روايال ثارت بشدة لان المجلة "جرحت" خصوصيتها وتدخلت بغير حق في علاقة المرأة بربها واعتبرت نشر صورة لها وهي تصلي انتهاكا لخصوصيتها ثارت سيجولين روايال المرشحة ضد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.. فلماذا ثارت السيدة روايال إلي حد اقامة دعوي ضد مجلة "باري ماتش" الشهيرة؟ ببساطة قد تبدو ضربا من الجنون بالنسبة لكثيرين في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، لأن المجلة نشرت لسيجولين روايال صورة وهي تصلي في إحدي الكنائس الايطالية لدي زيارتها لروما.. وقد ارادت باري ماتش استثمار "صورة الصلاة" دليلا علي عدم صدق مرشحة الرئاسة السابقة التي تؤيد الدولة العلمانية.. ولكن سيجولين روايال ثارت بشدة لان المجلة "جرحت" خصوصيتها وتدخلت بغير حق في علاقة المرأة بربها واعتبرت نشر صورة لها وهي تصلي انتهاكا لخصوصيتها وقد ربحت روايال الدعوي وحكمت لها المحكمة بتعويض مالي وأشارت في حيثياتها إلي قدسية احترام الحياة الخاصة للبشر وإلي ان الدولة العلمانية هي دولة المواطنة واحترام حقوق ابناء الوطن الواحد دونما تمييز بسبب عرق أو دين.. والدولة العلمانية لا يعني تأييد الاخذ بها عدم الصلاة أو التوجه إلي السماء في كل الاحوال والأمور، بمعني آخر ان الدين لا يتناقض مع الدولة العلمانية، المطلوب فقط ان يبتعد رجال الدين عن الحكم حتي لا تعود كوابيس محاكم التفتيش الظلامية والتي عانت منها أوروبا عامة وفرنسا من ضمن دولها بالطبع.. وأصبح دور الحكومة أو الدولة يقتصر علي إدارة شئون المواطنين بما يعود عليهم بأقصي نفع ممكن من خدمات وحقوق وإعلاء مكانة الوطن.. حكومة تقدم كشفا بما حققته ويحاسبها المواطنون عبر صناديق الاقتراع وليس العكس أي حكومة تحاسب المواطن في أدق خصوصياته وتفتش في ضميره وتلقي في وجهه بتهمة الكفر إذا ما تجاسر وطلب معرفة مصيره ومصير أبنائه وحظهم في المستقبل بناء علي حاضره الذي تصنعه الحكومة علي مزاجها.. ونعود إلي قضية روايال التي ساقت في عريضة دعواها انه لا يجوز للمجلة ان تطلع القراء علي شأن حميم وانها لا تصلي "استعراض"اً.. بل هي كانت في لحظة خشوع ليس لمخلوق حق تعكيرها.. وقد قرأت الخبر أكثر من مرة ودفعني إلي التأمل في أحوالنا وقد تحول "التدين" إلي شأن عام.. فنحن لا يفوت علينا يوم إلا ونقرأ في أماكن بارزة من الصحف اخبار اتقياء وورعين ومؤدي صلاة وزكاة وكل الصفات الحميدة والنوايا بالعمرة أو الحج إلي آخر ما يمكن الاعلان عنه حتي "يقتنع" القراء أوالمشاهدون بأن صاحب الصورة أو الخبر من أولياء الله الصالحين! والأدهي ان هذا "التكنيك" يحقق المنشود منه وعلي رأس المزايا.. ألا يفكر أحد فيما وراء الصورة وألا يُسأل "بطل" الخبر عن سلوكه أو عمله.. بمعني آخر اصبحت "المظاهر" أهم ما يشغلنا تماما كما يشغلنا ان تصل "الصورة الرسالة" أو "الخبر الرسالة" إلي الجماهير لأنهم وحدهم المخاطبون بتفاصيل "خصوصية"؟! العلاقة بين العبد وخالقه.. تصوروا لو أن صحيفة أو مجلة نشرت صورة مثل تلك التي نشرت لروايال وهي تصلي وقام صاحب أو صاحبة الصورة برفع دعوي "لانتهاك خصوصية العلاقة الإيمانية والتي هي ليست للاستعراض ولا هي موجهة لعامة الناس!" طبعاً كان الجميع خاصة بعد تطورات العقود الأربعة الأخيرة سيطالب بوضع رافع الدعوي في مستشفي الأمراض العقلية. لأن من عاني من تفشي ثقافة المظاهر والتي تكون معظمها كاذبة.. هو تحديدا العقل العربي!