في الأسبوع الماضي أفصحت الإدارة الأمريكية عن الظروف والملابسات التي أحاطت بالضربة الجوية التي نفذها الطيران الإسرائيلي _ منذ سبعة أشهر - داخل الأراضي السورية وقامت خلالها بتدمير احد المواقع التي أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخرا انها كانت باكورة تطوير برنامج نووي عسكري تنفذه سوريا بالتعاون مع كوريا الشمالية. وطرحت وسائل الإعلام الأمريكي العديد من علامات الاستفهام حول الأسباب التي جعلت الإدارة تنتظر كل هذه المدة قبل أن تفصح عن هذه المعلومات ، هل بالفعل كان الموقع الذي دمرته قوات الجو الإسرائيلية موقعا لإنتاج الأسلحة النووية؟ وعن الحدود التي وصل إليها التعاون السوري الكوري الشمال في هذا الشأن. منشأة نووية أم موقع للأغراض المدنية؟ وقد ألقي برنامج CNN Late Edition الذي يقدمه وولف بليتزر Wolf Blitzer الضوء علي عدد من هذه الأسئلة. وقد تساءل بليتزر Blitzer عن مدي صحة المعلومات التي ساقتها الإدارة الأمريكية لتبرير المعلومات الخاصة بما تدعيه بشروع سوريا في بناء برنامج نووي عسكري، وبالتالي تبرير قيام إسرائيل بضربة استباقية ضد هذا البرنامج. وفي هذا السياق أشار السيناتور فاين ستاين Feinstein الذي حضر جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة المختصة بشئون المخابرات من المجلسين النواب والشيوخ إلي أن هذه المعلومات جاءت بناء علي تحليل قدمه عدد من الشخصيات الهامة مثل الأدميرال ماكونيل McConnell والجنرال هايدن Hayden ومستشار الأمن القومي ، والذين بدورهم أكدوا علي أن هذه المنشاة - التي تم تدميرها من قبل سلاح الجو الإسرائيلي - لم تكن البته مخصصة للأغراض المدنية وإنما كان الهدف منها هو تطوير برنامج نووي عسكري. ولكن في نفس الوقت أعرب السيناتور عن دهشته الكبيرة لعدم قيام الإدارة الأمريكية بنقل هذه المعلومات إلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، أيضا التوقيت لأن الإدارة أعلنت عن هذه المعلومات في الوقت التي تشير إليه الكثير من الدلائل إلي بداية عملية تفاوض بين إسرائيل وسوريا من اجل إقرار اتفاقية سلام فيما بينهم. بالإضافة إلي ذلك أكد فاين ستاين Feinstein أنهم بالفعل يعتقدون أن الموقع الذي تم قصفه كان مخصصا لأغراض تطوير برنامج نووي عسكري اعتمادا علي المعلومات والصور التي قدمتها وكالة المخابرات المركزيةCIA . أزمة مصداقية تعاني منها الإدارة ومن ناحية أخري أشار بليتزر Blitzer إلي أزمة المصداقية التي تعاني منها الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس الأمريكي جورج بوش George Bush خصوصا بعد المعلومات المغلوطة التي قدمها وزير خارجيته الأسبق كولن باول Colin Powell حول الأسلحة النووية العراقية ، والتي قدمها إلي مجلس الأمن من اجل الحصول علي قرار من المجلس باستخدام القوة المسلحة لنزع السلاح العراقي. وقد لفت السيناتور الجمهوري هوكسترا Hoekstra _ موجه لجنة شئون المخابرات في مجلس النواب _ إلي انه يعتقد في صحة هذه المعلومات لان جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة قد استغرقت وقتا طويلا وكانت الفرصة مواتية لجميع أعضائها لاستقصاء الحقيقة ، ولكنه في نفس الوقت أكد انه بدلا من سؤال المصداقية هذا فان هناك عددا من الأسئلة الأخري التي يجب طرحها في هذا الصدد من قبيل من قام بتمويل هذا البرنامج لسوريا؟ خصوصا أن هذا النوع من البرامج النووية المخصص للأغراض العسكرية يحتاج إلي تمويل كبير، وإلي أي مدي وصل التعاون بين كوريا الشمالية وسوريا في هذا المجال؟ وهل قامت كوريا الشمالية بمثل هذه الأنشطة الخاصة بالانتشار النووي في أماكن أخري من العالم؟ الإدارة ومشكلة التوقيت المناسب وعن التوقيت الذي قامت فيه الإدارة الأمريكية بالإفصاح عن هذه المعلومات لفت السيناتور فاينشتاين Feinstein إلي أن هناك عددا من الرسائل التي أرادت الإدارة الأمريكية توصيلها ولكنها غير مفهومة في هذا التوقيت بالذات سواء بالنسبة للمفاوضات الجارية مع كوريا الشمالية بخصوص وقف أنشطتها النووية ، وأيضا بالنسبة لمسار المفاوضات المحتملة بين سوريا وإسرائيل بخصوص عملية السلام بين البلدين، وبالتالي لو كان التعامل مع هذه المعلومات التي حصلت عليها المخابرات في حينها وبصورة علنية فان أشياء كثيرة كانت ستتم بصورة صحيحة، مثلا المفاوضات مع كوريا الشمالية كان يمكن أن تحقق مزيدا من النجاح ، وسوريا كان يمكن أن توضع في موقف يجعلها أكثر مرونة في التعامل مع عملية السلام مع الدولة الإسرائيلية. الأكثر من ذلك أن الإفصاح عن هذه المعلومات في هذا التوقيت وأمام الكونجرس الأمريكي سوف يجعل الإدارة الأمريكية تواجه عقبات كثيرة في الحصول علي موافقة الكونجرس علي تقديم المزيد من المساعدات لكوريا الشمالية من اجل نزع أسلحتها النووية. الضربة الجوية: تصرف صحيح أم خطأ استراتيجي؟ وعن مدي صحة التصرف الذي قامت به إسرائيل بقيامها بتوجيه ضربة وقائية ضد هذا المشروع النووي المحتمل لسوريا ، أكد السيناتور هوكسترا Hoekstra أن برنامجا نوويا عسكريا تقوم به سوريا في منطقة مليئة بالصراعات مثل الشرق الأوسط سوف يكون عامل عدم استقرار هناك ، وبالتالي فإن ما قامت به إسرائيل هو عمل صحيح تماما. أما السيناتور فاين ستاين Feinstein فقد لفت الانتباه إلي انه لا يمكن لإسرائيل أن تقبل وجود أسلحة نووية لدي دولة تحمل توجهات عدائية ضدها ، ولذلك فانه من المنطقي أن تقوم بتقويض الجهود السورية لامتلاك السلاح النووي. هيلاري أوباما أيهما الأفضل؟ هذه الأزمة التي أثارتها المعلومات التي أفصحت عنها الإدارة الأمريكية أثارت عدة أسئلة أخري لها علاقة وثيقة بالانتخابات الرئاسية والصراع المحتدم في الوقت الحالي داخل الحزب الديمقراطي بين السيناتور باراك أوباما Barack Obama والسيناتور هيلاري كلينتون Hillary Clinton ، خصوصا أيهما أقدر علي الاضطلاع بمهام ومسئوليات السياسة الخارجية المعقدة مثل هذه الأزمة. وهنا استضاف بليتزر Blitzer اثنين من مستشاري السياسة الخارجية لكلا المرشحين الديمقراطيين واللذين عملا في الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون Bill Clinton ، فمن جانبها أشارت سوزان رايس Susan Rice مستشار السياسة الخارجية لأوباما Obama ، إلي أنه لو كان الرئيس الأمريكي ووصلت إليه هذه المعلومات التي تفيد بمحاولة سوريا امتلاك السلاح النووي ، وبالتالي تهديدها لأمن دولة إسرائيل فان الرئيس أوباما Obama سيعتبره تهديد للولايات المتحدة ذاتها ، ولكن المشكلة الأكبر هي التعامل بصورة خاطئة مع كوريا الشمالية التي مكنت سوريا من البدء في بناء برنامجها النووي. أما جايمي روبن Jamie Rubin مستشار كلينتون Clintonللسياسة الخارجية الذي أشار إلي أن الولايات تحت قيادة هيلاري كلينتون Hillary Clinton سوف تتعامل مع مشكلة الانتشار النووي بصورة شاملة تعطي للعالم انطباعا بان الولاياتالمتحدة سوف تستخدم الأسلوب التفاوضي للتعامل مع هذه المشكلة أولا قبل طرح أي خيارات أخري. مزيد من الضغوط علي الأطراف المعنية أما روبن رايت Robin Wright فقد كتبت لصحيفة الواشنطن بوست مؤكدة علي أن الإدارة الأمريكية هدفت من كشف هذه المعلومات - بعد هذه الفترة الطويلة علي الغارة الإسرائيلية - إلي الضغط علي كل من سوريا وكوريا الشمالية من اجل الاعتراف بالتعاون