منذ أن تولي ممدوح الليثي رئاسة اللجنة العليا للدراما باتحاد الإذاعة والتليفزيون، في المنصب الذي خلا بوفاة الفنان والمخرج القدير السيد راضي، والنية تتجه لديه لاستعادة أمجاد الدراما المصرية وقت أن كان رئيساً لقطاع الانتاج، وهي الفترة التي وصفت بأنها "الذهبية" في تاريخ القطاع، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف طرح مشروعه الذي يهدف من خلاله إلي دمج القطاعات الإنتاجية الثلاثة، التابعة لاتحاد لإذاعة والتليفزيون، وهي: قطاع الإنتاج برئاسة راوية بياض، والشركة المصرية لمدينة الانتاج الإعلامي، برئاسة سيد حلمي، وشركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، برئاسة إبراهيم العقباوي، في كيان إنتاجي واحد، وكأنه علي يقين أننا نعيش عصر الكيانات الكبري والعملاقة، غير أن هذا الاتجاه مازال يثير الكثير من الجدل واللغط حول جدواه وأهميته في هذا التوقيت، فمازال البعض يري أن النجاح الذي حققه قطاع الإنتاج، في ذلك الوقت، كان مرهوناً بعوامل وظروف كثيرة لم يعد لها وجود اليوم، حيث بدا القطاع وكأنه يحتكر الساحة الدرامية في ظل الغياب الكامل لأي جهات إنتاجية أخري، وهو الوضع الذي تغير إلي النقيض في زمننا الراهن، حيث كثرت الشركات الإنتاجية، وبالتالي اختلفت معايير السوق وأيضاً مبادئ "العرض والطلب"، وكذلك دخول القنوات الفضائية، بكل عدتها وعتادها وأموالها، في تمويل الأعمال الدرامية، بما يعني القدرة علي الاستقلال بنفسها، وعدم الاعتماد علي الأعمال التي ينتجها الكيان الإنتاجي المصري المأمول، الأمر الذي يعرضه لخسارة فادحة متوقعة، مما يفرض علي ممدوح الليثي وأيضاً اللجنة العليا للدراما باتحاد الإذاعة والتليفزيون دراسة اقتراح الدمج بشكل مستفيض ودقيق للخروج بأفضل النتائج التي تصب في مصلحة الدراما المصرية، وضمان عدم وقوعها فريسة لأي شكل من أشكال الاحتكار أو الحروب غير المشروعة التي تستهدف إجهاضها. البداية مع ممدوح الليثي الذي أطلق مبارة الدمج، ولم شمل الجهات الإنتاجية المصرية الثلاث ويتحدث عن جوانب مبادرته بقوله: - ليس هناك سراً وراء إطلاق هذه المبادرة إلا البحث عن تأمين مصلحة الدراما المصرية، وهو اقتراح لم أطرحه من قبل، لأنني - ببساطة - لم أكن رئيساً للجنة الدراما العليا، لكن ما أود توضيحه أن هذا الاقتراح ليس عشوائياً، بل نتاج دراسة موضوعية مستفيضة، بدليل أنني تقدمت بأكثر من اقتراح لتفعيل المبادرة التي من شأنها اصلاح شأن وحال الدراما المصرية، ولا ينبغي أن يتجاهل أحد أنني كنت يوماً رئيساً لقطاع الانتاج، في أزهي فتراته وعصوره، ولدي خبرة إنتاجية لا يمكن التغاضي عنها، أما القول بأن الدمج يلغي المنافسة فهو قول غير صحيح، فأنا مع المنافسة الشريفة، لكن مايحدث الآن أن كل قطاع من قطاعاتنا الإنتاجية الثلاثة يسعي إلي الكم، ويتسبب في رفع الأجور، بينما الأفضل، بلغة الاقتصاد، أن تهتم بالكيف، وتنجح في تحجيم الأجور إذا ما أردت تقديم عمل ناجح ومُربح. "الليثي" أكد أنه في سبيل تفعيل المبادرة أرسل مجلس الأمناء