من المؤكد أن أنفلونزا الخنازير مرض من الممكن الشفاء منه ولكن ما هو علاج مرض التعليم؟!.. فالتعليم في مصر ليس وباء ولكنه عاهة مستديمة تُصيب التلاميذ منذ نعومة أظافرهم وكابوس أقوي من كابوس سيد أبو حفيظة.. قامت الدنيا ولم تقعد لظهور حالات الأنفلونزا في بعض المدارس وتأزمت الأمور حين تم إغلاق مدرسة، ولكن للمأساة وجهاً آخر.. الوزارة في حالة هلع والمدارس في حالة سباق لإنهاء المناهج وأولياء الأمور في حالة قلق والطلاب المنسيون في حالة ضغط نفسي وجسماني من عبء اليوم الدراسي وتكدس الواجبات المنزلية فوق رؤوسهم...السؤال الذي يطرح نفسه الآن وماذا بعد؟! ماذا لو اضطرت الوزارة لإغلاق المدارس واللجوء للتعليم عن بُعد؟ (هو احنا عارفين نتعلم عن قُرب علشان نتعلم عن بُعد)!!... أما الفصول التي تم إغلاقها أسبوعين فكيف سيلحق الطلاب فيها بزملائهم وهم يأخذون درسين وثلاثة في اليوم الواحد؟!... بعيدا عن المرض وبعيدا عن هذه السنة غير المحددة الملامح دعونا نتساءل كيف يتم التعامل في الظروف العادية مع مناهج يتم تغييرها لتعقيدها سنويا وإليكم نموذج منها: من البديهي أن تكون نسبة الماء علي سطح الكرة الأرضية 71% ولكن ليس من المعقول أن تكون النسبة 71% في منهج اللغة العربية بالرغم من كونها 77% في منهج العلوم لنفس العام الدراسي.. وعلي المتضرر اللجوء للقضاء!! من الوارد أن يكتظ منهج اللغة العربية بمعاني كلمات علي وزن تقوقز القوقاز متقوقزا... وتعبيرات جمالية ليس بها أي ملمح من الجمال، ودروس تتناول قصة حياة حيوان الغُرير وطائر الصداح اللهم حيث أن قصتهما سوف يكون لها مدلول في حل مشكلة الشرق الأوسط!!...فهل هذه مؤامرة لجعل الأطفال يُعرضون عن اللغة التي وُصفت يوما بأنها لغتنا العربية الجميلة؟!. من المحتمل أن تكون المسألة التالية ضمن منهج يُدرس لطفل في التاسعة من عمره في حالة واحدة فقط إذا كانت الإدارة التعليمية في مصر قررت استيراد عقول بإمكانات فيثاغورثية تصنيع يوناني وتجميع مصري من أجل استيعاب هذا السؤال: (أوجد عددا ينحصر بين 50-100 يتكون من أربعة أرقام وعلامة عشرية بحيث يحقق الشروط الآتية معا: - رقم العشرات له ضعف رقم الأجزاء من مائة - رقم الآحاد له ثلاثة أمثال رقم الأجزاء من مائة - رقم الأجزاء من عشرة له ثلث رقم عشراته)!!... إنها ليست فزورة ولكنني أعتقد أنها أقرب إلي اللغز الذي قد يكون حله الوحيد في يد المفتش كرومبو ومساعده سحس بمب!!. من المستحيل أن نطلب من طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره أن يفهم معني الجملة الآتية:(تنتقل الطاقة الغذائية من كائن إلي آخر عقب ما يسمي بالسلسلة الغذائية، كما تُعتبر النباتات كائنات منتجة لأنها تقوم بعملية التمثيل الضوئي، أما الكائنات التي تأكل النباتات فهي مستهلكة والمستهلكون الذين يأكلون الكائنات الحية يطلق عليهم الكائنات الكاسحة أو المساحة ثم أخيرا يأتي دور المحللات )!!! إلا إذا كان استنساخ إسحاق نيوتن آخر هو مهمة وزارة التربية والتعليم في مصر هذه