في العصور القديمة كان أباطرة الصين يسمونها " المملكة الوسطي"، وكان معني ذلك أنها المكان الذي يدور حوله العالم ليس بالمعني الجغرافي للكلمة، ولكن بالمعني الحضاري والسياسي وحتي العسكري كذلك. وعندما كانت الإمبراطورية العربية الإسلامية في عصرها الذهبي العباسي قال الخليفة هارون الرشيد للسحابة: اذهبي حيث شئت فسوف يأتيني خراجك. وفيما بعد عندما امتدت الإمبراطورية البريطانية حتي باتت الشمس لا تغرب عنها، كان من حق لندن أن تنسب العالم إلي مكانها في شمال غرب أوروبا فتصف مكانا بأنه الشرق الأدني، ومكانا آخر بأنه الشرق الأقصي، وما بينهما وصفته بأنه " الشرق الأوسط". ومن ذهب إلي الولاياتالمتحدة وشاهد خرائطها المنتشرة في المدارس والمطارات سوف يجد قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية في منتصف الخارطة بينما توجد بقية القارات علي يمينها وشمالها. وببساطة فإن كل إمبراطورية في التاريخ اعتبرت نفسها مركزا للكون المعلوم، وتدور حولها بقية الدنيا سياسيا وحضاريا. ولكن واقع الدنيا الجغرافي كان مختلفا، فالأرض كانت كروية لا يوجد لها منتصف ولا مركز، وشعوب العالم كانت متعددة الثقافات والحضارات، وعندما تقدمت العصور كان كل ذلك قد انقسم إلي دول لها حدود وجيوش. ومن الناحية العملية الإنتاجية كان العالم منقسما إلي مناطق مختلفة حيث خطوط الطول والعرض حيث تشرق الشمس علي بعضها في اللحظة التي تغيب عن بعضها الآخر، وحسب بعدها عن خط الاستواء تكونت الظروف المناخية للسلع والمحاصيل. وجاءت العولمة لا لكي تضع نهاية للتاريخ، وإنما تضع نهاية، أو علي الأقل من تأثيرات الجغرافيا التي فرضت علي العالم أن ينام نصفه في الوقت الذي يستيقظ فيه النصف الآخر. وجاء تغيير الجغرافيا من خلال التكامل في العملية الإنتاجية بين شرق الدنيا وغربها حيث وجدت مستشفيات أمريكا الكبري أنها تستطيع أن تصل الليل بالنهار عندما ترسل نتائج الاختبارات الطبية والأشعة إلي الهند حيث يتم تحليلها أثناء الليل الأمريكي وتعود مرة أخري قبل أن يستيقظ المريض من نومه. وبهذه الطريقة وجدت شركات أمريكا وأوروبا الكبري أنها تستطيع أن تستخدم جيوشا من المحاسبين والمحللين علي مدي الأربع والعشرين ساعة في اليوم، ولمدة سبعة أيام في الأسبوع، وخلال 365 يوما في العام دون توقف بسبب الليل والنهار، والبرد والحر، وفوق ذلك كله بأسعار رخيصة للغاية لا تزيد علي خمس سعر الأمريكي والأوروبي في الشهر الواحد. ومع تعمق العولمة لم تعد المسألة تتوقف علي المستشفيات أو شركات الطيران وإنما امتدت إلي مراكز الاتصالات وحتي وكالات الأنباء. وكانت أكثر الدول التي استفادت من هذه الظاهرة الهند التي كانت لديها جيوش من المتعلمين الذين كانوا يحلمون بالذهاب إلي أمريكا فجاءت أمريكا ومعها أوروبا إليهم وأعطتهم فرصة للعمل المجزي جدا بينما يبقون وسط مناخهم الثقافي والحضاري. ولكن الميزة الرئيسية للهند لم تكن جيوش المتعلمين فقط وإنما حقيقة الجغرافيا التي جعلتها في نهار اليوم الذي وصل ليلة إلي نصف العالم الغربي. وبعد ذلك جاء الاستعداد الهندي بالبنية التكنولوجية والاتصالية التي تجعلها مرتبطة علي مدار الساعة بالكون كله تحسب له، وتحلل له، وتقدم له الخدمة بأرخص الأسعار. وكما أسلفنا كان هناك الانفتاح الهندي علي العالم لكي تحتضن الشركات العالمية لكي تحصل منها علي التكنولوجيا والتدريب والأجور العالية بالمعايير الهندية. والمدهش في الموضوع أن الشركات الأمريكية والأوروبية التي اعتمدت علي الهنود لم تطرد موظفيها الأمريكيين والأوروبيين وإنما شغلت المزيد منهم لأنها كانت قادرة علي إعادة توظيف هؤلاء في مجالات جديدة. كل هذه المعلومات وردت في كتاب توماس فريدمان "الأرض المسطحة " The world Is Flat" والذي لم يكن يناقض فيه أن الأرض كروية وإنما أن انتهاء التقسيم بين الليل والنهار بالنسبة للعملية الإنتاجية في العالم قد جعل الأرض عمليا "مسطحة". وإذا كان ذلك صحيحا فربما آن الأوان لكي نعيد الاعتبار لجغرافية مصر والتي اصطلحنا علي تسميتها "عبقرية المكان" لأنها تقع علي ثلاث قارات، واعتبرها البعض علي ثلاث بوابات للتجارة، والبعض الآخر علي ثلاثة منافذ للحضارة، والبعض الثالث قال بذلك علي أساس قدرة التأثير في دائرة واسعة من الدول والأمم. ولكن ربما كانت رؤية جمال حمدان لعبقرية المكان محدودة للغاية لأنها ارتبطت بتوسط ثلاث قارات، فالحقيقة هي أن مصر تقع في منتصف العالم "المسطح" وهي نقطة الوصل ما بين الغروب علي شرق الدنيا والشروق علي غربها. ويبلغ فارق الساعات بين مصر والصين سبع ساعات وهو نفس الفارق بينها وبين شرق الولاياتالمتحدةالأمريكية، ويزيد الفارق زيادة في الشرق ونقصان في الغرب إلي تسع ساعات إذا ما مددنا البصر غربا إلي طوكيو وغربا إلي لوس انجلوس. هنا، وبتعبيرات القرن الواحد والعشرين فإن مصر تمثل المملكة الوسطي للعالم كله فتكون نقطة الوصل والاتصال، ومكان المرور والعبور بين عالمين يشكل كلاهما أكثر من 80% من الناتج الإجمالي العالمي. وفي يوم من الأيام كانت مصر تستغل موقعها لأغراض جيوبوليتيكية، وفي أيام أخري استغلته لأغراض تجارية قبل وبعد حفر قناة السويس، وفي هذه الأيام فإن أمامها فرصة جديدة أكثر اتساعا، وأعمق تأثيرا، إذا ما عرفنا كيف نستغلها ونستخدمها، وكل ما نحتاجه هو أن نتعلم من الهند ونفعل ما فعلته دون زيادة أو نقصان في العمل والإنتاج والديمقراطية بالطبع ! [email protected]