في كل تاريخ الولاياتالمتحدة، ما كان المواطنون الأمريكيون يأبهون للسياسة الخارجية. فقد كنا وما نزال محميين بمحيطين. ثم إن الفكرة القائلة بالأمة الاستثنائية عنت من ضمن ما عنت أننا نحن الأمريكيين نقع خارج خصومات العالم القديم أيضاً. وحتي في السنوات السابقة علي الحربين الأولي والثانية؛ فإن الناخبين الأمريكيين كانوا مهتمين بالابتعاد عن الحروب الخارجية، أكثر من اهتمامهم بمعرفة أسباب تلك الحروب. وخلال السنوات الثلاثين السابقة أوصل الأمريكيون غالباً للبيت الأبيض رؤساء كانوا حكّام ولايات من قبل، وحكّام الولايات لا يملكون في العادة خبرة في السياسة الخارجية. وكان المرشحون للرئاسة يملكون دائماً سياسات تفصيلية في الضرائب والشئون الاجتماعية والصحية؛ فماذا إذا لم يعرفوا اسم رئيس وزراء ماليزيا؟ كل ذلك تغير مع رنين ساعة اليقظة بتاريخ 11/9 بآلاف الطرق المتنوّعة. بيدَ أن هناك شيئاً أساسياً بقي بدون نقاش، وهو ضروري لمستقبلنا: كيف ينبغي أن تكون سياستنا الخارجية، وما هو الدور الذي نريده لأنفسنا في العالم؟ وما هي المصالح والقيم التي ندعي دائماً الدفاع عنها؟ وهذه أسئلة في الأمن الوطني، لا تقلّ أهمية عن حماية موانئنا ومطاراتنا. خلال تاريخنا كله كان مسلّماً أن السياسة الخارجية ليست من شغل المواطنين، وأنه لا بد من وضعها بأيدي الاختصاصيين والنُخَب السياسية والثقافية، ذلك أن المواطنين الأمريكيين ليسوا مُعَدّين بحيث يستطيعون فهم المشكلات الخارجية وإصدار رأي أو قرار فيها. وهذه غلطة ما عاد بوسعنا متابعتها. المواطنون الأمريكيون يدفعون الضرائب لدعم سياساتنا فيما وراء البحار، ويرسلون أبناءهم وبناتهم للقتال من أجل الأمة؛ ولذلك يكون من حقّهم أن يكون لهم رأي في السياسة الخارجية، كما أنهم يملكون معرفة بالعالم الخارجي الذي نتحرك فيه. إن ديمقراطية المشاركة لا تنتهي عند شواطئ المحيط. إننا ونحن نتحرك باتجاه الانتخابات الرئاسية عام 2008 نطالب من المرشحين للرئاسة أن يعرفوا الشرق الأوسط والصين معرفة جيدة، ولا يكتفوا بورقة اقتراحات حول إصلاح العناية الصحية. قبل أسابيع قليلة، كنت محظوظاً بحضور غداء صغير لدي الجنرال برنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي السابق للرئيس بوش الأب. وقد شرح سكوكروفت الموضوعين الرئيسيين للسياسة الخارجية الأمريكية، والتيارين اللذين يتصارعان عليها: التقليديون في مواجهة التغييريين، أو الواقعيون في مقابل المثاليين. وهذان القطبان يمثّلهما علي الطرفين جون كوينزي أدامز، والرئيس وودرو ويلسون. كان أدامز يقول: "نحن لا نذهب للخارج باحثين عن وحوش لنقتلها". أما ويلسون فقد كان يعتقد أن أمريكا هي مدنية مُشعّة علي جبل، وأن قَدَرنا القومي أن نكون مبشّرين بالديمقراطية. ومع أن هذا الاختزال لا يؤدي الغرض؛ فإنني أردت من ورائه أن أوضح أن السياسة الخارجية تستحقّ أن تصبح موضوعاً للنقاش والحوار في المجال الوطني. ما هي مثلاً القيم التي نريد الكفاح من أجلها؟ وما هي الفوائد الحقيقية من وراء علاقاتنا المتشابكة بالعالم الخارجي؟ وكيف نوازن بين الواقعية والمثالية؟ وفي نقاش وطني حول السياسات الخارجية لا ينبغي اتّهام مشارك مهما كان رأيه أنه غير ذي ولاء وطني أو أنه خائن. وهذا ليس ملفاً للصراع بين اليسار واليمين أو بين الأزرق والأحمر؛ لأنه يتعلق بالقيم المشتركة للأمريكيين. نستطيع الاختلاف علي التكتيك، لكننا نحتاج للتوافق حول القيم والمصالح. في نهاية الحرب العالمية الثانية، واجهنا عالماً جديداً يتحدي في بعض قيمه وسلوكاته كل ما تعودنا عليه باعتبارنا أمة. وفي المقابل طوّرنا سياسة خارجية نشِطة. مهمتها التعامل مع التحديات الجديدة والمخاطر. وقد ساعدنا في تطوير مؤسسات منفتحة مثل حلف الأطلسي، والبنك الدولي، وخطة مارشال. وقد قبل الحزبان الكبيران سياسات الاحتواء المزدوج. والذي أراه أن الظروف الحالية تستلزم محاولة جدية بالمستوي نفسه من الكفاءة، وهذا أمر غير متوافر؛ لكنه يبقي التزاماً يمكن السير فيه وإن تأخر الوقت قليلاً. إنها فرصة لا نستطيع تركها تفوت أو تضيع، وعلينا أن نكون متمتعين بخيال مُبدع، كما كان عليه أسلافنا قبل ستين عاماً. ووجود الواقعية والمثالية يقتضيان القول أن هذين الخطين ليسا في سياستنا الخارجية فقط؛ بل وفي أخلاقنا كشعب. ونحن نتصرف بطريقة سوية عندما يسير الأمران جنباً الي جنب.