآثار داخل عقار بالدرب الأحمر    طريقة سهلة لحساب زيادة الوزن بالكيلو وأسرع حيل لرفع الحرق    جامعة القاهرة الأولى مصريا وتتقدم 176 مركزا عالميا بتصنيف "ويبوميتركس" الإسباني    التخطيط: الحكومة تعمل على التصدي لكافة أشكال عدم المساواة بين الأقاليم    بروتوكول تعاون بين "تنمية التجارة" و"اتحاد البنوك" لإتاحة خدمات السجل التجاري    وزير المالية: أصبروا شوية عشان خاطر عيالكم    خطوة بخطوة.. كيفية تسجيل الرغبات عبر موقع التنسيق    ميشيل بارنييه: تيريزا ماي لم تهدد الاتحاد الأوروبي "على الإطلاق" بإتمام بريكست دون اتفاق    مفاجأة.. ال"كاف" يغير حكم نهائي أمم أفريقيا    نقابة الأطباء تهاجم الترويج لدبلوم باسم «التغذية الطبية والعلاجية»    ضبط 45 طربة حشيش بحوزة عاطل غربي الإسكندرية    ضبط موظف استولى على أموال سيدة فى الغربية    "الافتاء" تكذب سعد الدين الهلالي : الخلع طلاق وليس فسخ    تنسيق الجامعات 2019| 109 آلاف طالب يسجلون في اختبارات القدرات    استرازينيكا مصر تشارك وزارة الصحة فى تدريب الأطباء استعداداً لتطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل    إقلاع أول رحلات مصر للطيران لنقل ضيوف الرحمن    "كاف" يعين "دروجبا" و"إيتو" مساعدين له    محمود الخطيب يشارك في عمومية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع جماعى لمؤشرات البورصة بمستهل تعاملات جلسة نهاية الأسبوع    الحكومة تبحث ملف فض التشابكات المالية بين الكهرباء والبترول والمالية    محافظ الوادي الجديد: توفير 20 منحة دراسية بالجامعات الأجنبية لأبناء المحافظة    المرور يضبط 12 سيارة ودراجة بخارية متروكة فى حملات بالجيزة    بتكلفة 4 ملايين جنيه.. تشغيل أول جهاز فرم وتعقيم النفايات الطبية بالقليوبية    مدير مكتبة اﻹسكندرية: العلاقات المصرية اليونانية تجسد ميراثا حضاريا ممتد عبر التاريخ    بعد طرحه بساعة .. محمد رمضان يقترب من 300 ألف مشاهدة من كليب إنساي    متحف جمال عبد الناصر ب"المجان" للجمهور    وفاة فنان شهير عن عمر يناهز 66عامًا    تعرف على إيرادات فيلم رامز جلال بعد 6 أسابيع    يحيى الفخراني: الشعب السعودي قادر على مواكبة التطور ومعاصرة كل الفنون ..فيديو    "الاستعلامات": إشادة عالمية بقانون الجمعيات الأهلية الجديد    ما لا تعرفه عن معلم الفيزياء موقع الاتفاق مع "حميدتي"    وزيرة الدفاع البريطانية: لندن على حق فى قلقها لحماية تجارتها بمضيق هرمز    خبير عالمى فى جراحة العظام بمستشفى المعادى العسكرى    24 قتيلا في حريق استوديو للرسوم المتحركة    أمريكا تستبعد تركيا من برنامج مقاتلات «إف-35» بعد شرائها «إس 400» الروسية    قيادي ب«حماس»: الدور الروسي مطلوب في الملف الفلسطيني لمواجهة «تفرد واشنطن»    التنمية المحلية: ورشة عمل ل2160 عاملًا على مستوى الجمهورية    سعر الدولار في البنوك اليوم    الأزهر يوضح: هكذا كان تعامل النبي مع النساء إذا أخطأت إحداهن    مفتي الجمهورية مخاطبًا الحجاج المصريين: تضرعوا إلى الله بالدعاء من أجل مصر وشعبها الكريم    التعليم العالي: توجيه رئاسي بسرعة الانتهاء من تجهيز الجامعات التكنولوجية    بالجواز فقط .. خبر سار لجماهير الجزائر قبل مباراة نهائي أمم أفريقيا أمام السنغال    القبض على 3 كمبوديات بتهم الاتجار بالبشر عبر تأجير الأرحام    الصحة العالمية تنتفض لدعم مبادرة السيسي لعلاج مليون أفريقي من فيروس سي    قفشة وعلي جبر وإسلام عيسى.. صفقات حائرة ل الأهلي خلال موسم الانتقالات الصيفية    رئيس الوزراء يرأس اجتماع مجلس المحافظين اليوم    مرتضى يكشف عن طلب غريب ل"كهربا: قولتله "في المشمش"    ريهام سعيد تهاجم فنان شهير: دلوقت بقيت بكرهك    كيف يرى الأمريكيون تغريدات ترامب «العنصرية» حول عضوات بالكونجرس؟    