توصية بالاقتراح إلي رئيس المجلس، لكونه الوحيد القادر علي الفصل في الاقتراح بالموافقة أو الرفض. من ناحيته يؤكد يوسف عثمان المستشار الإنتاجي بالشركة المصرية لمدينة الانتاج الإعلامي رفضه للمبادرة، ودهشته من الاقتراح، ويعبر عن هذا بقوله: - لا أظن أن ممدوح الليثي يملك وحده طرح اقتراح كهذا، ويبنغي أن يخضع الاقتراح لدراسة تشارك فيها كل الأطراف والجهات الإنتاجية، وإلا أصبحنا مثل وزير التعليم الذي يلغي السنة السادسة في المرحلة الابتدائية، وفجأة يتراجع عن القرار، ويعيدها، وهو نوع من التخبط والعشوائية لا نريد أن يجد لنفس مكاناً في الانتاج الدرامي المصري، وبالتالي لن أستطيع الحكم علي الفكرة الآن، ولابد من اشراك المتخصصين والخبراء في دراستها، وليس فقط المشتغلين بالانتاج الدرامي، أما النقطة التي غابت عن الاستاذ ممدوح الليثي أن "المدينة" شركة مساهمة، ولا يمكن قانوناً دمجها مع صوت القاهرة أو قطاع الانتاج، بالاضافة إلي أن الاندماج في رأيي لا يصب في صالح الدراما المصرية. المنتج وائل عبدالله أيضاً رفض الاقتراح بشكل مبدئي لكنه أجل القرار النهائي إلي حين الانتهاء من دراسة الفكرة، وأشار إلي أن الدمج ليس الحل الذي يلجأ إليه الاتحاد لكسر الكيانات الإنتاجية الأخري، وضربها، وشدد علي أهمية المنافسة، وأنهي بقوله:" الحكم الآن أمر سابق لأوانه، لأن الدمج لم يتم بعد". أما الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة فقد سجل ارتياحه للاقتراح، وعبر عن هذا بقوله: - أوافق علي الدمج، بعد اشتداد المنافسة والدليل ماحدث عندما كان "الليثي" رئيساً لقطاع الإنتاج ويوسف عثمان أيضاً، وأنتج القطاع أقوي الأعمال الدرامية، وكانت المنافسة علي أشدها، وموافقتي مشروطة بأن يتم التدقيق في اختيار الموضوعات التي سيتم انتاجها. علي العكس تماماً من هذا الرأي تعارض الناقدة ماجدة خيرالله اتجاه الدمج، وتبرر هذا بقولها: - هذا الدمج لن يؤدي إلي مافيه مصلحة الدراما المصرية، بل سيؤدي إلي المزيد من الاحتكار والهيمنة والبيروقراطية التي ستؤول إلي كيان واحد في الدولة، وهذا غير مطلوب، خصوصاً أن الدولة تتجه إلي محاربة الاحتكار، كما أن الرئيس المقترح لهذا الكيان الجديد سيديره بمنطقه الخاص وأفكاره الشخصية، التي ستتحول إلي أهواء في ظل عدم وجود منافسة من الكيانات الإنتاجية التي تم الغاؤها، ووقتها سيصبح قادراً علي اتخاذ قرار بعدم التعاون مع جهة خاصة - مثلاً - لأن بينه وبين أصحابها عداء أو مصحلة متعارضة وهو ماحدث في واقعة "أدهم الشرقاوي" الذي اتخذ مسئول فاشل قرار إنتاجه، ولم يجد من يشاهده أو يشتريه، والأمر الآخر الذي ينسف المبادرة أنه في ظل تعدد الجهات الإنتاجية كان بمقدور الفنان أو المبدع الذي لايجد له مكاناً في شركة مثل "صوت القاهرة" أن يتعاون مع "المدينة" مثلاً ، أو "قطاع الانتاج" لكن اقتراح الدمج سيؤدي إلي الانفراد بالقرار، وإغلاق بيوت المعارضين أو الذين لهم رأي مستقل وليسوا من "شيالين الشنطة" أو "ماسحي الجوخ" للمسئولين، ومع احترامي للاستاذ ممدوح الليثي فقد نجح قطاع الانتاج في ظل رئاسته له ، لأن الظروف كانت مختلفة، بدليل أنه لم يحقق النجاح نفسه في جهات السينما الذي يترأسه الآن، والواقع اليوم يكذب كل التصريحات التي أعلنها عند توليه منصبه، والتي سرعان ماتبين انها طموحات لا تقف علي أرض الواقع، وصحيح بالطبع أن انتاجه القليل جيد لكن كل ما وعد به ذهب مع الريح، وبالتالي لا أري أن تجربته في الجهاز تشجعه علي اقتراح الدمج بين القطاعات الانتاجية الثلاثة، وإذا كانت هناك نية بالفعل لتطبيق الاقتراح فلابد من تكوين لجنة علي أعلي مستوي تضم باحثين ونقاداً ومتخصصين ومنتجين ومبدعين ومفكرين لدراستها واقرارها قبل اللجوء إليها، وليتنا نبدأ بورقة عمل تخدم الدراما المصرية، ونضبط نظام وآلية الانتاج في القطاعات الثلاث بدلاً من أن يذهب تفكيرنا إلي اقتراح آخر ربما يزيد المشكلة تعقيداً وصعوبة، وأنا علي استعداد للمساهمة بشكل تطوعي، خصوصاً انني فعلت هذا من قبل عندما تقدمت بورقة عمل إلي اللجنة العليا للدراما، وأذكر أن كان معي المخرجة انعام محمد علي واسامة أنور عكاشة، ولم ينظر فيها أو يُعمل بها، وامتنعت عن حضور جلسات اللجنة، وكان ممدوح البلتاجي وقتها هو وزير الإعلام ففي رأي أن "الليثي" أراد أن يُحدث "فرقعة" ليس أكثر، لأنه يدرك تماماً أن اقتراحه غير قابل للتنفيذ، وإذا تم تنفيذه سيكون وبالاً علي الدراما المصرية، بالإضافة إلي الصعوبة القانونية في ضم "المدينة"! وبموضوعيته المعهودة يقول الكاتب الكبير يسري الجندي: - الفكرة تدخل في إطار إعادة الهيكلة التي يدعو إليها وزير الإعلام أنس الفقي، وهي بحاجة إلي دراسة جيدة، كما أن الأمر يتوقف علي دراسة الناتج الذي خرجت بها القطاعات الانتاجية الثلاثة الموجودة حالياً، والنتائج التي تحققت علي صعيد الفكر وكذلك المكاسب المالية التي حققتها في السوق العربية للدراما، والأهم أن ندرس رد فعل اقتراح الدمج علي الساحة الدرامية العربية، وما الذي يمكن أن يحدث في حال تطبيق الاقتراح، وكذلك النظر بعين الاعتبار إلي الآلية التي يتم من خلالها تنفيذ الاقتراح، في حال الموافقة علي تطبيقه، والبحث عن معايير الجودة والكيف، وأن يوفر الدمج القوة الضاربة التي نحتاجها في المواجهة، وفي هذا السياق لابد أن تتم إعادة النظر في الإعلانات وتوحشها الذي ظهر في الفترة لأخيرة وفي كل الأحوال علينا أن ندرس الأمر بجدية لنتدارك الكارثة التي حدثت في العام الماضي، حيث ساد الكساد سوق الدراما العربية، وبالطبع المصرية، وعلينا أن ننظر بعين الاعتبار إلي "المدينة" ككيان تابع لشركة مساهمة مما يعني صعوبة دمجه، واسئلة كثيرة لا يتسع المجال لطرحها الآن أري أنه يجب دراستها من كل جوانبها قبل اتخاذ قرار الدمج، الذي ينبغي التراجع عنه فوراً لو لم يكن يصب في صالح الدراما المصرية، فهناك ارتباط شرطي بين الدمج وإيجاد الآلية التي تضمن الجودة وقوة الناتج وقدرته علي المنافسة مع الآخرين، وأيضاً اعطاء الأولوية للمبدعين الحقيقيين، كالكاتب والمخرج، وليس النجوم الذين يتقاضون أجوراً باهظة.