فيما بينهم في المجالات النووية ، حيث تدعي الإدارة الأمريكية أن كوريا الشمالية كانت تساعد سوريا في إنشاء مفاعل نووي يمكنها من إنتاج البلوتونيوم اللازم لإنتاج الأسلحة النووية. وأشارت الكاتبة إلي أن مسئولي المخابرات أكدوا لأعضاء الكونجرس أن الإدارة تعتقد أن هناك تعاونا سريا بين كوريا الشمالية وسوريا بدأ منذ عام 1997 ولكنهم كانوا غير متأكدين من أهداف هذا التعاون ، حيث زار احد المسئولين الكبار في المجال النووي في كوريا الشمالية سوريا مرات كثيرة قبل أن تشرع سوريا في بناء الموقع _ الذي قامت إسرائيل بتدميره _ في مكان نائ علي ضفة نهر الفرات. وكان الخبراء يعتقدوا حتي فترة قريبة أن هذه المنشأة مخصصة لأغراض إنتاج الطاقة ولكن الصور التي تمت التقاطها لهذه المنشأة أظهرت أنها تشبه إلي حد كبير احدي المنشآت النووية الموجود في بيونج يانج _ عاصمة كوريا الشمالية _ والمخصصة لإنتاج البلوتونيوم. ولكن رايت Wright لفتت الانتباه إلي أن احد مسئولي الإدارة الأمريكية أكد علي أن درجة ثقة خبراء وكالة المخابرات الأمريكية CIA في المعلومات لم تكن كبيرة جدا ، حيث انه تنقصه المكونات الأساسية اللازم توافرها في المواقع النووية ومن أهمها منشآت إعادة معالجة اليورانيوم، والتي تعتبر احد أهم المراحل في عملية إنتاج السلاح النووي ، ولكن الإدارة الأمريكية بنت تخميناتها الخاصة بإمكانية أن يكون هذا الموقع قد تم تخصيصه لإنتاج الأسلحة النووية علي عامل السرية التامة التي أحاطتها القيادة السورية بهذا المشروع ، وبالتالي أكدوا علي أن مجرد إحاطة الموقع وما يتم فيه أنشطة مختلفة بالسرية وبعيدا عن الرقابة الدولية يمثل انتهاكا صارخا للالتزامات التي تفرضها معاهدة حظر الانتشار النووي NPT ، وبعد الضربة الجوية التي قامت بها إسرائيل ضد الموقع - المزعوم انه كان مخصصا للأغراض النووية - قامت السلطات السورية بتدمير باقي أجزاء الموقع والمعدات التي تظهر الأنشطة النووية التي كانت تقوم بها. ثورة في الكونجرس أما في الكونجرس فقد أكدت رايت Wright أن أعضاء الكونجرس عبروا عن غضبهم الشديد لان الإدارة الأمريكية والمخابرات لم يطلعوهم علي هذه المعلومات من البداية ، الأمر الذي دفع رئيس لجنة المخابرات إلي مهاجمة اتجاه الإدارة الأمريكية في عدم الكشف عن هذه المعلومات وإحاطتها بحاجز من السرية مما يعيق قدرة الكونجرس واللجنة المختصة علي مراقبة عمل هذه الأجهزة ومحاسبتها علي أي أخطاء ترتكب ، وبالتالي فان مثل هذا الاتجاه _ بالنسبة لرايت Wright - يضر بالعلاقة بين الكونجرس والبيت الأبيض ويهدد إمكانية وجود أي تعاون بينهما في المستقبل. ماذا أرادت الإدارة..؟ أما برنامج All Things Considered الذي يبثه راديو NPR فقد قدم تقريرا أعده مراسل الشئون الدبلوماسية والعسكرية توم ججالتين Tom Gjelten حيث أكد انه بكشف مسئولي المخابرات عن هذه المعلومات المتعلقة ببرنامج نووي سوري أرادوا التأكيد علي ثلاث نقاط أساسية ، أولها أن هذه المنشأة التي تمت مهاجمتها مخصصة لإنتاج البلوتونيوم ، ثانيا أن هذا المفاعل قامت سوريا ببنائه بمساعدة فنية من كوريا الشمالية وانه تم تصميمه علي غرار المنشآت النووية الموجودة فيها ، أن الهدف السوري من ذلك هو توفير المكونات الأساسية التي تمكنها من إنتاج السلاح النووي من ناحية ثالثة. وعن السبب الذي جعل الإدارة الأمريكية ترفض الإفصاح عن هذه المعلومات طوال هذا الفترة منذ أن هاجمت إسرائيل هذه المنشآة أن الإدارة الأمريكية خافت من رد الفعل السوري علي هذه الضربة وتقوم بمهاجمة إسرائيل عسكريا انتقاما منها، الأمر الذي كان سيؤدي إلي احتمال اندلاع حرب إقليمية.