محافظ كفرالشيخ: «التعليم» تعلن نتيجة التحقيقات في واقعة الغش الجماعي بلجنة مدرسة بيلا    رئيس الزمالك: «نادي الجونة فاكر نفسه ريال مدريد»    #فتاوى_الحج.. ما هي حالات الدماء الواجبة في الحج؟    دعاء في جوف الليل: اللهم ارحمنا بقدرتك علينا أنت ثقتنا ورجاؤنا    لسنا كارهين ولا متسامحين    الأعلى للآثار: افتتاح متحف العاصمة الإدارية الجديدة خلال أسابيع    مدرب تونس يكشف سبب الهزيمة أمام نيجيريا    "الأرصاد" تعلن موعد انكسار الموجة الحارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حول العلاقة بين المرأة والحكاية الشعبية
نشر في نقطة ضوء يوم 19 - 11 - 2010

ليس من المستغرب أن يذهب بعض علماء الكلام، واللغويين، والمؤرخين أيضاً، إلى القول إن حوّاء (الأنثى) هي أول من اخترع الكلام، أو إنها الحكّاءة (أو الحكواتية) الأولى، إذ أن الدور الذي مارسته المرأة -وما تزال- منذ بدء الخلق، في الاعتناء ببيتها وأسرتها، تطلّب، في سبيل تحقيقه، وسيلةَ اتصال مع محيطها الاجتماعي أكثر سهولة ويسراً من الإشارات والرموز، بخلاف الرجل الذي ظل منشغلاً بتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته، عبر الصيد، وتوفير الطعام والماء، وغيرهما، مما تجود به الطبيعة، وبالتالي لم يكن أثناء تأديته لهذه الوظائف محتاجاً، كما المرأة، إلى "الكلمة" أو "العبارة"، للتواصل مع مفردات الطبيعة من حوله.
ولعل هذا هو التفسير الأنسب والأكثر تبريراً وإقناعاً لشغف المرأة بالكلام -حتى أن بعضهم يَسِمُها ب-"الثرثرة" بالإطلاق، دون مراعاةٍ للفروق بين واحدة وأخرى- وممارسة "الحكي" أكثر من الرجل، حتى وقتنا الحالي، لما يتطلبه دورها الحيوي في الحياة من حوارات مستمرة داخل الأسرة مع زوجها وأطفالها، أو خارجها، مع الآخرين في محيطها.
وفي مرحلة لاحقة، خرج الكلام من نطاق التعبير عن الحاجات الأساسية للإنسان، ليصبح الوسيلة الأكثر نجاعةً في الاتصال والتعبير عن الفكر الإنساني، وما يعتور الذات البشرية من مشاعر وأحاسيس، والاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، ونقل ما في المخيلة من رؤى وتصورات ذات بعد أسطوري وغرائبي، والتأشير على سعي الإنسان الدائم لاكتشاف الكون من حوله، والتعرّف إلى كُنْهِ القوة العظمى التي تحركه. وبذلك، تشكلت النواة الأولى للحكاية، فيما الناس يتناقلون الأخبار والأحاديث عن بعضهم بعضاً، وعن الأقوام الذين سبقوهم.
وأول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة الوطيدة، والأصيلة، بين المرأة والحكاية، شخصية شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، حيث كانت شهرزاد تقوم بسرد الحكايات، الواحدة تلو الأخرى، في كل ليلة، على شهريار الملك، كوسيلة تحمي بها نفسها من سيفه، وهو الذي كان يقتل الحسناوات من بنات شعبه، بعد زواجه منهن، وفي ليلة الزفاف.