الأيام!! من المُضحك أن تستطيع طفلة في التاسعة من عمرها أن تحاول إيجاد طريقة لحفظ ما حشرته الوزارة في منهج الدراسات الاجتماعية من معلومات لا أهمية لها فتقرر أن تتبع طريقة الكُتاب ويتفتق ذهنها إلي اختراع جملة موسيقية تقول: إن الفوسفات كلمة تتناغم مع كلمة (hat) وhat معناها طرطور إذن فالفوسفات يُستخرج من أبوطرطور!!.. وحيث أن شر البلية ما يُضحك فالمنهج أيضا يخاطب هؤلاء الأطفال بجمل مثل: ( المجالس التشريعية هي المجالس التي تتولي وضع القوانين مثل مجلس الشعب) ويطرح عليهم أسئلة علي شاكلة (هل تعتقد أن التأثيرات التالية للإنسان علي البيئة سلبية أم إيجابية 1- استصلاح الأراضي الصحراوية... 2-التوسع في استخدام الأسمدة والكيماويات)!!! أيها السادة لقد تفتق ذهن وزارة التربية والتعليم في بداية العام الماضي عن خطة عبقرية لتطوير التعليم وبدأت الفكرة بتغيير كلي لمنهج الصف الرابع الإبتدائي وبالتالي فتغيير كل السنوات التالية تأتي بالتبعية.. وهاهي النتيجة المتوقعة..عدنا من حيث بدأنا وربما عدنا من حيث لم نبدأ!!.. ما عرضته عليكم هو فقط بعض المقتطفات من المنهج الذي تم تطويره ويقال إنه تم اقتباسه من مناهج الصفوف الإعدادية وما خفي كان أعظم!!... أعلم تماما أن الأطفال جميعا سوف ينجحون بجدارة وسيكون هناك مجاميع تقارب ال99.9% في اختبارات نهاية العام لسببين أولهما أن الطفل المصري أصبح آلة ذات قدرة فائقة علي الصم وثانيهما لأن نظام التقويم الشامل الذي تم إقحامه علينا فجأة دون سبب واضح ساوي بين الأطفال جميعا وأهدر مجهود الطفل المتفوق فأصبح الحكم عليهم من منظور وهمي لا وجود له...لا وجه للاعتراض لدي علي الإطلاق إذا كان أي تطوير للتعليم سوف تواكبه صحوة يكون لها أدني دور إيجابي في رفعة شأن هذا البلد، إنه مجرد وقت ومجهود وأموال راحت مثل هنادي في الوبا... انهارت الأسر واكتأبت الأطفال وأصبحت الحصيلة لما يدرسونه صفراً. إن الأنفلونزا مرحلة بمشيئة الله سوف تنتهي علي خير ولكن سيبقي وباء التعليم جاثما علي الأنفاس مستهلكا أعصاب أولياء الأمور والتلاميذ معا...إنه يحتاج بحق إلي إعادة تفكير ورؤية بصيرة وليكن السؤال الأول الذي نطرحه علي أنفسنا هو: هل نتعلم لننجح أم نتعلم من أجل أن نمنح مصر شبابا قادرا علي التغيير والتطوير؟!. في اعتقادي الشخصي أن التطوير الحقيقي للتعليم لن ينجح أبدا بهذه الطريقة التي تقوم علي طريقة التوافيق والتباديل بين مناهج الصفوف المختلفة ولكنه سوف ينجح حين ننسف هذه المناهج العقيمة من جذورها ونبحث عن دولة وضعت نظاما فأثبت نجاحه ثم نقتبسه كما هو دون تعديل أو إضافات من مجموعة العقول المستنيرة المسئولة عن وضع المناهج..التغييرلابد أن يبدأ بمرحلة الرياض الأولي وليس بالصف الرابع الإبتدائي..هذا وإلا سوف يظل التعليم أبدا مستندا إلي قول الفنان الساخر أحمد حلمي: "أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألني الغواص عن علي؟" وسيظل السؤال الذي يُحيرنا.. هل هو الغواص أم الغطاس؟! وعجبي...