في الشرق الأوسط، مهد ميلاد علم الجبر، هناك نوع جديد من الطرح بواسطة الجمع. وإن سألتني: كيف ذلك؟ فها هي الإجابة: عليك إضافة مزيد من الرحلات المكوكية لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلي المنطقة، دون أن تحمل معها أية استراتيجية واضحة متماسكة الأهداف والمعالم، إلي مبادرة السلام السعودية الخالية من العواطف، والتي تم تقديمها مجدداً لإسرائيل. ثم اخلطْ كل ذلك مع اتفاق إطلاق النار اليائس بين فصيلي "فتح" و"حماس" المتنازعين من جهة، وتراجع شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، التي بلغت أدني معدلاتها، وستلاحظ عندها أن "طرحاً" رياضياً قد حدث، وأن تراجعاً قد تم في عملية السلام هذه، وأننا عدنا القهقري إلي ما قبل اتفاقات "أوسلو". ووحدهم السيئون هم الذين يكتبون تاريخ الشرق الأوسط اليوم. وهم وحدهم الذين يتمتعون بالعزم والخيال، في حين يهنأ المعتدلون العرب والفلسطينيون، بالجلوس المريح علي مقاعد الفرجة، في حين لم يكن قادتهم من الضعف علي ما هم عليه اليوم، ولم تكن أمريكا بقدر عجزها اليوم عن رسم إطار محدد وواضح للأهداف، وحثهم علي العمل من أجل السلام. كان الواجب علي أمريكا أن يكون أداؤها أفضل مما هو عليه الآن. فقبل نحو سبع سنوات، كان الرئيس السابق بيل كلينتون، قد وضع ما أسماه "خطة كلينتون" للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكانت تلك هي المرة الأولي التي تضع فيها الولاياتالمتحدةالأمريكية خطة تفصيلية خاصة بها، لصفقة سلام عادلة ومنصفة بين طرفي النزاع. ودعت الخطة إسرائيل إلي التنازل عن نسبة 95% من الأراضي التي احتلتها في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، حتي يتمكن اللاجئون الفلسطينيون من العودة إلي أراضيهم وليس إلي إسرائيل. وفي المقابل دعت الخطة نفسها إلي الإبقاء علي المستوطنات الإسرائيلية الأكثر كثافة سكانية، حول كل من تل أبيب والقدس، مع إزالة بقية المستوطنات الأخري، شريطة تعويض الفلسطينيين عن هذه الأراضي بمساحات وأراضٍ أخري، وغيرها من الترتيبات المشتركة التي يتفق عليها الطرفان. وعلي رغم رفض الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لتلك الخطة من جانبه، في حين لم يرحب بها الإسرائيليون مطلقاً، إلا إن ذلك لا ينفي أبداً حقيقة كون تلك الخطة، الإطار الواقعي العملي الوحيد للتسوية السلمية للنزاع، الذي وضعته أمريكا. وكان قرار طاقم إدارة جورج بوش الابن، وضع تلك الخطة في الرف جانباً، طالما أن الفلسطينيين لم يقبلوها. غير أن إدارة بوش نفسها، آثرت النأي والفرجة علي مسار الدبلوماسية العربية- الإسرائيلية، علي امتداد السنوات الست الماضية، بدلاً من أن تشق أي طريق خاص بها في ذلك المسار الدبلوماسي. هكذا وبدلاً من أن تؤكد واشنطن لطرفي النزاع باستمرار، أن خطة كلينتون لا تزال الأساس الوحيد الكفيل بتمكينهما من التوصل إلي إبرام صفقة سلام بينهما، وأن الدبلوماسية الأمريكية ستكرس كل ما بوسعها، لوضع سياق تعاوني بين الطرفين، بما يفضي إلي تحقيق تلك الخطة، بمساعدة فريق دبلوماسي أمريكي، إذا بإدارة بوش تصم أذنيها وتكتفي بهذه الزيارات المتقطعة لوزيرة خارجيتها "كوندي"، دون أن تهدف إلي ما هو أبعد من إبرام اتفاقات وقف إطلاق النار، أو لمجرد اجترار الحديث عن المحادثات... وما أكثرها: "خطة ميتشل"، "الرباعية الدولية"، "مهمة أنطوني زيني"، "خطة تينيت"، "خريطة الطريق"، ثم اثنين زائد أربعة، زائد أربعة.. إلي آخر المتوالية العددية، حتي تصل بنا في نهاية الأمر إلي خطة ستة زائد اثنين! وكما قال "دنيس روس"، المبعوث الخاص لإدارة كلينتون في الشرق الأوسط، فإن في وسع كل من شاء من أفراد طاقم بوش، أن يهزأ بخطة كلينتون كما أراد. ولكن تبقي الحقيقة، أن عدد القتلي خلال النزاعات الدموية الأربعة التي نشبت في عهد الفرجة الدبلوماسية لإدارة بوش، بين الأعوام 2001 وحتي 2005 لا يمكن مقارنته علي الإطلاق بذلك العدد المنسوب لسنوات الدبلوماسية الأمريكية النشطة في المنطقة، وهي الدبلوماسية التي هيمنت عليها خطط ومبادرات الرئيس كلينتون، الممتدة من مدريد إلي أوسلو، طوال الأعوام من 1991 وحتي عام 2000. ولو تمسك فريق بوش- رايس بتلك الخطة، لتبين له أنها صيغة السلام الوحيدة المقبولة والعملية. "لكن من أسف أن فلسفة بوش كلها، قد بنيت علي مقولة أبجدية مفادها: كل شيء ولا كلينتون" علي حد قول "جيدي جرنشتاين"، رئيس "معهد ريوت" الذي يعد أرفع المنظمات الاستراتيجية الإسرائيلية. "وبسبب عدم أخذ هذه الإدارة بخطة كلينتون تلك، فها نحن اليوم، أمام خيارات أسوأ منها بكثير". والشيء الوحيد المطروح الآن علي الطاولة، هو إعادة تدشين مبادرة السلام السعودية التي تعرض علي إسرائيل اعترافاً عربياً كاملاً بها، مقابل انسحابها من كافة الأراضي الفلسطينية التي احتلتها، والتسوية العادلة للنزاع بينها وبين الفلسطينيين. ثم هناك أيضاً، اتفاقات مكة للسلام، بين "حماس" و"فتح". وإذا ما قرأ المرء نصوص تلك الاتفاقات، كما يقول "دنيس روس"، فإن ذكر إسرائيل لا يأتي فيها إلا من باب النعت لا الاسم، ولا يرد لها ذكر إلا بإلصاقها بمترادفات من شاكلة "الاحتلال" و"العدوان" وكأنها ليست دولة قائمة وذات سيادة وكيان! وهذا هو ما يحدث عادة، ما أن تغيب أمريكا وتخلي الساحة للآخرين، حتي يسارعوا إلي ملء ذلك الفراغ، بخطط وأجندات سلام، تلبي حاجاتهم ومتطلباتهم هم في المقام الأول، قبل أن تلبي حاجة المنطقة إلي السلام!