وبما أن الأحداث والأفكار كانت تنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكي (شفاهةً) قبل أن يعرف الإنسان التدوين والكتابة، فلا بدّ أن الدور الأكبر في الحفاظ على "الحكاية" بوصفها التعبير الحقيقي للذاكرة الشعبية، كان للمرأة، عبر سردها الحكايات مراراً وتكراراً لأبنائها، وأحفادها، حيث كانت الحكايات الوسيلة المثلى لتسلية الصغار قبل النوم، في ظل غياب وسائل الترفيه المختلفة التي لم يعرفها الإنسان سوى في فترة قريبة، كالراديو والتلفزيون، بما يجعل المرأة تستحق، وعن جدارة، النظر إليها باعتبارها سادنة "الحكاية"، وحارسها من الضياع عبر الزمن.
ومن المؤكد أن حكايا الأمهات اللواتي كنّ -وما يزلن- يروينها لأطفالهن، تثري خيالهم، وتنمّي قدراتهم العقلية، وربما كانت الحكايا خطوة لا بد منها للوصول إلى الاختراعات العظيمة، فلو لم يحلم الإنسان بأنه يطير كالطيور مثلاً، ويغذّي هذا الحلم بمحاولات متكررة لصنع أجنحة يحلق بها عالياً في السماء، لما توصّل إلى اختراع الطائرة، ولو لم يحاول التسلق إلى القمر لما اكتشف المركبات الفضائية، وعرف أسرار الكون وخفاياه.
لكن الأمر لم يكن يخلو من إضافة هنا، أو حذف هناك على متن الحكاية، بما يتفق وأهداف ومرامي الشخص الذي يقوم بفعل الحكي، ولذلك ظلت المخيّلة الشعبية مشتعلة، تحوّل ما هو حدث عادي إلى أسطورة يصعب تصديقها، لعدم واقعيتها، لكن يجري الإيمان بها والتعاطي معها على أنها جزء من المعتقَد الذي تتخلّله كثير من الغيبيات. وبمرور الزمن تولدت حكايا جديدة من الحكايا القديمة، واصطبغت حكايا سابقة بألوان ليست لها، وتعددت التفاصيل في الحكاية الواحدة، وظلت المرأة / الحكّاءة توقد جذوة الحكاية، بما تضيفه من مخيلتها الجامحة، إلى متن الحكاية أو أصلها.
وظهرت حكايا، جرى تداولها على نطاق شعبي واسع، تتضمن أحداثاً كانت يد المرأة المحرك الأساسي لها، أو السبب الرئيسي في وقوعها، بدءاً من إشعال فتيل الحروب، وانتهاءً بصنع الأحداث العظيمة، فلولا عبلة ما كان عنترة العبسي من أعظم فرسان التاريخ، ولولا "البسوس" لما نشبت حرب لم تخمد أوارها على مدار عقود من السنين، ولولا شهرزاد لما تغيّرت طريقة تفكير شهريار وتغيّر أسلوب حكمه لشعبه.. والقائمة لا تنتهي.
وتتضمن الحكاية الشعبية أحداثاً وكائنات حقيقية، مثلما تتضمن أحداثاً وكائنات من صنع الخيال الإنساني، لا علاقة لها بالواقع أو المنطق، وحسبُنا أن نذكر هنا نماذج من أبطال الحكايات الشعبية التي ما تزال متداوَلَة بين الناس حتى زمننا هذا، مثل حديدوان، ونُص نصيص، والشاطر حسن، والغولة، وعقلة الإصبع... إلخ. وتتأثر نسبة الخيالي أو العجائبي داخل الحكاية، إلى الواقعي أو الحقيقي، بطبيعة العصر (أو المرحلة) الذي تُروى فيه الحكاية، والأفكار أو "الرسالة" التي يُراد إيصالها للناس من خلالها.
وقد كانت الحكاية تُروى في العصور السابقة، شفاهةً، وبالفصحى، التي كانت اللغة الدارجة في حياة العرب اليومية، إلا أن فصاحة الحكاية، لم تؤثر في "شعبيتها"، لكنها في العصور الأخيرة، ازدادت "شعبيةً" فوق "شعبيتها" الأولى، عبر انتقالها من الفصحى التي أصبحت ثقيلة على لسان الإنسان العربي المعاصر، إلى اللهجات المحكية الدارجة والتي شاعت بعد اختلاط العرب بأبناء الشعوب والأمم الأخرى، مما جعلها أكثر قرباً من الناس، وأكثر تعبيراً عنهم، ومنحها مكانةً خاصةً من بين الفنون الشعبية الأخرى.
وكانت الحكاية قد أصبحت بعد عصر التدوين فناً مستقلاً بذاته، إلى جانب الفنون الأدبية السردية والشعرية الأخرى, وهي تقوم على السردية حيناً، وعلى الشعرية حيناً آخر، وربما تجمع بين الطرفين. وقد زاد الاهتمام بالحكاية في ظل ازدهار حركة الترجمة منذ العصر العباسي، وتسرّب الحكايات الفارسية والهندية إلى الأدب العربي، فكان أن ترجم ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف عن الفارسية، وكتب سهل بن هارون حكايات "ثعلبة وعفرة" أي "الثعلب والنمر"، وكان هذان الكتابان، على وجه الخصوص، من أوائل الكتب التي أُفردت للحكايات بشكل خاص، وفتحت الأبواب أمام هذا الفن الأدبي الذي أصبحت له سمات خاصة وصفات تميزه عن غيره من الفنون.
ورغم أن الحكايا المتضمنة في هذين الكتابين وغيرهما جاءت بلغة عربية فصيحة، إلا أنه بدأت تظهر كذلك الكتب التي دوّنت الحكايات الشعبية كما هي، أي كما تُروى في اللهجات المحكية، وقد وجدت هذه الكتب لها طريقاً ورواجاً بين الناس، يتناقلونها جيلاً بعد آخر، ويحوّرون ما فيها من حكايات، وفق ما يقتضيه الظرف أو الزمن الذي يعيشون فيه.
وتعكس الحكاية الشعبية، بما تحمله من مضامين وثيمات، المناخ الفكري ومدى التطور الحضاري للمجتمع الذي أُنتجت أو وُلدت فيه. وإذا كان الرجل قد سيّر الحكاية الشعبية منذ القدم، باتجاه تصوير مغامراته وبطولاته، في الغالب، فإن المرأة لم تجد بدّاً من تمجيد هذه المغامرات والبطولات، والثناء عليها، وتخليدها، عبر فعل "الحكي" الذي جعل هذه الحكايات حيّة إلى يومنا هذا، بما فيها من نماذج إنسانية تحمل قيماً إيجابية تُحتذى، تقف في وجه الشر، وترفض الظلم والطغيان، وتسعى إلى الحرية.
ورغم الدور المهم الذي من المؤكد أن المرأة لعبته في الحفاظ على الحكاية الشعبية، قبل التدوين، إلا أنه تم تجاهلها في فترة التدوين، التي أتت، فقط، على ذكر القصاصين والرواة الرجال الذين راجت مهنتهم تلك في العهد الأموي، بشكل خاص، والذين كانوا يستمدّون حكاياهم من القرآن الكريم والنصوص الدينية، أو من أخبار الفرس وأساطيرهم.
وربما يعود التركيز على ذكر رواة الحكاية الشعبية من الرجال، إلى اتّخاذ مجموعة من الرواة من فن الحكاية مهنةً يمتهنونها، خصوصاً وأن عدداً من القادة والخلفاء قربوا هؤلاء الرواة إليهم في مجالس السمر، فضلا عن أن هؤلاء الرواة كانوا يروون حكاياتهم على جمع غفير من الناس، وقد طالت شهرة بعضهم عدداً من البلدان العربية والأعجمية، بينما ظلت المرأة تمارس روي الحكاية على نطاق ضيق، لا يتجاوز أفراد أسرتها أو المقربين لها.
وقد اتسمت الحكايات الشعبية بعدد من السمات الفنية، منها الافتتاحية المتوارثة التي تستهل بها الحكاية "كان يا ما كان، في قديم الزمان" دون إشارة حقيقية تدلنا على زمن الحكاية، أو مكانها، وتختتم ب"طار الطير والله يمسيكوا بالخير" أو ما يماثلها من عبارات تدل على زمن انتهاء سرد الحكاية، وهو في الغالب وقت المساء، حيث يجتمع الناس ل"التعليلة" والسمر، ناشدين المتعة والراحة والترفيه عن النفس.
ومن مصادر الحكاية، إلى جانب خيال الراوي، أو المخيال الشعبي الذي لا حدّ له، الأساطيرُ القديمة، والقصصُ الواردة في الكتب السماوية، والأحداث الحقيقية، والخرافات المتوارَثة، وغيرها. ويتم تقديم الحكاية الشعبية، في الغالب، بلغة بسيطة واضحة المعالم، هي لغة الإخبار التي يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم العمرية، والإدراكية، فتجذب انتباههم وأسماعهم إليها، في أجواء حميمية، يلتف فيها المستمعون حول راوي الحكاية، ويسرحون بخيالاتهم إلى عوالم شاسعة، وآفاق رحبة لا حدود لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.